دراسات

قطاعات ومؤشّرات …. ماذا بقي من الاقتصاد السوري في عام 2025؟

ص

(حدْس)- المكتب الاقتصادي:

المقدمة:

وسط حالة الارتباك والفوضى التي تشهدها المرحلة الانتقالية للبلاد، تحاول الحكومة الانتقالية ضخ الأمل في مجتمع منهك اقتصادياً واجتماعياً، وإبراز أنها تعمل من أجل تعافي الاقتصاد السوري، والتسويق لما أبرمته من مذكرات تفاهم مع شركات خارجية بأنه بمثابة واقع متحقق، بينما هي في الحقيقة مجرد وعود بإمكانية توقيع عقود، وليست عقوداً.

خلال سنوات الحرب السورية، كان من غير الممكن إجراء إحصاءات دقيقة حول واقع القطاعات التي تشكل الاقتصاد السوري، ورصد مستويات التراجع والانكماش أو حتى الاننهيار، وليست هناك الكثير من المراجع الدقيقة لرصد تآكل الاقتصاد السوري، وما هو موجود تقديرات إجمالية، بعضها صادر عن مؤسسات دولية مثل البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي. 

استشراف ما يمكن أن يحدث في المدى المتوسط من تحولات، يخضع لاعتبارات عديدة في الوضع الراهن، منها الاعتبار السياسي، ومدى نجاح أو فشل المرحلة الانتقالية نفسها، وأيضاً بناء لوحة تقارب ما وصل إليه الاقتصاد السوري، وخطورة استمرار الاعتماد على الريوع الخارجية من مساعدات إقليمية أو دولية.  

الاقتصاد السوري قبل 2011…. مستوى من الاستقرار النسبي

مع مجيء بشار الأسد إلى السلطة، بدأت عملية تحوّل نحو ما كان يعرف حينها ب”اقتصاد السوق الاجتماعي”، وهو بوابة قانونية لتصفية بعض شركات ومصانع القطاع العام الخاسرة، وتحقيق انفتاح على الاقتصاد الحرّ نسبياً، وضمن ضوابط محلية، لفائدة فئة صاعدة من النخب المالية الجديدة.

لكن، وعلى الرغم من المشكلات البنيوية العديدة التي عانى منها الاقتصاد السوري، إلا أنه احتفظ إلى حدّ كبير بمستوى من الاستقرار النسبي، بالاعتماد على قاعدة إنتاجية واسعة، قوامها الزراعة والنفط والصناعات النسيجية والغذائية وقطاع البناء والسياحة.

لعبت الزراعة دورًا محورياً،  إذ أسهمت بما يقارب خمس الناتج المحلي الإجمالي، ووفرت الاكتفاء الذاتي من القمح بإنتاج تراوح بين 3.5 و4 ملايين طن سنوياً، بينما شكّل القطن سلعة استراتيجية للتصدير بإنتاج بلغ نحو 600 ألف طن. أما النفط فكان يمثل المصدر الأول للعملة الصعبة، حيث بلغ الإنتاج نحو 380 ألف برميل يومياً، وأسهم بما يقارب ثلث الإيرادات الحكومية. كما تميزت الصناعة، خصوصاً في حلب ودمشق وحمص، بقدرتها على تشغيل اليد العاملة وتلبية حاجة السوق المحلية في مجالات النسيج والغذاء والدواء.

قطاع البناء والعقارات بدوره شهد طفرة ملحوظة في العقد الأول من الألفية، بفضل توسع المدن الكبرى وزيادة الاستثمارات، مسهماً بما يقارب 5% من الناتج المحلي. أما السياحة فقد بلغت مساهمتها نحو 12% من الناتج، مع استقطاب ملايين الزوار سنوياً، ما جعلها أحد أعمدة الاقتصاد الخدماتي.

