تحقيقات

الزراعة في سوريا: من ركيزة للاستقرار إلى اقتصاد هشّ متعدد الأزمات

(حدْس) – هيئة التحرير:

تأتي موجة الغلاء الحادة التي تضرب اليوم أسعار الخضار والفواكه في الأسواق السورية، كمؤشر مباشر على عمق الاختلال الذي يعيشه القطاع الزراعي، لا كظاهرة طارئة أو موسمية، فارتفاع الأسعار بهذا الشكل غير المسبوق لا يعكس فقط أزمة في العرض والطلب، بل يكشف عن تآكل البنية الإنتاجية الزراعية، وتراجع قدرة هذا القطاع على تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان.

ولم يكن القطاع الزراعي في سوريا مجرّد نشاط اقتصادي تقليدي، بل شكّل لعقود أحد أعمدة الاستقرار الاجتماعي والسياسي، نظراً لارتباطه المباشر بمعيشة ملايين السكان، خصوصاً في الأرياف. قبل عام 2011، كان هذا القطاع يساهم بنسبة معتبرة في الاقتصاد الوطني ويوفر فرص عمل واسعة، ما جعله أحد صمّامات الأمان في مواجهة الأزمات. غير أن التحولات العنيفة التي شهدتها البلاد منذ ذلك التاريخ أعادت تشكيل هذا القطاع بصورة جذرية، ليغدو واحداً من أكثر القطاعات تضرراً وتعقيداً.

اقتصاد الأسعار: لماذا ترتفع الخضار والفواكه بهذا الشكل؟

لا يمكن فهم الارتفاع الحاد في أسعار الخضار والفواكه في سوريا بوصفه نتيجة ظرفية مرتبطة بموسم زراعي أو خلل مؤقت في الأسواق، بل هو انعكاس مباشر لأزمة بنيوية تضرب كامل سلسلة الإنتاج الزراعي. فالتضخم في أسعار هذه السلع يبدأ من الحقل، حيث يواجه المزارع ارتفاعاً غير مسبوق في تكاليف المدخلات، من أسمدة ومحروقات وأجور نقل، وصولاً إلى صعوبات التسويق.

وتكشف الأرقام الحديثة عن حجم هذا التحول، ففي أسواق دمشق خلال عام 2026، تراوح سعر كيلو البندورة بين 9 آلاف و12 ألف ليرة سورية، والخيار بين 14 ألف و20 ألف ليرة، بينما وصل سعر الكوسا إلى نحو 30 ألف ليرة في بعض الفترات، والباذنجان بين 10 آلاف و15 ألف ليرة، في حين سجل الليمون مستويات مرتفعة وصلت إلى 20 ألف ليرة للكيلوغرام الواحد. حتى الخضار الأساسية الأقل كلفة نسبياً، مثل البطاطا، لم تسلم من الغلاء، إذ تراوحت بين 5 آلاف و8 آلاف ليرة، وهو ما يعكس تضخماً واسع النطاق طال مختلف السلع الزراعية.

كما أن تراجع المساحات المزروعة ببعض المحاصيل الأساسية، نتيجة انخفاض الجدوى الاقتصادية، أدى إلى تقلّص العرض في الأسواق، ما يخلق فجوة بين الإنتاج والاستهلاك تُترجم سريعاً إلى ارتفاع في الأسعار. ويُضاف إلى ذلك تعدد الوسطاء في حلقات التوزيع، ما يضاعف الأسعار بين المنتج والمستهلك النهائي.

ولا يمكن إغفال أثر تدهور القدرة الشرائية، الذي يجعل أي ارتفاع -حتى لو كان محدوداً- يبدو كقفزة كبيرة في نظر المستهلك، حيث باتت كثير من الأسر تشتري الخضار بكميات محدودة جداً بعد أن كانت تُشترى بالكيلوغرامات.

بهذا المعنى، فإن موجة الغلاء الحالية ليست سوى نتيجة طبيعية لمسار طويل من تراجع الإنتاج، وارتفاع التكاليف، وغياب سياسات فعالة لضبط الأسواق أو دعم المنتجين، ما يجعل أزمة الأسعار مرآة مكثفة لأزمة القطاع الزراعي ككل.

تفكك البنية الزراعية تحت ضغط الحرب:

تركّزت العمليات العسكرية خلال سنوات الصراع في المناطق الريفية، وهي الحاضنة الأساسية للإنتاج الزراعي، الأمر الذي أدى إلى خروج مساحات واسعة من الأراضي من دائرة الاستثمار. ولم يقتصر التأثير على الأرض فقط، بل طال البنية التحتية الإنتاجية بكاملها، من شبكات الري إلى الثروة الحيوانية والمرافق الخدمية المرتبطة بها.

ومع تراجع قدرة المؤسسات الرسمية على دعم الفلاحين، وتزايد صعوبة تأمين مستلزمات الإنتاج، دخل القطاع في حلقة من الانكماش المتسارع. وقد ساهمت العقوبات الاقتصادية في تعقيد المشهد أكثر، من خلال الحدّ من تدفق المعدات الزراعية والمواد الأساسية مثل الأسمدة وقطع الغيار.

