التقرير السياسي – سبتمبر/ أيلول 2025 … موازين القوى المتحرّكة وأزمة الشرعية السورية
أولاً: المشهد الدولي – بين القمم الكبرى وتوازنات القوى
1- قمة آلاسكا: ترامب وبوتين بلا نتائج
عُقدت في أنكوراج/آلاسكا بتاريخ 15 أغسطس 2025 قمة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، وُصفت بالتاريخية. سعى ترامب من خلالها إلى إطلاق مسار تسوية للحرب الأوكرانية، إلا أنّ موسكو لم تُبدِ أي استعجال في تقديم تنازلات.
لم تُدع أوكرانيا للقمة، وصرّح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي منتقداً غياب بلاده عن اللقاء، وأن القمة “منحت بوتين ما أراده”، وأن روسيا، مع سيطرتها الحالية على مساحات واسعة في شرق وجنوب أوكرانيا، تعتبر نفسها منتصرة.
2- منظمة شنغهاي: نصف العالم في مواجهة واشنطن
انعقدت قمة منظمة شنغهاي للتعاون في تيانجين – الصين مطلع سبتمبر 2025، بمشاركة الصين وروسيا والهند وكوريا الشمالية وعدة دول أخرى. ويُمثل هذا التكتل أكثر من 3.3 مليار نسمة (نحو نصف سكان العالم)، وما تمثّله الصين والهند من وزن اقتصادي وعسكري وسياسي، والدور الطاقوي لروسيا، وقد أعلن الرئيس الصيني شي جينبينغ أن “العالم لن يبقى رهينة لإرادة قوة واحدة”، وأنه متجه نحو تعددية قطبية في ظل الحروب التجارية الأمريكية المتصاعدة.
3- أوروبا: هشاشة سياسية وضغط اقتصادي
في فرنسا، سقطت حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون بعد فشلها في نيل ثقة البرلمان أواخر أغسطس 2025، ما اضطر الرئيس إلى تعيين رئيس وزراء جديد، في استمرار لمسلسل سقوط الحكومات . أما ألمانيا، فقد أعلن المستشار أنّ دولة الرفاه تواجه أزمة استدامة، حيث تتجه ألمانيا إلى زيادة إنفاقها الدفاعي إلى نحو 3% من الناتج المحلي الإجمالي (أكثر من 120 مليار في 2025)، في ضوء خطط دعم كييف ومضاعفة القوة العسكرية للبلاد.
ثانياً: المشهد الإقليمي – تصعيد مفتوح وحروب محتملة
1- إيران: إعادة التموضع بعد الحرب مع إسرائيل
بعد المواجهة الأخيرة مع إسرائيل، تواصل إيران إعادة تنظيم صفوفها العسكرية والسياسية، وسط تصريحات متكررة من الحرس الثوري عن “الجاهزية الكاملة لحرب جديدة”. وعلى الرغم من انكفائها النسبي في المشرق، ما عدا العراق، إلا أنها لا تزال فاعلة في اليمن بدعمها للحوثيين. كما عزّزت طهران علاقاتها مع القاهرة، حيث التقى وزيرا خارجية البلدين في أغسطس/ آب الماضي، وقد أكد وزير الخارجية المصري أن “تهجير سكان غزة إلى سيناء خطّ أحمر”.
2- تركيا: تحت نيران إسرائيل واستعداد لمواجهة محتملة
تعرّضت مواقع عسكرية مرتبطة بتركيا في حمص واللاذقية وتدمر لضربات إسرائيلية جوية في مطلع هذا الشهر، استهدفت منظومات رادارية تركية، ما يشير إلى مستوى جديد من التصعيد، وصرّح وزير الدفاع التركي أن بلاده مستعدة للردّ على أي تهديد مباشر لأمنها القومي، في إشارة واضحة إلى إسرائيل. .