مؤشرات الاقتصاد السوري في عام   2025

أولا-الزراعة:

يمرّ القطاع الزراعي السوري بمرحلة شديدة الصعوبة، حيث اجتمع الجفاف الاستثنائي، وتدهور البنية التحتية، وارتفاع تكاليف المدخلات، مع التجزؤ المؤسسي للأسواق، ليجعل من الموسم الحالي واحدًا من أضعف المواسم تاريخياً.

1-الإنتاج والمحاصيل:
القمح، الذي كان يمثل العمود الفقري للأمن الغذائي، سجل في 2024 نحو مليوني طن، أي أقل من نصف مستويات ما قبل الأزمة، ومع جفاف 2025 هبطت التقديرات إلى ما بين 0.9 و1.1 مليون طن فقط، وهو من أدنى المستويات المسجلة، الأمر الذي يفرض الحاجة إلى استيراد ما يقارب ثلاثة ملايين طن لتغطية الاستهلاك. الشعير والأعلاف تضررت بشدة، ما انعكس مباشرة على تربية الأغنام والماعز ورفع أسعار العلف. القطن فقد مكانته التاريخية بسبب استنزاف المياه وتراجع القدرة على التسويق، فيما بقيت أشجار الزيتون وبعض محاصيل الخضر والفاكهة تتمتع بميزة نسبية، لكن ضعف الطاقة والري والتمويل حال دون الاستفادة منها.

2-المياه والري:
أدت موجة الجفاف غير المسبوقة إلى خسائر واسعة في المحاصيل الشتوية وتراجع تغذية المخزون الجوفي. محطات الضخ وقنوات الري تعاني من تقادم وأضرار وصعوبة تشغيل بفعل ارتفاع أسعار الوقود والكهرباء. بعض البرامج الأممية تعمل على إعادة تأهيل الآبار والمحطات، لكن أثرها ما زال محدودًا أمام اتساع حجم الأزمة.

3- التكاليف والمدخلات:
نقص البذار المحسّن والأسمدة والمبيدات، إلى جانب ارتفاع أسعار الوقود وصعوبات التمويل، كلها عوامل قلصت المساحات المزروعة وخفّضت الغلة للهكتار الواحد. كما أن تقلبات سعر الصرف والقيود على الاستيراد زادت من صعوبة توفير احتياجات المزارعين الأساسية.

4-الأمن الغذائي:
فجوة القمح آخذة في الاتساع، مع عجز يقدَّر لعام 2025 بنحو 2.7 مليون طن، ما يشكّل ضغطًا على منظومة الخبز المدعوم ويجعل البلاد أكثر اعتمادًا على الاستيراد والمساعدات الخارجية. ويؤكد خبراء أن كل دولار يستثمر محليًا في إنتاج القمح يمكن أن يولّد ما يعادل أربعة دولارات من الغذاء، وهو ما يعكس جدوى توجيه الموارد إلى هذا القطاع.

5-التوزّع الجغرافي والمؤسسي”
الزراعة تعمل اليوم ضمن أطر مجزأة، حيث تختلف السياسات والدعم والتسعير بين مناطق السيطرة، ما ينتج أسواقًا مفككة، وتكاليف نقل مرتفعة، ويضع المزارع أمام مخاطر مضاعفة.

6- الثروة الحيوانية:
المراعي تضررت بفعل الجفاف، والأعلاف باتت باهظة الثمن، ما أدى إلى تقلص أعداد القطعان، وبيع اضطراري للمواشي، وارتفاع حالات النفوق.

7- خلاصة التحديات:
القطاع الزراعي يواجه خمسة تحديات متداخلة: الجفاف المتكرر ونضوب المياه، ارتفاع تكاليف الطاقة والمدخلات، التجزؤ المؤسسي للسوق، تدهور البنية التحتية، وضعف التمويل والتأمين ضد المخاطر.8- آفاق التدخل:
على المدى القصير، تُظهر التجارب أن إعادة تأهيل محطات الري وتوفير حزم دعم مركّزة للقمح (بذار محسّن، سماد، وقود) تعطي أثرًا مباشرًا في رفع الإنتاجية. دعم الأعلاف أيضًا يخفف من خسائر الثروة الحيوانية. أما على المدى المتوسط، فيتطلب الأمر إدارة رشيدة للطلب على المياه، وتوجيه الزراعة نحو محاصيل أقل استهلاكًا، وتطوير سلاسل القيمة ذات العائد المرتفع كالخضر والفاكهة وزيت الزيتون، إضافة إلى إنشاء أسواق أكثر تكاملًا وتحسين أدوات التحوّط المناخي.

المؤشر قبل 2011عام 2025
المساهمة في الناتج المحلي 18-20%8%
التوظيف25%10%
إنتاج القمح 3.5 – 4 مليون طن1.2- 1.5 مليون طن
إنتاج القطن 600 ألف طن100 ألف طن

ثانياً- الصناعة:

يشهد القطاع الصناعي السوري تراجعًا حاداً، بعد أن كان أحد أعمدة الاقتصاد الوطني ومصدراً رئيسياً للعملة الصعبة والتوظيف. الحرب الطويلة، العقوبات، أزمة الطاقة، وانهيار البنية التحتية، كلها عوامل جعلت الصناعة تعمل بأقل من نصف طاقتها، فيما يستمر نزيف الكفاءات ورأس المال.

1-الإنتاج والقطاعات الفرعية:
الصناعات التحويلية التقليدية، مثل النسيج والغذائيات والدوائيات، تعاني من نقص المواد الأولية وارتفاع تكاليف النقل والطاقة. الصناعات الثقيلة (الإسمنت، الأسمدة، الحديد) تضررت بشدة بفعل الدمار المباشر للمصانع وصعوبات التمويل والصيانة. ما تبقى من الصناعات الصغيرة والمتوسطة يتركز في ورش ومحال داخل المدن، غالباً بوسائل إنتاج بدائية، وتخدم السوق المحلية بشكل محدود.

2- الطاقة والبنية التحتية:
قطاع الصناعة يعاني من انقطاع كهربائي واسع النطاق وارتفاع أسعار الوقود، ما دفع المعامل لاستخدام مولدات خاصة بتكلفة باهظة. شبكات النقل والطرق المتضررة زادت من عزلة المناطق الصناعية، فيما تفتقد المصانع إلى تجهيزات حديثة قادرة على المنافسة.

3- المواد الأولية والتمويل:
الصناعة السورية باتت معتمدة بشكل متزايد على الاستيراد لتأمين المواد الأولية، خصوصاً في النسيج والدواء والكيماويات، لكن العقوبات وصعوبات التحويل المصرفي حدّت من القدرة على الاستيراد.

 ضعف التمويل المحلي وغياب أدوات ائتمانية حقيقية للصناعة جعل الاستثمارات الجديدة شبه متوقفة، بينما تعمل المنشآت القائمة بأدوات مستهلكة وأعمار تشغيلية طويلة.

4- التشغيل وسوق العمل:
الهجرة المستمرة للعمال المهرة والمهندسين الصناعيين أضعفت الكفاءة الإنتاجية. معظم فرص العمل المتبقية في القطاع الصناعي تتسم بانخفاض الأجور، وانعدام الضمانات الاجتماعية، وغياب التدريب المهني الملائم، ما ينعكس على ضعف الجودة والتسويق.

5- التوزّع الجغرافي والمؤسسي:
تتركز بقايا النشاط الصناعي في مدن حلب ودمشق وحمص، لكنها متضررة بدرجات متفاوتة. المناطق الصناعية المنظمة إما مدمرة أو متوقفة أو تعمل جزئياً. كما أن وجود سلطات متعددة في البلاد يخلق سياسات متناقضة في ما يخص الضرائب والرسوم والتراخيص، ما يفاقم تجزؤ السوق ويضعف الاستثمار.

6- التجارة والأسواق:
القدرة التصديرية شبه متوقفة، باستثناء بعض الصادرات الغذائية أو الألبسة منخفضة الجودة إلى أسواق قريبة. معظم الإنتاج موجَّه للاستهلاك الداخلي، لكنه يواجه منافسة من سلع مستوردة (شرعية أو مهربة) غالباً ما تكون أرخص وأكثر جودة، ما أضعف حوافز الإنتاج المحلي.

7- خلاصة التحديات:
القطاع الصناعي يواجه مزيجًا من التحديات: أزمة طاقة خانقة، نقص مواد أولية وتمويل، تآكل البنية التحتية، هجرة الكفاءات، وتجزؤ الأسواق بفعل الانقسام السياسي. النتيجة أن الصناعة السورية فقدت موقعها التاريخي كمحرّك أساسي للاقتصاد، وتحولت إلى قطاع محدود التأثير،  يعتمد على الورش الصغيرة والإنتاج البديل.

8- آفاق التدخل:
على المدى القصير، يمكن أن يحقق أثر ملموس دعم الصناعات الغذائية والدوائية كونها مرتبطة مباشرة بالأمن الغذائي والصحي، عبر تأمين الكهرباء والمواد الأولية والدعم اللوجستي. أما على المدى المتوسط، فيتطلب الأمر إعادة تأهيل المناطق الصناعية الأساسية، وتشجيع الشراكات الصغيرة والمتوسطة، وتحفيز الاستثمار في الطاقات البديلة لتقليل كلفة الإنتاج. وعلى المدى الأطول، يبقى ربط الصناعة بالزراعة (سلاسل القيمة الغذائية والنسيجية) وتوسيع قاعدة التدريب المهني شرطًا لإعادة بناء قطاع صناعي قادر على المنافسة.

المؤشر قبل 2011عام 2025
القطاعات الرئيسية نسيجية، دوائية، غذائيةورش صغيرة، نشاط محدود
المراكز الصناعيةحلب، دمشق، حمصتضرّر معظم المنشآت
المساهمة في الناتج المحلي 8% – 16%تقلّص كبير جداً
التوظيف مئات الآلافالتوظيف انخفاض بشكل حاد

 ثالثاً- التجارة:  

يمرّ القطاع التجاري السوري بأزمة عميقة تعكس تدهور الاقتصاد الكلي، وتراجع الإنتاج الزراعي والصناعي، واشتداد العقوبات الدولية. التجارة التي كانت شريان الاقتصاد والحلقة الرابطة بين الإنتاج والاستهلاك أصبحت اليوم مشوّهة، مجزأة، وتخضع لشبكات معقدة من الرسوم والحواجز، ما جعلها عاجزة عن لعب دورها التاريخي كمحرّك للنشاط الاقتصادي.

1- البنية والأسواق الداخلية:
الأسواق السورية تعمل ضمن بيئة منقسمة إدارياً واقتصادياً بين مناطق السيطرة المختلفة، مع سياسات جمركية وضريبية متباينة، ما يرفع تكاليف النقل ويطيل زمن حركة البضائع. الأسواق الكبرى في دمشق وحلب وحمص ما زالت قائمة، لكنها تعاني من ضعف القدرة الشرائية، وارتفاع أسعار السلع الأساسية نتيجة الاعتماد الكبير على الاستيراد وتكاليف النقل والطاقة.

2- الاستيراد والتصدير:
الاستيراد أصبح محدوداً ومعقداً بفعل العقوبات ونقص التمويل بالقطع الأجنبي، ما فتح الباب أمام التهريب والتجارة غير النظامية. المواد الأساسية كالقمح والوقود والدواء تدخل بشكل رئيسي عبر قنوات رسمية أو شبه رسمية بدعم حكومي أو دولي. في المقابل، تراجعت الصادرات السورية إلى حدها الأدنى، باستثناء بعض المنتجات الزراعية والغذائية منخفضة الكلفة الموجهة لأسواق قريبة (لبنان، العراق، بعض الدول الخليجية). غياب القدرة التنافسية، وضعف جودة المنتجات، وصعوبة الحصول على شهادات مطابقة ومعايير دولية، كلها عوامل كبّلت التصدير.

3- اللوجستيات والبنية التحتية:
الموانئ والمنافذ الحدودية تعمل بكفاءة منخفضة، مع تأخيرات بيروقراطية ورسوم مرتفعة. الطرق الداخلية تضررت بفعل الحرب، ما يرفع تكاليف الشحن ويعرّض التجار لمخاطر عالية. كما أن ضعف الخدمات المصرفية وعدم القدرة على التحويل المالي الخارجي فرضا اعتماداً واسعاً على أنظمة غير رسمية (الحوالة)، مع ما يحمله ذلك من مخاطر وغموض.

4- التجار ورأس المال:
القطاع التجارشهد خلال أعوام الحرب نزوحاً لرؤوس الأموال إلى الخارج، خصوصاً نحو تركيا ومصر ودبي، حيث يجد التجار بيئة أكثر استقراراً وأماناً. التجار المتبقون داخل سوريا يعملون غالباً ضمن نطاق ضيق، معتمدين على الأرباح السريعة في الاستهلاك المحلي بدل الاستثمار طويل الأمد. ارتفاع الأسعار وانخفاض الطلب المحلي أضعفا دورة رأس المال وأديا إلى ركود واضح.

5- المستهلك والقدرة الشرائية
التضخم المتسارع وانخفاض الدخل الحقيقي جعلا السوق الاستهلاكية أكثر ضيقاً. فالمستهلك السوري بات يوجّه إنفاقه نحو الأساسيات (غذاء، وقود، دواء)، فيما تراجعت مبيعات الكماليات والأجهزة المنزلية والملابس المستوردة. هذا الانكماش الاستهلاكي قلّص من حجم النشاط التجاري وأجبر التجار على تقليص أعمالهم أو اللجوء إلى بدائل منخفضة الجودة.

6- خلاصة التحديات:
التجارة السورية تعاني من خمسة اختناقات رئيسية: التجزؤ الجغرافي والسياسي، العقوبات وصعوبة التمويل الخارجي، تراجع البنية التحتية واللوجستيات، ضعف القدرة الشرائية المحلية، وهروب رؤوس الأموال.

7- آفاق التدخل:
على المدى القصير، يمكن أن يحقق أثراً ملموساً تحسين انسياب البضائع الأساسية عبر الممرات الداخلية وتبسيط الإجراءات الجمركية والضريبية. على المدى المتوسط، يحتاج القطاع إلى إعادة هيكلة القنوات اللوجستية والاعتماد أكثر على التجارة الإقليمية كمنفذ أساسي. أما على المدى الأطول، فإن ربط التجارة بعملية إعادة الإعمار، وتشجيع عودة رؤوس الأموال، ودمج الاقتصاد السوري بالأسواق الإقليمية والدولية تدريجيًا، هو السبيل لإعادة القطاع التجاري إلى موقعه المحوري.

المؤشر قبل 2011عام 2025
السوق الوطنية موحدة، منظمةكجزأة بين سلطات الأمر الواقع
التجارة الرسمية صادرات نفطية وغذائية ودوائية ونسيجيةاقتصاد غير رسمي، تهريب، تحويلات، مال ريعي
القدرة على التنظيم موجودةمحدودة
الاعتماد على التحويلات محدودحوالي 2 مليار دولار سنوياً

رابعاً- البناء والعقارات:

يعاني قطاع البناء والعقارات في سوريا حالة من الشلل النسبي مقارنة بدوره التاريخي كمحرك رئيسي للاقتصاد المحلي ومجال جاذب للاستثمار. الحرب الممتدة وما خلفته من دمار واسع للبنية التحتية والمساكن، إلى جانب العقوبات وأزمة التمويل، جعلت من هذا القطاع واحداً من أكثر القطاعات تعقيداً وحساسية.