تشير التقديرات إلى خسائر مالية ضخمة طالت هذا القطاع، سواء على مستوى الأصول أو الإنتاج، ما يعكس حجم الانهيار الذي أصاب منظومة كانت تشكّل في السابق أحد أعمدة الاقتصاد الوطني. كما أن كلفة إعادة التأهيل تبدو مرتفعة للغاية، وهو ما يطرح تحديات كبيرة أمام أي خطط إنعاش مستقبلية.

الأمن الغذائي: أزمة تتجاوز الإنتاج

رغم بعض التحسن النسبي في الوضع الأمني خلال السنوات الأخيرة، إلا أن ذلك لم ينعكس بشكل حقيقي على مؤشرات الأمن الغذائي. إذ باتت شريحة واسعة من السكان غير قادرة على تأمين احتياجاتها الغذائية الأساسية، ما يضع البلاد ضمن قائمة الدول الأكثر هشاشة في هذا المجال.

ولا يرتبط هذا التدهور فقط بانخفاض الإنتاج، بل أيضاً بتراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف الغذاء، وهو ما يحوّل الأزمة الزراعية إلى أزمة معيشية شاملة.

القمح: من الاكتفاء إلى الارتهان الخارجي

يُعد القمح المؤشر الأوضح على التحولات التي أصابت القطاع الزراعي، فبعد أن كانت سوريا تحقق مستويات إنتاج مريحة، تراجعت الكميات بشكل حاد، ما دفع السلطات إلى الاعتماد على الاستيراد لتغطية النقص.

هذا التحول لا يحمل أبعاداً اقتصادية فحسب، بل يمتد إلى أبعاد سياسية واستراتيجية، إذ يضع الأمن الغذائي في دائرة التأثر بالتقلبات الدولية، سواء من حيث الأسعار أو سلاسل التوريد. كما أن التنافس بين القوى المسيطرة على مناطق الإنتاج، خاصة في الشمال الشرقي، يعكس تسييس هذا المورد الحيوي.

القطن: انهيار سلسلة إنتاج كاملة

لم يكن تراجع إنتاج القطن مجرد انخفاض في محصول زراعي، بل أدى إلى تفكك سلسلة صناعية متكاملة كانت تشكل أحد أعمدة الاقتصاد السوري. فمع تراجع الجدوى الاقتصادية لزراعته، نتيجة ارتفاع التكاليف ونقص الموارد المائية، اتجه المزارعون إلى بدائل أقل كلفة، ما أدى إلى تقلص المساحات المزروعة بشكل حاد.

هذا التحول انعكس مباشرة على الصناعات النسيجية، التي فقدت جزءاً كبيراً من مدخلاتها المحلية، وتراجعت معها شبكة واسعة من الأنشطة المرتبطة بها.

اختلال خريطة المحاصيل

تشير التغيرات في أنماط الزراعة إلى تحول واضح في أولويات الإنتاج، فقد شهدت العديد من المحاصيل الأساسية تراجعاً في المساحات والإنتاج، في حين برزت محاصيل أخرى نتيجة اعتبارات الكلفة والربحية.

كما أن بعض الزراعات التقليدية التي كانت تمثل جزءاً من الأمن الغذائي اليومي أصبحت أقل حضوراً، وهو ما يعكس تحوّلاً في سلوك المنتجين نحو تقليل المخاطر بدلاً من تعظيم الإنتاج.

تحولات نوعية: من الحمضيات إلى الزراعات البديلة

في المناطق الساحلية، ظهرت اتجاهات جديدة في الزراعة، حيث بدأ المزارعون بالتخلي عن بعض المحاصيل التقليدية مثل الحمضيات، لصالح زراعات أكثر ربحية وأقل مخاطرة، بما في ذلك الفواكه الاستوائية.

هذا التحول لا يعكس فقط تغيراً اقتصادياً، بل يشير أيضاً إلى فقدان الثقة بالسياسات الزراعية القائمة، وعجزها عن حماية الإنتاج المحلي أو ضمان تسويقه.

كلفة الإنتاج: العامل الحاسم

أحد أبرز العوامل التي تقف وراء تراجع الإنتاج يتمثل في الارتفاع الكبير في تكاليف الزراعة، سواء من حيث الأسمدة أو المحروقات، فالمزارع بات يواجه معادلة صعبة بين كلفة مرتفعة وعائد غير مضمون، ما يدفعه في كثير من الأحيان إلى تقليص نشاطه أو تغييره.

كما أن أزمة الطاقة تمثل عائقاً بنيوياً، نظراً لاعتماد العمليات الزراعية بشكل كبير على الوقود، سواء في الري أو النقل أو الحصاد.

التغير المناخي: تهديد طويل الأمد

إلى جانب العوامل الاقتصادية والسياسية، يبرز التغير المناخي كعامل ضاغط إضافي، فقد أدى تراجع الهطولات المطرية وارتفاع درجات الحرارة إلى تفاقم ظاهرة الجفاف، ما أثر سلباً على الموارد المائية والإنتاج الزراعي.