3-إ سرائيل: ضربات خارجية وتردّد داخلي
في استمرار لنهجها المتصاعد في تأكيد نفوذها بوصفها القوة العسكرية الأكبر والأخطر في المنطقة، نفّذت إسرائيل ضربة جوية في قطر، استهدفت وفد “حماس” التفاوضي، معرضة الاتفاقيات الدفاعية بين واشنطن ودول الخليج إلى التشكيك بصدقيتها، خصوصاً أن واشنطن حاولت تبرير عدم منعها للضربة بقولها إنها علمت بها قبل تنفيذها بوقت قصير.
على الرغم من فتح إسرائيل جبهات عدة، إلا أنها لا تزال مترددة وغير واثقة بشأن مستقبل وجودها في غزة، ففي الوقت الذي عادت فيه قواتها لاحتلال حوالي 40% من الأراضي، إلا أن تياراً قوياً في إسرائيل يقول بأن حكومة بنيامين نتنياهو ليس لديها خطة واضحة لإنهاء الحرب، وأن إعادة احتلال غزة قد يضمن مستوى من الأمن لكنه قد لا يضمن الردع.
4- لبنان: سلاح “حزب الله” بلا حلّ
في لبنان، يراوح ملف تسليم سلاح “حزب الله” للدولة في مكانه، فعلى الرغم من ممارسة واشنطن ومبعوثها توم برّاك ضغوطاً هائلة على حكومة نواف سلام، إلا أن تشابكات هذا الملف هي أكثر تعقيداً من إمكانية تنفيذها بسهولة، خصوصاً مع تجديد الحزب موقفه الرافض لتسليم السلاح، واستمرار مطالبته إسرائيل بالتزام تعهداتها بوقف استهداف الأراضي اللبنانية.
ثالثاً: المشهد الوطني السوري – تفكك داخلي وتآكل الشرعية
1- السويداء: حصار ودعوة لكيان مستقل
تواصل السلطة فرض حصار خانق على محافظة السويداء، مع عرقلة دخول المساعدات. وأشار تقرير أممي (أغسطس 2025) إلى أنّ الوضع الإنساني في الجنوب السوري “يتدهور بسرعة نتيجة القيود المفروضة”، ما عمّق القطيعة بين أبناء السويداء وعموم السوريين، وبرزت أصوات محلية تطالب بكيان مستقل.
2- الساحل: مجلس سياسي ودعوة للفيدرالية
أُعلن عن تشكيل مجلس سياسي للساحل السوري يطالب بالفيدرالية، في سياق ردّ على مجازر ارتكبتها قوات تابعة للسلطة في مارس/ آذار الماضي بحقّ مدنيين في قرى ومدن الساحل، وهذا المطلب يمثّل تطوراً جديداً ولافتاً، وهو يعكس فشل السلطة في معالجة الأزمات الوطنية، لكنه –أيضاً- قد يحمل في طياته رهانات على مواقف إقليمية تجاه سوريا.
3- القرارات الدولية … عودة إلى 2254
عادت الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية بالتذكير بالقرار الأممي 2254 (2015)، كأساس للحل السياسي في سوريا، مع تجاهل السلطة لهذا التذكير، في الوقت الذي أبقى فيه الكونغرس الأمريكي على العقوبات المفروضة على سوريا بموجب “قانون قيصر”.
4- توازن قوى… روسيا بين تركيا وإسرائيل
تسرّع سلطة الأمر الواقع في دمشق من عملية تطبيع العلاقات مع روسيا، وبدا ذلك بعد زيارة قام بها وفد روسي رفيع المستوى إلى دمشق، ويأتي هذا التسارع بناءً على نصائح تركية، لدفع موسكو للعب دور موازن للنفوذ الإسرائيلي في سوريا، خصوصاً أن موسكو بنت علاقات قوية خلال تواجدها في السنوات السابقة مع أطراف عديدة في الساحل والجنوب السوريين.
5- الدعم المالي … ترويج بلا نتائج
تستمر ماكينة السلطة الدعائية بالترويج لوجود استثمارات مقبلة إلى سوريا، أو أنها قادرة على تأمين دعم مالي محلي للمشاريع، وهو ما بدا واضحاً من فعاليات ما سمي “صندوق التنمية”، التي بدت هزيلة شكلاً ومضموناً، من حيث فشلها في جمع تبرعات مالية يعتدّ بها، لكن هذه الخطوة، تكشف في مستوى أبعد تراجع الدعم الخليجي للسلطة مالياً، واقتصاره على قضايا محددة مثل الرواتب أو إبرام مذكرات تفاهم.
6- انفلات أمني واحتجاجات مطلبية
تستمر الأوضاع في حالة انفلات وعدم ضبط في معظم المدن السورية، بالإضافة إلى التعديات شبه اليومية التي يقوم بها عناصر الأمن العام أو عناصر مقرّبة من السلطة بحقّ المواطنين، كما ستمر حالات السلب والابتزاز والسرقة، التي تشير إلى مستوى السوء الذي بلغته الأوضاع الأمنية والمعيشية للسوريين.
في دمشق، نظّم تجار متضررون من الإجراءات الجديدة المتعلقة بقانون الفروغ والإيجار وقفة احتجاجية في سوق الحميدية الشهير، طالبوا بوقف تنفيذ هذه الإجراءات، التي تطال محلاتهم وأرزاقهم، كما نظم معلمون ومعلمات في ريف حلب ودير الزور وقفتين احاجاجيتين لمطالبة وزارة التربية بدفع رواتبهم المستحقة والمؤجلة منذ أشهر.
نحن في الحزب الدستوري السوري (حدْس)، نرى أن:
1-النظام الدولي يقيم الآن في نقطة حدّية، تعاني فيها الولايات المتحدة من صعود آسيوي غير مسبوق، وعودة العالم إلى حرب باردة جديدة، تتخذ من التجارة والتكنولوجيا وسباق التسلّح عناوينها الكبرى، نظراً لأن خيار المواجهة العسكرية المباشرة تعيقه توازنات الردع النووي بين القوى الكبرى.
2- أوروبا تواجه تحدي تراجع الثقة بالاعتماد على الحليف الأمريكي في أمنها القومي، واستنزاف اقتصادي ومالي نتيجة استمرار الحرب في أوكرانيا، كما تواجه تحدياً غير مسبوق في ضرورة التوازن بين زيادة الإنفاق الدفاعي وبين متطلبات الإنفاق على الدعم الاجتماعي.
3-إيران تعيد تموضعها في توازنات المنطقة، لكن من دون انكفاء كامل، في الوقت الذي أفسح فيه غيابها المباشر عن ساحات المشرق العربي لتصاعد احتمال مواجهة مباشرة بين تركيا وإسرائيل.
4- إسرائيل لم تعد مهتمة بالاتفاقات الإبراهيمية، وتحاول تعيد تعريف نفسها كدولة حرب، والقوة الأكبر في المنطقة.
5-الدعوات للمطالبة بكيان مستقل في السويداء أو الدعوة إلى الفيدرالية، لا تعكس توافقاً إقليمياً حول مستقبل الدولة السورية، بقدر ما تعكس عمق الأزمة الوطنية الراهنة، وحالة الفراغ السياسي القائمة.
6-أن المجتمع الدولي وضمنه جامعة الدول العربية متمسكون بالقرار 2254، على الرغم من غياب ركيزيته (النظام والائتلاف)، لملء فراغ غياب التوافق بين القوى الكبرى.
7- المشاريع الاقتصادية التي تتحدث عنها سلطة الأمر الواقع في دمشق، ليست إلا محاولات للتعمية على واقع غياب الدعم الخارجي الحقيقي، وغياب الثقة بالسلطة وقدرتها على النهوض بأعباء الدولة والمؤسسات.
8- المظاهر الاحتجاجية السلمية ضرورية، وستزداد مع الوقت، نظراً لحالة الفوضى والارتباك والفشل التي تعيشها السلطة.
9- لا بديل عن النضال الوطني الديمقراطي، والتأكيد على أهمية تشبيك العلاقات بين القوى الوطنية الديمقراطية، في مواجهة فشل السلطة في معالجة الأزمات الوطنية والتهرّب من الاستحقاقات السياسية.