1-الوضع العام والطلب:
الحاجة إلى إعادة إعمار المساكن والمرافق هائلة، إذ تشير تقديرات أممية إلى دمار أو تضرر ملايين الوحدات السكنية. ورغم ذلك، يظل الطلب الفعلي على البناء محدوداً بسبب ضعف القدرة الشرائية، وغياب برامج تمويل سكني واسعة النطاق، وتردد المستثمرين المحليين والدوليين في دخول السوق السورية.

2- المواد والتكاليف:
أسعار مواد البناء (الإسمنت، الحديد، الأخشاب) ارتفعت بشكل كبير نتيجة تضخم الأسعار المحلية وصعوبة الاستيراد، ما جعل كلفة البناء تتجاوز قدرة معظم الأسر. جزء كبير من المعروض يُؤمَّن عبر أسواق غير رسمية أو عبر الاستيراد المحدود بأسعار مضاعفة. هذا الوضع دفع شريحة من السوريين إلى الاعتماد على البناء البدائي أو الترميم الجزئي بدل المشاريع الجديدة.

3- التمويل والاستثمار:

غياب أدوات تمويل عقاري فعّالة مثل القروض السكنية طويلة الأجل، إضافة إلى شلل القطاع المصرفي، جعل من تملك العقار أو البناء الجديد حكراً على شريحة ضيقة من ذوي الدخل المرتفع أو المغتربين. الاستثمارات الخارجية في العقارات شبه متوقفة، باستثناء بعض المشاريع الصغيرة أو الرمزية في مناطق محدودة تخضع لترتيبات خاصة.

4- العرض والسوق العقارية:
العرض العقاري غير متوازن؛ ففي حين يزداد الطلب على السكن منخفض الكلفة، يتركز العرض المتاح غالبًا في مشاريع سكنية مرتفعة الكلفة أو في مجمعات عقارية فاخرة تستهدف المستثمرين والمغتربين. هذا التناقض خلق فجوة حقيقية بين الحاجة الفعلية والمنتج المتاح في السوق.

5- البنية المؤسسية والقانونية:
الإطار القانوني لملكية العقارات والإيجارات يعاني من التعقيد وعدم التوحيد بين مناطق السيطرة، مع انتشار النزاعات على الملكية بسبب غياب السجلات الدقيقة والدمار الذي لحق بدوائر السجل العقاري. القوانين التي أقرتها السلطات المختلفة (مثل المراسيم المتعلقة بإعادة التنظيم العمراني) أثارت مخاوف حول حقوق الملكية وأدت إلى عزوف كثير من المتضررين عن العودة للاستثمار في بيوتهم وأراضيهم.

6- التوظيف وسلسلة القيمة:
قطاع البناء، الذي كان يوفر فرص عمل واسعة، بات اليوم محدوداً في تشغيله، معتمداً على عمالة غير مستقرة أو يومية، ومن دون ضمانات. توقف المشاريع الكبرى قلّص فرص التشغيل في الهندسة والمقاولات، وحوّل النشاط نحو أعمال ترميم صغيرة متفرقة.

7- خلاصة التحديات:
القطاع يواجه مزيجًا من العقبات: ارتفاع أسعار المواد، ضعف التمويل العقاري، فجوة بين العرض والطلب، نزاعات الملكية، وتجزؤ الإطار القانوني.

 النتيجة:  بقيت إعادة الإعمار في حدود ضيقة، فيما يظل ملايين السوريين بلا سكن لائق.