كما أن التغيرات المناخية المتطرفة، سواء في شكل موجات جفاف أو أمطار غزيرة، تساهم في زيادة هشاشة القطاع، وتضعه أمام تحديات يصعب التكيف معها في ظل ضعف الإمكانات.

الزراعة والسياسة: من إدارة الموارد إلى صراع الشرعية

في سياق المرحلة الانتقالية التي أعقبت انهيار نظام بشار الأسد، لم يعد القطاع الزراعي مجرد مجال للإنتاج، بل إلى حقل اختبار لمدى وعي سلطة الأمر الواقع بالأزمة الغذائية الحادة التي تمر بها البلاد، وانعكاساتها على الحياة اليومية للمواطنين، في ظل ضعف القدرة الشرائية، وقلة فرص العمل.

أزمة القطاع الزراعي تتجلى في ثلاثة مستويات مترابطة.

1- على مستوى السيطرة على الموارد: حيث أصبحت مناطق الإنتاج الزراعي الرئيسية، محور تنافس بين قوى مختلفة، ما يحوّل الإنتاج الزراعي إلى أداة نفوذ سياسي واقتصادي في آن واحد.

2- على مستوى السياسات العامة: إذ يعكس غياب استراتيجية زراعية واضحة حالة الارتباك المؤسسي، حيث تُدار العملية الزراعية من دون خطة واضحة ومتكاملة، في ظل غياب أي رؤية تنموية عامة.

  3- على مستوى الشرعية السياسية: أمضت السلطة أزيد من عام على وجودها في السلطة وهي تسعى إلى تأمين شرعيتها من الخارج، وارتكبت مجازر بحق مدنيين في الساحل والسويداء، من دون الالتفات إلى أن جزءاً أساسياً من الشرعية مرتبط بقدرتها على إحداث حالة اكتفاء زراعي، تنعكس في وفرة المعروض من المنتجات الزراعية، بأسعار تتناسب مع دخل المواطن السوري.

ضمن هذا الإطار، لا يمكن فصل أزمة الزراعة عن أزمة الحكم نفسها. ففشل إدارة هذا القطاع لا يؤدي فقط إلى تراجع الإنتاج، بل يساهم في إعادة إنتاج عدم الاستقرار، عبر تغذية الهجرة الداخلية، وتوسيع الاقتصاد غير الرسمي، وزيادة اعتماد السكان على شبكات بديلة خارج إطار الدولة.

خلاصة واستنتاجات

أولاً- انهيار الدور الاقتصادي التقليدي للزراعة

 لم يعد القطاع الزراعي في سوريا يؤدي وظيفته كرافعة للإنتاج الوطني، بل تحوّل إلى قطاع متراجع يعتمد على الحد الأدنى من الاستمرار، نتيجة تآكل بنيته الإنتاجية وفقدان مقومات الاستقرار.

ثانياً- تفكك الجغرافيا الزراعية

 أدى تعدد مناطق النفوذ إلى تفكيك وحدة السوق الزراعية، ما خلق أنماطاً متباينة من الإنتاج والتسعير، وأضعف قدرة أي سلطة مركزية على إدارة هذا القطاع بفعالية.

ثالثاً- تحوّل الأمن الغذائي إلى مسألة سيادية

لم يعد تأمين الغذاء قضية اقتصادية فقط، بل أصبح مرتبطاً مباشرة بالسيادة الوطنية، في ظل الاعتماد المتزايد على الاستيراد والتعرض لتقلبات الأسواق الدولية.

رابعاً- اختلال الحوافز الإنتاجية للمزارعين

دفعت الكلفة المرتفعة وعدم استقرار الأسعار المزارعين إلى العزوف عن زراعة محاصيل أساسية، أو التحول نحو بدائل أقل مخاطرة، ما يهدد التوازن الزراعي على المدى الطويل.

خامساً- صعود اقتصاد زراعي غير منظم

ساهم ضعف المؤسسات في توسع دور الوسطاء والسوق السوداء، ما أدى إلى تشوهات كبيرة في الأسعار، وانفصال متزايد بين المنتج والمستهلك.

سادساً- التغير المناخي كمضاعف للأزمة

لم يعد المناخ عاملاً ثانوياً، بل أصبح عنصراً ضاغطاً يسرّع من تدهور الموارد الطبيعية، ويزيد من هشاشة الإنتاج الزراعي في بيئة تعاني أصلاً من ضعف التكيف.

سابعاً- الزراعة كاختبار لشرعية السلطة الانتقالية

يمثل نجاح أو فشل إدارة القطاع الزراعي معياراً حقيقياً لقدرة السلطة الجديدة على الحكم، نظراً لارتباط هذا القطاع المباشر بحياة السكان واستقرارهم اليومي.

ثامناً- غياب رؤية إنقاذ شاملة

تكشف مجمل المؤشرات عن غياب استراتيجية متكاملة لإعادة بناء القطاع الزراعي، ما يجعل التدخلات الحالية أقرب إلى إدارة أزمة مستمرة، لا إلى مشروع تعافٍ حقيقي.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق