سوريا بين أشكال الحكم المركزي والفيدرالي واللامركزي
علاء الخطيب
مقدمة:
لا يُعدّ اختيارُ شكلِ الحكم في الدولة مجرّدَ مسألةٍ تقنيةٍ لتنظيم الإدارة العامة، بل هو تعبيرٌ عن عقدٍ اجتماعي يحدّد من أين تأتي الشرعية، وكيف تُوزَّع السلطة والموارد، وبأي أدوات تُحلّ النزاعات داخل المجتمع. فكلُّ نموذجٍ للحكم (مركزي، فيدرالي، لا مركزي سياسي أو إداري، أو كونفدرالي) يجسِّد موازنةً عمليّة بين جملة مفاضلات: وحدة الدولة مقابل تنوعها الداخلي، الفاعلية والسرعة مقابل التمثيل والمشاركة، وتماسك القرار القومي مقابل الاستجابة لخصوصيات المناطق.
كما أن نجاح أيّ نموذجٍ لا يتوقّف على نصٍّ دستوريٍّ بارعٍ فحسب، بل على ثقافةٍ سياسية قادرةٍ على التعايش وإدارة الاختلاف، وعلى مؤسّساتٍ تفصل بين السلطات وتحتكم إلى سيادة القانون، وتحمي حقوق الإنسان والمواطنة المتساوية. بذلك يصبح شكل الحكم أداةً لتحقيق غاياتٍ أعلى: الاستقرار، العدالة، التنمية، والحرية؛ لا غايةً بذاته.
ولأن المصطلحات تُستخدم أحياناً على نحوٍ تبادلي، يجدر التفريق بين: الدولة بوصفها الكيان السيادي الجامع، والنظام بوصفه الإطار الدستوري والقانوني لتوزيع السلطات، والحكومة بوصفها السلطة التنفيذية المتغيرة. هذا التفريق يُعين على فهم أين يتمركز الخلل وكيف تُعالَج الفجوات.
انطلق الجدل والنقاش حول شكل الحكم في سورية منذ أكثر من عقد، خصوصاً بعد تأسيس الإدارة الذاتية في منطقة الجزيرة السورية، وقوات سورية الديمقراطية “قسد”. وقد عاد هذا النقاش إلى الساحة السورية بكثافة بعد إسقاط نظام بشار الأسد، ووصول أحمد الشرع للسلطة في سورية؛ وظهور اختلافات عميقة ما بين قسد وبين السلطة السورية المؤقتة، ثم ازداد الجدل أكثر بعد مجزرتي الساحل والسويداء، وإعلان أطراف من السويداء والساحل عن رفضها للسلطة المؤقتة، وخروج جهات تطلب حتى الانفصال عن سورية.
انطلاقاً من هذا المنظور، تستعرض هذه الورقة أشكال الحكم في الدولة الحديثة وتوزيعات السلطة فيها، ثم تُقارن بينها على ضوء أمثلةٍ تاريخية ومعاصرة، قبل الانتقال إلى قراءةٍ تطبيقيةٍ للحالة السورية، حيث يتقدّم السؤال العملي: أيُّ مزيجٍ مؤسّسيٍّ يُرجّح وحدة الدولة واستدامتها مع تمثيلٍ عادلٍ وتوزيعٍ متوازنٍ للسلطة والثروة؟
أولاً- الحكم في الدولة الحديثة
الحكم في الدولة هو الإطار الذي تُدار من خلاله شؤون المجتمع، وشؤون علاقة الدولة مع الدول الأخرى، وفق منظومة من السلطات والوظائف السيادية.
يتم تحديد وتنظيم عمل السلطات في الدولة من قبل الدستور والنظام القانوني، وتشمل هذه المنظومة ثلاث سلطات مستقلة عن بعضها البعض وهي:
- السلطة التشريعية: التي تضع القوانين وتسن التشريعات. وتكون عادة مجالس منتخبة تمثل نظرياً الشعب، مثل مجلس الشعب، مجلس الشيوخ، أو البرلمان.
- السلطة التنفيذية: التي تنفذ السياسات العامة وتشرف وتدير مختلف النشاطات التي تضمن استقرار وسلامة وأمن الدولة والمجتمع؛ وكذلك تتحمل مسؤولية إنفاذ القانون وقرارات السلطة التشريعية والقضائية. وتتضمن رئاسة الدولة، الحكومة، الجيش، الأمن، ومختلف مؤسسات الدولة.
- السلطة القضائية: التي تفصل في المنازعات وتراقب تطبيق القوانين، من خلال الجهاز القضائي، الذي يتكون أساسا من المحاكم والأجهزة الداعمة لها.
ويضاف إلى هذه السلطات التقليدية مجموعة من الوظائف الجوهرية التي تحدد استقلال الدولة وسيادتها، مثل إدارة السياسة الاقتصادية، وقيادة الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية، وإدارة العلاقات الخارجية والمعاهدات الدولية، والتحكم في الثروات الطبيعية والباطنية. طريقة توزيع هذه السلطات والمسؤوليات بين المركز والأقاليم أو الوحدات المحلية هي التي تحدد شكل نظام الحكم.

ثانياً- الحكم المركزي:
1- التعريف: نظام تتركز فيه جميع سلطات الحكم في المركز (حكومة مركزية واحدة). أما الحكومات أو الإدارات المحلية، فتعمل كأذرع تنفيذية تحت إشراف صارم من المركز،
2- السمات وتوزيع السلطات:
- التشريع والسياسات العامة: قوانين موحّدة تضعها السلطة المركزية وتلزم جميع الأقاليم.
- التنفيذ والإدارة: الوزارات والهيئات المركزية تقود القطاعات الرئيسة، وتفوّض مهاماً إدارية محدودة للوحدات المحليّة.
- القضاء: هرم قضائي موحّد يخضع لرقابة عليا مركزية.
- الأمن والدفاع والعلاقات الخارجية: تُدار مركزياً (جيش، أجهزة أمن، سياسة خارجية ومعاهدات).
- الاقتصاد والثروات: يضع المركز الاستراتيجيات الاقتصادية ويتحكم بالموارد الوطنية والثروات الباطنية وتوزيعها.
- المزايا/القيود: سرعة القرار ووحدة المعايير مقابل بطء الاستجابة لخصوصيات المناطق واحتمال تراكم البيروقراطية وارتفاع مخاطر التسلّط إن غابت الضمانات الديمقراطية.
3- أمثلة:
فرنسا (تقليدياً)، مصر، الصين؛ وسورية تاريخياً اتبعت نموذجاً مركزياً قبل الجدل الراهن حول إعادة توزيع السلطة.
ثالثاً- الحكم الفيدرالي:
1-التعريف:
نظام يُقسِّم فيه الدستور السلطات بين حكومة مركزية (وطنية) وحكومات إقليمية (ولايات أو مقاطعات)، بحيث يكون لكل مستوى من الحكومة صلاحياته المستقلة.
2-السمات وتوزيع السلطات:
- المركز: يتولى الدفاع، الأمن القومي، السياسة الخارجية، العملة، المعاهدات الدولية.
- الأقاليم: تشرّع في مجالات محلية (التعليم، الضرائب، بعض قطاعات الصحة والشرطة).
- المزايا/القيود: يوفّر مرونة وتنوّعاً ويتماشى مع الديمقراطية، لكنه يحتاج دستوراً دقيقاً لتفادي تضارب الصلاحيات.
3- أمثلة:
الولايات المتحدة، ألمانيا، كندا، الإمارات العربية المتحدة (بخصوصيتها).
رابعاً- الحكم الكونفدرالي
1-التعريف:
اتحاد دول مستقلة ذات سيادة، تفوض بعض الصلاحيات إلى هيئة مشتركة، لكن تبقى السيادة الأساسية بيد الدول الأعضاء.
2-السمات وتوزيع السلطات:
- المركز: سلطة ضعيفة تُعنى غالباً بالتجارة أو السياسات الخارجية المشتركة.
- الدول الأعضاء: تحتفظ بجيوشها واقتصادها وتشريعاتها وسيادتها الكاملة.
- المزايا/القيود: مرونة قصوى، لكنها عرضة للتفكك وفقدان الفعالية.
3-أمثلة:
الكونفدرالية السويسرية قبل 1848، الاتحاد الأوروبي (شبه كونفدرالي)، الكونفدرالية الأمريكية (1861–1865)، اتحاد الإمارات قبل 1971.
خامساً-اللامركزية السياسية
1- التعريف:
اللامركزية السياسية تمنح الأقاليم سلطات تشريعية وتنفيذية، لكن ضمن دولة واحدة موحدة. فهو شكل أعمق من أشكال التفويض، حيث تُمنح الحكومات دون الوطنية استقلالًا سياسيًا حقيقيًا، بما في ذلك صلاحية سن القوانين، فرض الضرائب، وانتخاب قياداتها بشكل مستقل.
2- السمات وتوزيع السلطات:
- المركز: يحتكر الدفاع والسياسة الخارجية والجيش.
- الأقاليم: تمتلك برلمانات وحكومات محلية منتخبة بصلاحيات تشريعية وتنفيذية مستقلة نسبياً (ضرائب، سياسات محلية).
- المزايا/القيود: تعزز التمثيل والاستجابة للتنوع، يوازن بين الوحدة والاختلاف. لكنها قد تفتح الباب لمطالب الانفصال إذا بُنيت على أسس إثنية أو طائفية.
3- أمثلة:
إسبانيا (كتالونيا/الباسك)، الهند، إندونيسيا (بعد 1999)، إقليم كردستان العراق.
سادساً- اللامركزية الإدارية
1- التعريف:
تُفوَّض الحكومة المركزية في الحكم اللامركزي الإداري مهاماَ إدارية ومحلية إلى سلطات محلية، مع بقاء السيطرة السياسية والتشريعية بيد المركز.
2- السمات وتوزيع السلطات:
- المركز: يضع التشريعات والسياسات الوطنية.
- المحافظات/البلديات: تدير الخدمات اليومية (تعليم، صحة، بلديات، نظافة) تحت إشراف المركز.
- المزايا/القيود: تحسّن الخدمات المحلية وتخفف البيروقراطية، لكنها لا تغيّر موازين السلطة السياسية.
3-أمثلة:
المغرب (إصلاحات الإدارة المحلية)، اليابان (حكومات المحافظات)، تونس بعد دستور 2014.
الشكل 2، مخطط يبين اتجاه السلطات في مختلف نظم الحكم.
سابعاً-مقارنة بين نماذج الحكم
من المهم ملاحظة أن هذه التعريفات والمقارنة ليست خطوطاً واضحة وفاصلة بين نظم الحكم القائمة في العالم اليوم، فقد نجد في بعض الدول ذات الحكم المركزي بعضاً من خصائص النظام الفدرالي، مثل فرنسا ذات الحكم المركزي، إلا أنها تقوم بزيادة صلاحيات المقاطعات خصوصاُ بما يتعلق بالتعليم والمواصلات. فعنوان حكم فدرالي أو لامركزي سياسي لا يكفي لمعرفة تفاصيل توزيع السلطات والصلاحيات، وهذه تعود لحالة كل بلد.
يمكن أن نلاحظ أن الأنظمة المركزية تقدم أقوى ضمان للوحدة الوطنية، لكنها في الوقت نقسه قد تكون أقل كفاءة في المحافظة على عدالة التوزيع بين الأقاليم، وأكثر بعداً عن الهموم الفردية للمواطنين.
| السلطة\الوظيفة | المركزي | الفدرالي | الكونفدرالي | لامركزي-سياسي | لامركزي-إداري |
| التشريع | مركزي | مشترك | مستقل لكل دولة | مشترك | مركزي |
| الجيش والدفاع | مركزي | مركزي | مستقل لكل دولة | مركزي | مركزي |
| الأمن الداخلي | مركزي | مشترك | مستقل لكل دولة | مشترك | مركزي |
| الاقتصاد والضرائب | مركزي | مشترك | مستقل لكل دولة | مشترك | مركزي |
| العلاقات الخارجية | مركزي | مركزي | غالباً مستقل | مركزي | مركزي |
| الثروات الباطنية | مركزي | غالباً مركزي | مستقل لكل دولة | مركزي أو مشترك | مركزي |
| احتمالات الانفصال | قليلة جداً | قليلة | محتملة جداً | محتملة جداً | قليلة جداً |
| ملائمته للدول بعد الأزمات | مناسب على المدى القصير | خطير على المدى القصير، ناجح على المدى البعيد | غير ملائم | خطير على المدى القصير، ناجح على المدى البعيد | مناسب على المدى القصير |
الجدول 1، مقارنة بين أشكال الحكم في الدولة الحديثة.
ثامناً-التطبيق الواقعي
تُظهر المقارنات أن الدول المتقدمة تميل للفيدرالية، والدول النامية للمركزية، بينما الدول الخارجة من نزاعات تُجبر غالباً على نماذج لامركزية هشة.
فيما يلي بعض الأمثلة الواقعية حول تجارب بعض الدول، التي مرت بأزمات كبيرة، ونظم الحكم التي توجهت إليها.
1- ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية
بعد انهيار النظام النازي، أُعيد بناء ألمانيا كنظام فيدرالي عام 1949، حيث وزعت السلطة بين الحكومة الاتحادية و16 ولاية (Bundesländer)، والهدف كان منع عودة الاستبداد المركزي، وتعزيز الديمقراطية المحلية. التجربة تُعتبر من أنجح النماذج الفيدرالية في التاريخ الحديث.
2- بلجيكا
بعد أزمات لغوية وثقافية بين الفلمنج والفرنسيين، تحوّلت بلجيكا تدريجيًا إلى نظام فيدرالي منذ الثمانينات، واليوم تضم 3 أقاليم و3 مجتمعات لغوية، ولكل منها صلاحيات واسعة. فبلجيكا تُعد من أنجح نماذج الفيدرالية الثقافية في أوروبا.
3- إسبانيا
بعد نهاية حكم فرانكو (1975)، أُقرّ دستور 1978 الذي منح الأقاليم صلاحيات سياسية واسعة، فرغم أن إسبانيا ليست فيدرالية رسميًا، إلا أن نظامها يُوصف بأنه “فيدرالية غير معلنة”. فإقليما كتالونيا والباسك يتمتعان بحكم ذاتي قوي، لكن التوترات لا تزال قائمة.
4- الإمارات العربية المتحدة (1971)
رغم أنها لم تمر بحرب أهلية، إلا أن تأسيس الاتحاد جاء بعد مرحلة من الانقسامات القبلية. النموذج الإماراتي يُعتبر ناجحًا، بفضل التوافق السياسي، توزيع الثروات، والمرونة الدستورية.
5- العراق بعد سقوط نظام صدام حسين (2003)
أُقرّ الدستور العراقي عام 2005 بنظام فيدرالي. وبموجبه حصل إقليم كردستان على حكم ذاتي واسع، مع برلمان وقوات أمن خاصة. رغم ذلك، بقي التطبيق محدودًا خارج الإقليم، بسبب الصراعات الطائفية، التدخلات الخارجية، وضعف الثقة بين المكونات. التجربة تُوصف بأنها “نصف فيدرالية”، ناجحة إداريًا، لكنها متعثرة سياسيًا.
6- إثيوبيا بعد سقوط نظام منغستو (1991)
تبنّت إثيوبيا “الفيدرالية الإثنية” بعد سقوط نظام منغستو هيلا مريام عام 1991، حيث قُسمت البلاد إلى أقاليم على أساس عرقي، حيث حصل كل إقليم على الحق نظريًا في الانفصال. وقد أدّى ذلك إلى صراعات داخلية، أبرزها حرب تيغراي، وانهيار جزئي للنظام. التجربة تُعد تحذيرًا من الفيدرالية القائمة على الهويات المنغلقة.
7- البوسنة والهرسك بعد حرب البلقان (1992–1995)
اتفاقية دايتون (1995) أنشأت نظامًا فيدراليًا معقدًا بين الكيان الصربي والاتحاد البوسني الكرواتي، ورغم وقف الحرب، بقي النظام هشًا، ويعاني من الانقسامات العرقية والسياسية. الفيدرالية هنا كانت “أداة تسوية”، لا “مشروع وحدة وطنية”.
8- السودان (نيفاشا 2005)
اتفاق السلام أعطى الجنوب حكماً ذاتياً فيدرالياً داخل السودان لست سنوات، مع حق الاستفتاء. لكن النتيجة كانت، وفق استفتاء 2011، انفصال جنوب السودان.
9- لبنان
رغم أن لبنان لم يعتمد نظاماً فيدرالياً رسمياً، إلا أنه تبنّى صيغة تقاسم سلطات مركزية طائفية (رئيس جمهورية ماروني، رئيس وزراء سني، رئيس برلمان شيعي). هذا النموذج كان يهدف إلى طمأنة المكوّنات المختلفة، لكنه في الواقع أدّى إلى شلل مؤسسات الدولة، وإلى تحويل الطائفية إلى بنية دائمة للنظام السياسي. وبالتالي، يُظهر لبنان أن تقاسم السلطة الطائفي قد يمنع هيمنة فئة واحدة، لكنه لا يؤسس لدولة قوية أو مستقرة.
10-رواندا بعد 1994
بعد حرب الإبادة الجماعية الأسوء في القرن العشرين (الهوتو ضد التوتسي)، لم تتجه رواندا إلى فيدرالية أو لا مركزية سياسية، بالعكس توجه النظام الجديد بقيادة الجبهة الوطنية الرواندية للتركيز على المركزية القوية لبسط الأمن ومنع أي تقسيم. حيث تم اعتماد لامركزية إدارية تدريجية (إصلاحات 2000–2006)، حيث أخذت البلديات والمحليات دورا بالخدمات والتنمية، لكن القرارات السيادية بقيت بيد الحكومة المركزية. وقد كان الهدف: منع تكريس الانقسام الإثني، لأن أي فيدرالية كانت ستؤدي غالباً إلى الانقسام وفق الإثنيات.
11- تركيا
تركيا مثال على دولة مركزية قوية، لكنها سمحت بقدر واسع من اللامركزية الإدارية. البلديات الكبرى مثل إسطنبول وأنقرة تمتلك صلاحيات إدارية ومالية مهمة، لكنها تبقى تحت الرقابة الصارمة للدولة المركزية. ورغم التوترات القومية (خصوصاً مع الأكراد)، حافظ هذا النموذج على وحدة الدولة ومنع تفككها، وهو يوضح أن المركزية يمكن أن تتعايش مع لامركزية إدارية موسعة بشرط وجود مؤسسات قوية وقدرة المركز على ضبط التوازن.
تاسعاً- اللامركزية والفيدرالية في الدول الخارجة من النزاعات: الفرص والمخاطر
عندما تمر الدول بأزمات داخلية عنيفة أو حروب أهلية، غالباً ما يُطرح خيار الفيدرالية أو اللامركزية السياسية كوسيلة لتقاسم السلطة وطمأنة المكوّنات المتنازعة. والغاية الأساسية من ذلك هي تجنّب عودة الاستبداد المركزي الذي كان في حالات كثيرة أحد أسباب اندلاع النزاع.
1-الفرص والمزايا
- تقاسم السلطة والثروة: يضمن مشاركة أوسع للمناطق والجماعات المختلفة في صنع القرار، ويُقلّل من شعور التهميش.
- تخفيف الاحتقان الأمني: عندما تدير الأقاليم شؤونها اليومية، يقل الاحتكاك المباشر بينها وبين المركز.
- مرونة في إدارة التنوع: يتيح للمناطق ذات الخصوصية الإثنية أو الثقافية مساحة للتعبير عن هويتها ضمن الدولة الواحدة.
- توزيع التنمية: يقلّل من احتكار العاصمة للموارد الاقتصادية.
2-المخاطر والتحديات
- هشاشة الدولة: في حال غياب مؤسسات قوية، قد تتحول الفيدرالية إلى تمهيد للانفصال.
- ازدواجية السيادة: تضارب الاختصاصات بين المركز والأقاليم قد يؤدي إلى شلل سياسي.
- ضعف الولاء الوطني: قد تطغى الهويات المحلية أو الطائفية على الهوية الوطنية الجامعة.
- الخلافات حول الثروات: النزاع على توزيع الثروات الطبيعية يمكن أن يعيد إشعال الصراع.
3- شروط نجاح النظام الفدرالي أو اللامركزي السياسي
لضمان نجاح أي تجربة فيدرالية أو لامركزية سياسية في هذه السياقات، يجب توافر جملة من الشروط:
- دستور واضح يحدد بدقة صلاحيات المركز والأقاليم.
- قضاء مستقل للفصل في النزاعات الدستورية.
- توزيع عادل للثروات الوطنية عبر آليات شفافة.
- ثقافة سياسية توافقية تضمن أن تُستخدم الفيدرالية كآلية للتعايش لا كمرحلة للانفصال.
- جيش وأمن وطني موحد يبقى تحت سيطرة الدولة المركزية، مع إمكانية وجود شرطة محلية.
- العمل على وضع خارطة طريق لرأب ترسبات الانشطارات الاجتماعية الشاقولية، وإعادة بناء الثقة بين المكونات الاجتماعية، وذلك شرط أساسي يسمح بترسيخ المؤسسات واستقرارها.
4- المقارنة مع النظام المركزي
نجح اتباع النظام المركزي في حماية رواندا من الانقسام الإثني، ما ساعد على بناء مؤسسات قوية نسبياً، تقف ضد تجدد الحرب والعنف بين مكونات المجتمع الرواندي.
لم تشهد الدول النامية التي مرت بأزمات كبيرة نجاحاً ملحوظاً للنظام الفدرالي عند تطبيقه أثناء فترة التعافي من آثار الأزمة.
فنجد أن نجاح الفدرالية في ألمانيا وبلجيكا وإسبانيا، حصل في دول كانت متقدمة نسبياً علميا وسياسيا قبل وقوع الأزمات، ونسبياً ذات مستوى اقتصادي جيد، بالإضافة لوجود مصلحة للدول المؤثرة باستقرار ونجاح هذه الدول. كذلك لم تكن الأزمة نتيجة حرب أهلية قامت على أساس إثني، أو ديني، أو طائفي. كذلك كان حال الإمارات العربية المتحدة، التي لم تتجه للاتحاد شبه الفدرالي مباشرة بعد حرب داخلية قاسية، وكذلك تضافرت مصالح الدول ذات التأثير على دعم هذا الاتحاد.
لكن أيضا لا بد ملاحظة أن النظام المركزي بعد أزمات ضخمة قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الديكتاتورية. فمعظم الديكتاتوريات قامت على نظام مركزي قوي جدا مثل ألمانيا النازية، الاتحاد السوفييتي، العراق بعهد صدام، كوريا الشمالية، سورية تحت حكم البعث ثم حكم حافظ وبشار الأسد.
عاشراً- ما النظام الأمثل لسوريا 2025؟
تواجه سورية بعد سقوط نظام الأسد تحديات كبرى يمكن تلخيصها بالتحديات التالية حسب صعوبتها:
1-التحديات الأساسية الكبرى
ا-التحدي الاجتماعي
بعد معاناة الشعب السوري المأساوية خلال 40 سنة من الحكم الديكتاتوري الأسدي، ثم 14 سنة من الصراع السياسي المسلح الداخلي والدولي، خرج المجتمع السوري منقسما بحدة وفق التركيبة الطائفية والقومية والسياسية وحتى المناطقية. حيث تحمل كل فئة مظلوميتها الخاصة، ودخل المجتمع السوري في صراع مظلوميات زاد من صعوبة وعمق هذه الشروخ الشاقولية.
مواجهة هذا التشظي الاجتماعي هو أساس أي عملية إعادة بناء للدولة السورية، لإن هذا التشظي، وبغياب وجود سلطة حكيمة قوية، وعدالة انتقالية، وخريطة طريق إعلامية وتعليمية على المدى القصير والبعيد لمواجهة التصورات المسبقة المصاحبة للحالة الطائفية والقومية، لا يمكن عملياً إعادة بناء الدولة.
ب-التحدي المؤسساتي
كانت سورية قبل ثورة 2011 تعاني من فشل وترهل وفساد مؤسسات الدولة، وبعد 14 سنة من الصراع، خرجت سوريا وهي بأمس الحاجة لإعادة البناء المؤسساتي للدولة وفق المعايير والمناهج العصرية الحديثة التي جربتها واختبرتها الدول الأخرى.
ت-التحدي الاقتصادي
مع تدمير أكثر من 60 % من البنية التحتية الاقتصادية في سورية، وضخامة الأزمات الاقتصادية التي سببها الصراع الدامي في سورية، فالتحدي الاقتصادي يستدعي أيضا خارطة طريق عصرية مدروسة وعلمية لإعادة البناء الاقتصادي. وتحسن الحالة الاقتصادية شرط أساسي لمواجهة كل التحديات الأخرى.
وقد ثبت من تجارب الدول في العصر الحديث أن تكتل الدول المتجاورة جغرافيا في اتحادات أو اتفاقيات اقتصادية يعود بالفائدة والازدهار الاقتصادي على الجميع؛ فكيف الحال مع بلد صغير نسبيا مثل سوريا، في وسط منطقة شديدة الأهمية والتوتر في الشرق الأوسط. هذه الحقيقة تفرض أن إعادة بناء المنظومة الاقتصادية يجب أن تكون على المستوى الوطني على الأقل، قبل الانتقال للتنسيق مع دول الإقليم إن أمكن ذلك.
ث-التحدي الأمني
أدت الحرب الطويلة في سورية إلى نشوء طبقة أمراء حرب، وجماعات مقاتلة لا تعرف سوى السلاح، وطبقة اقتصادية اغتنت بالاستفادة من هذه الحرب. فمواجهة هذا الإرث أيضا يحتاج لمواجهة شاملة تضمن ألا يتم اختراق الحالة الأمنية من أي مساحة من سوريا.
| التحدي | مظاهره | أثره على شكل الحكم |
| اجتماعي | انقسامات قومية وطائفية ومناطقية حادة؛ صراع مظلوميات؛ خطاب كراهية | يُضعف الثقة المتبادلة ويجعل أي فيدرالية على أسس إثنية محفوفة بالمخاطر |
| مؤسساتي | ترهل وفساد مؤسسات الدولة قبل 2011؛ انهيار شبه كامل بعد الحرب | يحتاج لبناء مؤسسات قوية أولاً قبل تطبيق أي نموذج لا مركزي |
| اقتصادي | دمار 60% من البنية التحتية؛ بطالة وفقر؛ اقتصاد حرب وأمراء حرب | يفرض مركزية القرار الاقتصادي لإعادة الإعمار في المرحلة الأولى |
| أمني | جماعات مسلحة؛ أمراء حرب؛ اقتصاد سلاح؛ اختراق أمني خارجي | يستدعي جيشاً وأمناً وطنيين موحَّدين تحت قيادة مركزية مستقلة |
الجدول 2، جدول يلخص العلاقة بين التحديات الأساسية التي تواجه سوريا، وبين شكل الحكم.
2- النظام الأضمن لشكل الحكم في سوريا
لا يمكن الجزم أي شكل من أشكال الحكم بأنه الأنسب لسوريا، لكن بمقارنة تجارب الدول التي تشبه حالتها الحالة السورية، وطبيعة التحديات وصعوباتها، والحلول الشاملة التي تتطلبها تؤدي بنا إلى نتيجة أن سوريا بحاجة للسير في طريق مرن يكون هدفه الوصول لنظام حكم فيدرالي يضمن استدامة الدولة والمجتمع وازدهارهما. لكن البداية يجب أن تكون بحكم مركزي مضبوط ديمقراطيا، ويحقق شروط استقلال السلطات الثلاث، التشريعية والقضائية والتنفيذية؛ وفي الوقت نفسه، يعمل هذا النظام وفق استراتيجيات واضحة وشفافة تبدأ بمسار العدالة الانتقالية، ومواجهة دعوات التحريض وخطاب الكراهية، وبناء الثقة فيما بين مكونات الشعب السوري، وفيما بين الشعب وبين السلطات السياسية والنخبوية.
لو حاولنا قراءة أكثر التحديات وضوحاً بكيفية معالجته، أي التحدي الاقتصادي. فسوريا بحاجة لقرارات مركزية اقتصادية كبيرة لأنها ستتناول البنية التحتية الاقتصادية التي ستشمل كامل الدولة، والتي يجب أن تحقق الموثوقية والمردودية والكفاءة. فعملياُ إعادة البناء الاقتصادية تفرض مركزية القرار الاقتصادي بالمرحلة الأولى. كذلك هو الحال في مواجهة التحديات الأخرى التي بينّاها سابقاً.
أ- ضمانات نجاح النظام المركزي كنقطة انطلاق
بسبب تعقيد الحالة السورية، فالنظام المركزي أيضا يحمل خطورة عودة الديكتاتورية، كما تشير سياسات الحكومة المؤقتة الحالية. لضمان نجاح هذا النظام بإيصال سوريا إلى مرحلة الحكم الفدرالي لا بد من:
- وضع دستور واضح وضامن لحقوق مكونات الشعب السوري كلها تحت مظلة شرعة حقوق الإنسان الدولية كمبادئ فوق دستورية؛ ويحمي الديمقراطية والعلمانية كوسيلة أمثل لضمان عمل الدولة والمجتمع.
- ضمان إجراء انتخابات بأسرع وقت مع ما هو متوفر من إمكانيات لانتخاب مجلس نواب يمثل السلطة الرقابية العليا في الدولة.
- ضمان استقلال القضاء عن السلطة التنفيذية.
- ضمان تحديد مدة ومسؤولية الرئاسة، والحكومة أمام مجلس النواب.
- إطلاق عملية العدالة الانتقالية.
- ضمان حرية الإعلام، والعمل السياسي.
- تحديد عقيدة الجيش والأمن السوري بالثوابت الوطنية الشاملة، وضمان استقلال المؤسستين عن الانحياز الطائفي والديني والقومي.
- إطلاق خارطة طريق للإعلام والتعليم لفتح النقاش حول التركيبة السورية الطائفية والقومية والسياسية بهدف معالجة الإرث الثقيل بعد خمسة عقود من تعميق الشروخ العامودية ضمن المجتمع السوري.
- وضع قوانين صارمة لمواجهة التحريض وخطاب الكراهية الطائفي والقومي.
ب- خطورة الانتقال للنظام الفدرالي بسرعة
إن الفدرالية المُقترحة في سوريا كما هي الحالة الواقعية في البلد تسير باتجاه تعريف الأقاليم قوميا، وطائفيا. وهذه التقسيمات تقوم على أساس كبير من الشك بالآخر والخوف منه، ناهيك حتى عن مشاعر الانتقام والكراهية الموجودة عند أقليات بكل هذه الأقاليم.
في هذا السياق، الفيدرالية أو اللامركزية السياسية ليست مستحيلة، لكنها محفوفة بالمخاطر. فهي تحتاج إلى أن تكون مؤسسة على أسس جغرافية إدارية وليس على أسس طائفية أو إثنية، وأن تعتمد على بناء الثقة بين مكونات الشعب السوري، وبين الشعب وبين الدولة؛ وكذلك أن تضمن استقلال البنية المؤسساتية، وحماية الأقاليم من الاستقطاب الدولي.
ت- خلاصة
الفيدرالية ليست مجرد خيار إداري، بل مشروع سياسي واجتماعي يتطلب بناء الثقة أولًا.
في الحالة السورية، أي نقاش حول شكل الدولة يجب أن يبدأ من الواقع، لا من النماذج الجاهزة.
بناء الثقة، ثم الحوار، ثم القرار. هذه هي الطريق، لا العكس.
فالنظام الفدرالي يحتاج لبناء الثقة السياسية والاجتماعية أكثر بكثير مما يحتاجه النظام المركزي، وبالحالة السورية بناء الثقة يحتاج لسنوات وعمل منظم ومخطط لا يوفره النظام الفدرالي.
بالنتيجة وبناء على النقاش السابق فالنظام الأمثل لسوريا بوضعها الراهن هو النظام المركزي، المبني على أساس الديمقراطية، العلمانية، وحقوق الإنسان؛ والمرتكز على خرائط طريق واضحة وشفافة لإعادة بناء المؤسسات، وإعادة بناء البنية التحتية الاقتصادية، وترسيخ الأمن، تحت إشراف المؤسسات البرلمانية والقضائية والإعلامية.
ثم بعد إنشاء الأسس اللازمة لمواجهة التحديات الكبرى، تبدأ سوريا بالتوجه إلى نظام فدرالي يضمن استدامة التنمية والديمقراطية وحقوق المواطن السوري وفق معايير اتفاقيات حقوق الإنسان الدولية.
إن النقاش حول شكل الحكم في سوريا يجب أن يُبنى على إعادة بناء الثقة الوطنية أولاً، لأن الدساتير والنصوص مهما كانت متقنة لن تنجح منش دون عقد اجتماعي جامع يحمي الجميع.