8- آفاق التدخل
على المدى القصير، يمكن أن يكون هناك أثر ملموس لدعم مواد البناء الأساسية وتسهيل عمليات الترميم الذاتي للأسر المتضررة. على المدى المتوسط، يتطلب الأمر إطلاق برامج سكن اجتماعي بتمويل دولي أو عبر شراكات محلية-خارجية، مع تحسين الوصول إلى قروض عقارية ميسّرة. وعلى المدى الأطول، فإن إصلاح الإطار القانوني لحقوق الملكية، وإعادة بناء الثقة في المؤسسات العقارية، يمثلان شرطًا أساسيًا لجذب الاستثمارات وإطلاق عملية إعادة إعمار حقيقية.

المؤشر قيل 2011عام 2025
النمو العمراني توسّع في المدن الكبرىتوقف المشاريع الكبرى
مساهمة في الناتج المحلي 4-5%قليل/ شبه معدوم
تدمير المساكن قليل40%

الاقتصاد السوري بعد الحرب: انهيار وتشظي

كل ركائز الاقتصاد قبل عام 2011 أصابها الانهيار شبه الكامل، وهو ما انعكس في جميع القطاعات من دون استثناء، فقد تراجعت الزراعة، وتراجع معها الاكتفاء الذاتي الذي كانت تعرف به البلاد، خصوصاً من القمح، كما تعرّضت معظم المعامل في حلب للتدمير والتفكيك والسرقة، وأغلقت في دمشق وحمص الكثير من المنشآت، وتراجعت التنافسية والجودة في قطاعات عديدة، مثل قطاع الأدوية، وعمّت الفوضى في القطاع التجاري، وازدياد الاعتماد على التحويلات من الخارج، وكل ذلك أدى إلى تقلّص الناتج المحلي إلى حوالي 15 مليار دولار، بعد أن كان حوالي 60 مليار دولار في عام 2011، وارتفعت البطالة لتصل إلى نحو 50% من اليد العاملة. وتدهور القدرة الشرائية، حيث يعيش حوالي 90% من السكان عند خطّ الفقر.

الخلل السياسي

إذا كان وصول سوريا مرتبطاً بغياب قدرة السوريين للوصول إلى حلّ سياسي طوال 14 عاماً، فإن تغييب هذا المدخل بعد سقوط نظام بشار الأسد من شأنه أن يبقي قوانين الحرب ودينامياتها فاعلة في شلّ الاقتصاد السوري، خصوصاً أن مجزرتي الساحل والسويداء، أظهرتا غياب ونقص شرعية سلطة الأمر الواقع، وعدم إدراكها أو عدم قناعتها بضرورة أن يكون المدخل السياسي الباب الذي تعبر معه الدولة والاقتصاد إلى حالة التعافي والنهوض.

إن غياب الحلّ السياسي يعني بطبيعة الحال غياب الثقة الخارجية بمقومات الحياة العامة في سوريا، وانعدام الأمان الداخلي، ما يجعل فرص جذب الاستثمارات شبه معدومة، كما أن غياب هذا المدخل السياسي من شأنه أن يعيق بناء المؤسسات السورية والقوانين الناظمة لعمل القطاعات، وأن يبقي هذه القطاعات في حالة فوضى.

الخلاصة:

إن مجمل مؤشرات الاقتصاد السوري تفصح عن حالة هشاشة الشبكات الاقتصادية في كل قطاع على حدة، أو الشبكات بين القطاعات، كما يفصح عن غياب أي دور مركزي للدولة في عمليات التخطيط، وأن ما نجده من إعلانات حول مشاريع مقبلة، هو في الحقيقة إعلان نوايا، يصعب تحوّلها إلى واقع في ظل الأوضاع السياسية والأمنية والمؤسساتية القائمة.

المراجع:

1-البنك الدولي: تقارير المؤشرات الاقتصادية لسوريا 2010-2030

2- الإسكوا: تقرير تكلفة الحرب في سوريا (2020).

3- برنامج الأغذية العالمي: بيانات الأمن الغذائي في سوريا (2021-2024).

4- منظمة العمل الدولية: آثار النزاع على سوق العمل السورية.

5- تقارير الأمم المتحدة للإسكان وإعادة الإعمار (2022-2024).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق