الشرع والسعي لعقد اجتماعي شفهي بين السلفية والعشائرية
حسام ميرو
المقدمة
تعيش سوريا في مرحلة ما بعد نهاية حقبة بشار الأسد، لحظة منعطف تاريخي فارق، حيث يُطرح مجدداً سؤال الشرعية السياسية وأسس العقد الاجتماعي الذي يمكن أن يؤسس لمرحلة انتقالية مستقرة. وإذا كان العقد الاجتماعي، في الفكر السياسي الحديث منذ هوبز ولوك وروسو، قد ارتبط بإرادة جمعية مكتوبة تنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم على قاعدة الحقوق والواجبات، فإن المشهد السوري الراهن يكشف عن مسار مختلف، يتجه نحو صياغة عقد اجتماعي شفهي، يقوم على تفاهمات آنية بين قوى تقليدية نافذة، في مقدمتها التيار السلفي من جهة، والبُنى العشائرية من جهة أخرى.
إن الدور الذي يلعبه أحمد الشرع، بصفته رئيساً انتقالياً بعد بشار الأسد، يعكس هذا الاتجاه؛ إذ يسعى إلى تثبيت شرعية سياسية قائمة على موازنة بين قوى دينية–سلفية تمتلك قاعدة شعبية، خصوصاً ضمن حاضنة “هيئة تحرير الشام”، وبين قوى عشائرية تملك الشرعية العرفية والاجتماعية، وذلك على حساب تراجع القوى المدنية والمدينية والسياسية، التي تبدو اليوم مُهمشة في معادلة السلطة الجديدة.
تكمن خطورة هذا المسار في أنه يكرّس نموذجاً هشاً للعقد الاجتماعي، يقوم على تفاهمات غير مكتوبة يسهل نقضها مع تغيّر موازين القوى، ويعيد إنتاج البنية ما قبل–الدولتية التي لطالما عطّلت مسار بناء الدولة الحديثة في سوريا. وفي الوقت ذاته، فإن استبعاد النخب المدنية والسياسية من صياغة مستقبل البلاد، يهدد بتحويل المرحلة الانتقالية إلى مجرد إعادة إنتاج لنظام تقليدي جديد، يفتقر إلى الضمانات المؤسسية والدستورية التي تحمي حقوق الأفراد والمجموعات.
من هنا، تأتي أهمية هذه الدراسة في تحليل طبيعة العقد الاجتماعي الذي يسعى أحمد الشرع إلى تأسيسه، والوقوف على مكوناته وحدوده ومآلاته، ومقارنة هذا النموذج بالعقد الاجتماعي المدني–الدستوري المطلوب لضمان انتقال سياسي حقيقي.
الفصل الأول: الإطار النظري للعقد الاجتماعي في الحالة السورية
1- مفهوم العقد الاجتماعي في الفكر السياسي
يُعدّ العقد الاجتماعي من أبرز المفاهيم المؤسسة للفكر السياسي الحديث. فقد طرحه توماس هوبز في” الليفياثان” باعتباره اتفاقاً يسلّم فيه الأفراد جزءاً من حرياتهم المطلقة لسلطة عليا تضمن لهم الأمن. في حين رأى جون لوك أن العقد يقوم على حماية حقوق طبيعية أساسية (الحياة، الحرية، الملكية)، ولا تكون السلطة شرعية إلا بقدرتها على صون هذه الحقوق. أما جان جاك روسو فربط العقد الاجتماعي بـ”الإرادة العامة”، حيث يصبح الشعب سيد نفسه من خلال وضع قوانين تعكس المصلحة المشتركة.
هذه التصورات جميعها تنطلق من فكرة أساسية: أن السلطة السياسية لا تستمد شرعيتها من الغلبة أو القوة وحدها، وإنما من عقدٍ يربط الحاكم بالمحكوم، ويحدد أسس العلاقة بينهما.
2- العقد الاجتماعي المكتوب والشفهي
من الناحية النظرية، يمكن التمييز بين نوعين من العقود الاجتماعية:
العقد المكتوب، وهو العقد الذي يدوّن عادة في شكل دستور، يحدّد بيوضوح الحقوق والواجبات، ويضع أسس التوازن بين السلطات الثلاث (التشريعية والقضائية والتنفيذية)، ويشكل مرجعية قانونية ملزمة للجميع.
العقد الشفهي، وهو عقد غير مدوّن، يقوم على تفاهمات عرفية أو دينية أو قبلية، توفر قدراً من الاستقرار المؤقت، لكنها تبقى عرضة للانهيار عند تبدل موازين القوى، أ, غياب الضمانات المؤسساتية.
في الدول الحديثة، ارتبط العقد الاجتماعي المكتوب بالانتقال نحو الدولة الدستورية، بينما ارتبط العقد الشفهي في معظم التجارب التاريخية بالمجتمعات التقليدية أو المراحل الانتقالية غير المستقرّة.
3- خصوصية العقد الاجتماعي في السياق السوري
تاريخياً، لم تعرف سوريا عقداً اجتماعياً جامعاً بالمعنى الدستوري الصارم. فمرحلة ما بعد الاستقلال (1946) شهدت محاولات دستورية متقطعة سرعان ما أُطيح بها عبر الانقلابات العسكرية. وفي ظل حكم حزب البعث منذ 1963، جرى تحويل الدستور إلى مجرد نص شكلي يخدم السلطة الاستبدادية. وعليه، لم يُنجَز في سوريا عقد اجتماعي حقيقي، بل سادت أنماط من “التعاقدات القسرية” المفروضة من أعلى، والتي تقوم على مزيج من القمع الأمني والولاءات الزبائنية.
اليوم، مع سقوط النظام الأسدي، يظهر اتجاه جديد يسعى لإعادة تأسيس الشرعية على قاعدة تفاهمات شفهية بين التيار السلفي الذي يملك الشرعية الدينية، والبُنى العشائرية التي تملك الشرعية العرفية. هذا النمط من العقد يعكس استعادة لصيغ “ما قبل الدولة”، ويطرح سؤالاً مركزياً: هل يمكن لمثل هذه التفاهمات أن تُنتج دولة حديثة مستقرة، أم أنها ستبقى إطاراً هشاً يهدد بانفجار جديد؟
الفصل الثاني: أحمد الشرع والعقد الاجتماعي الجديد
1- أحمد الشرع وسياق صعوده السياسي
بعد أكثر من 13 عاماً من الصراع السوري، وما انطوى عليه من غياب للسياسة، وصعود القوى السلفية المسلحة على حساب القوى المدنية والسياسية، في إطار صراع إقليمي ودولي على سوريا، وأبعد منها في الأهداف الاستراتيجية، جاء أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني)، على الرغم من تصنيفه وتصنيف “الهيئة” في لوائح الإرهاب الدولية، إلى سدّة الحكم في دمشق، لماء الفراغ العسكري والأمني والسياسي، في سياق توافق إقليمي ودولي، على إنهاء حقبة بشار الأسد، وإخراج إيران من سوريا ولبنان.
مع تفكك القوى السياسية السورية، وعمل مؤسسات المعارضة الرسمية من الخارج، برزت القوى السلفية والعشائرية بوصفها بنى بديلة للشبكات السياسية والمحلية، خصوصاً لامتلاكها السلاح، وقدرتها على تأمين المقاتلين، وسهولة اتخاذ القرار فيها من رأس الهرم، وفقاً لبيعة الأمير عند السلفيين، أو التبعية لشيخ العشيرة عند العشائر.
2- ملامح العقد الاجتماعي الذي يسعى لتأسيسه
عقد شفهي- توافقي: يقوم هذا العقد على تفاهمات غير مكتوبة، أساسها منح القوى السلفية والعشائرية مساحة نفوذ وامتيازات واسعة، مقابل الاعتراف بشرعيته، والدفاع عنها.
إعادة الاعتبار للشرعية التقليدية” عبر تمكين الشريعة (كما يطرحها التيار السلفي)، والعرف (كما تمثّله العشائر)، من لعب دور مرجعي في إدارة المجتمع.
تهميش القوى المدنية والسياسية: بدأ هذا التهميش من اللحظة الأولى، مع تهميش أي دور سياسي للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، وحلّ الأحزاب السياسية، وعدم دعوة شخصيات بصفتها السياسية إلى ما سمي ب”مؤتمر الحوار الوطني”، واللقاء مع الفعاليات الأهلية المناطقية والطائفية.
3- وافع هذا المسار
البحث عن الاستقرار السريع: إذ يرى الشرع وداعميه أن القوى التقليدية، السلفية والعشائرية، هي الأكثر قدرة على ضبط الأمن، نظراً لامتلاكهم السلاح والشرعية الاجتماعية.
البراغماتية السياسية: اختيار التفاهم مع القوى الأقوى على الأرض بدلاً من الرهان على نخب سياسية ومدنية ضعيفة أو منقسمة.
الحفاظ على الشرعية الشخصية: يدرك الشرع أن استمراره في الحكم مرهون بوجود قاعدة اجتماعية، توفرها له القوى السلفية والعشائرية.
إغلاق الباب أمام التغيير الديمقراطي: معظم القوى الإقليمية والدولية لا ترغب بحدوث تحوّل سوريا نحو نظام حكم يقوم على الديمقراطية والتنافسية السياسية، وأن الأنسب إقامة نظام حكم شمولي، يقوم على جناحين تقليديين: السلفية والعشائرية، على غرار معظم دول الخليج.
4-إشكاليات العقد الجديد
الهشاشة البنيوية: كونه عقداً شفهياً فهو يظل رهينة تقلّب التحالفات وموازين القوى.
تكريس دولة ما قبل الدولة: يعيد إنتاج أنماط العرف والشرعية التقليدية، بدلاً من تكريس الدولة الحديثة، وقد ظهر بوضح هذا النمط في الجرائم التي ارتكبتها قوات الأمن العام والفزعات العشائرية في الساحل في مارس/ آذار الماضي، أو في السويداء، في شهر يوليو/ تموز الماضي.
قيام استبداد جديد: هذا العقد من شأنه أن ينتج استبداداً جديداً، يقصي كل القوى المدنية والسياسية، ويعيق حضورها وتطورها.
خطر على الحريّات والحقوق: يكرس هذا العقد نمطاً جماعياً ذكورياً، يلغي الفرد والمواطن من القاموس السياسي لمصلحة الجماعة الدينية والعشائرية، ويقلّص بالتالي مساحة هذه الحريّات والحقوق، ويضعها تحت وصاية الدين والعادات والتقاليد.
غياب الريع: استقرار الأنظمة السياسية التي تتبنى هذا النوع من العقود الشفاهية القائمة على قوى الدين والعرف، يحتاج إلى ريع مالي كبير ثابت، لتأمين تقديم الرشاوى للقوى المجتمعية، كما في الأنظمة النفطية في الخليج، وهو ما لا يتوفّر في سوريا، ما يجعل من القوى السلفية والعشائرية في حالة نهش للجسد السوري بحثاً عن الريع.
الفصل الثالث: نقد وتحليل العقد الاجتماعي الشفهي
1-هشاشة التفاهمات الشفهية
إن جوهر العقد الاجتماعي يكمن في كونه قاعدة ملزمة تضبط علاقة السلطة بالمجتمع. لكن في الحالة السورية الراهنة، حيث يعتمد أحمد الشرع على تفاهمات شفهية مع التيار السلفي والقوى العشائرية، يغيب أي إطار مكتوب يحدد الحقوق والواجبات أو يضع آليات محاسبة واضحة. وهذا يعني أن العقد ليس سوى تحالف ظرفي، يمكن أن ينهار مع أي تغير في موازين القوى أو تضارب في المصالح بين الأطراف.
2-شرعنة العنف عبر الأعراف العشائرية
من أخطر مظاهر هذا العقد أن الشرع استخدم الفزعات العشائرية كغطاء لانتهاكات قواته. ففي يوليو/ تموز، اقتحمت قوات الأمن العام محافظة السويداء، بعد حادث مفتعل بين بعض البدو وبعض أبناء المحافظة، واستخدمت الفزعات العشائرية لإخضاع أهل السويداء، وجرى اعتبارها صراعاً عشائرياً، أو ثأراً عشائرياً، أكثر من كونها جرائم جنائية أو سياسية أو جرائم تطهير طائفي، وهذه الجرائم، وقبلها جرائم الأمن العام في الساحل ضد مدنيين من أبناء الطائفة العلوية في مارس/ آذار الماضي، توضح أن التفاهمات الشفهية لا تفضي إلى بناء مؤسسات قانونية، بل إلى استدعاء أنماط ما قبل الدولة التي تسمح بالقتل والتجاوز من دون مساءلة، طالما وُجدت شرعية عرفية تغطيها.
3-تهميش القوى المدنية والمدينية
في الوقت الذي يعتمد فيه الشرع على السلفيين والعشائر لضمان استقرار سلطته الانتقالية، يهمَّش دور القوى المدنية والمدينية. هذه القوى، رغم ضعفها التنظيمي حالياً، هي التي تمتلك التصورات الدستورية والسياسية لبناء دولة قانون ومواطنة. لكن إقصاءها يترك المجال مفتوحاً أمام قوى تقليدية تُعيد إنتاج نفس آليات الإقصاء والاستبداد، وإن بأشكال جديدة.
4-إعادة إنتاج الاستبداد تحت غطاء تقليدي
إن أي عقد اجتماعي لا يقوم على دستور مكتوب، ويستند فقط إلى الأعراف العشائرية والشرعية الدينية، هو بطبيعة الحال، وبشكل مؤكد، إعادة إنتاج للاستبداد، من خلال إضفاء الشرعية على سلطة مركزية، مدعومة من قوى اجتماعية تقليدية، تمارس العنف من دون مساءلة، ما يعيد سوريا إلى دائرة الاستبداد، مع غياب علاقات متوازنة حديثة بين الدولة والمجتمع، من خلال سلطة تعتمد على الهيمنة باسم الدين والعرف.
الخاتمة والتوصيات
تكشف التجربة السورية في مرحلة ما بعد الأسد، ومع صعود أحمد الشرع إلى موقع الرئاسة الانتقالية، عن مأزق خطير في طبيعة العقد الاجتماعي الجاري صياغته. فبدلاً من التوجه نحو عقد مدني–دستوري مكتوب، يضمن مشاركة جميع القوى الاجتماعية والسياسية، يتجه الشرع نحو تأسيس عقد شفهي يقوم على تفاهمات ظرفية بين التيار السلفي والقوى العشائرية. هذا النمط يعيد إنتاج أنماط ما قبل الدولة، ويحول دون بناء مؤسسات ديمقراطية مستقرة، بل ويستخدم أحياناً كغطاء لتبرير العنف والانتهاكات، كما حدث في الساحل والسويداء. .
إن أي انتقال سياسي لا يقوم على أسس دستورية مدنية مكتوبة سيبقى انتقالاً هشاً، معرضاً للانهيار في أي لحظة، وسيعجز عن تحقيق الاستقرار والعدالة. ومن هنا، تبدو الحاجة ملحّة لتوجيه التوصيات الآتية:
أولاً: إلى القوى المدنية والسياسية السورية
1-بناء تحالف سياسي وطني، يتبنى مبادىء الديمقراطية واللامركزية والحريات وتحييد الدين والأعراف عن الدولة.
2- بناء خطاب بديل: مواجهة الخطاب السلفي-العشائري بخطاب سياسي يربط بين حقوق الأفراد والعدالة الاجتماعية ودولة القانون.
3- كشف مخاطر تمكين هذا الحلف السلفي – العشائري على مستقبل سوريا الدولة والمجتمع والاقتصاد والأمن.
4-التأكيد على ضرورة وجود عقد اجتماعي مكتوب، يتأسس على مقوّمات الدولة الديمقراطية الحديثة، بنظام سياسي لا مركزي.
ثانياً: إلى المجتمع السوري الأوسع
1-تعزيز الوعي العام الشعبي: نشر فكرة أن الاستقرار الحقيقي لا يبنى على العقود الشفاهية، ولا يمكن للدول كي تستقر من أن يكون هناك عقد مكتوب يصيغه ممثلو القوى السياسية والمدنية والأهلية.
2-المطالبة بالمساءلة القانونية: عدم قبول فكرة تبرير الانتهاكات تحت غطاء الأمن أو التكفير الديني أو الثارات العشائرية، والمطالبة الدائمة والمستمرة بضرورة محاكمة مرتكبي الجرائم، مهما كانت مواقعهم.
3- الانخراط في العمل السياسي والمدني: إن مواجهة هذا التحالف الشفهي الإقصائي، غير ممكن من دون إعادة الاعتبار للعمل التنظيمي السياسي والمدني، وانخراط الناس في بنى منظمة، والعمل في إطارها.
ثالثاً: إلى المجتمع الدولي
1-عدم شرعنة العقد الشفهي: تجنب دعم تفاهمات مؤقنة بين قوى سلفية وقوى عشائرية، فهي ليست بديلاً عن العملية السياسية، وإنما وصفة مثالية لاستمرار العنف والفوضى في البلاد، وعائق أمام بناء الدولة.
2-دعم القوى السياسية والمدنية: إن توفير الغطاء السياسي والإعلامي لهذه القوى، من شأنه أن يعزز مكانتها بوصفها تعبيراً عن تطلعات بناء الدولة الحديثة، وضمان الاستقرار الداخلي، والالتزام بالانخراط الإيجابي في بناء منظومة أمن واستقرار جديدة في المنطقة.
3- ربط المساعدات بالحوكمة: اشتراط أن تكون أي مساعدات تقدّم للحكومة مرتبطة بمشاريع محددة، وفق معايير حوكمية صارمة، لمنع استخدام الموارد الدولية في تغذية القوى السلفية والعشائرية.