قراءة نقدية في مقترح قانون تنظيم الأحزاب في سوريا
علاء الخطيب
أصدر منتدى الكواكبي للحوار الثقافي مقترحاً لقانون تنظيم الأحزاب في سوريا، ومن الواضح الجهد والدقة الكبيرين في إعداد هذا المقترح الذي يستحق أن يكون منطلقا لنقاش سوري وطني حول أحد أهم أسس الديمقراطية المنشودة في سورية. فالديمقراطية تقتضي نشاطاً حزبياً سياسياً بناءً لترسيخ ثقافة الديمقراطية.
المقترح يضع بذورا جيّدة (حظر العنف والتمييز، شفافية مالية، حظر التمويل الأجنبي، حق الاجتماع)، لكنّ الهيكلية التنظيمية تجعل الحزب أقرب إلى ” كيان ذي صبغة قانون عام”يخضع لوصاية إدارية واسعة، بدل معاملتهكـشخص اعتباري من القانون الخاصمع التزامات شفافية وديمقراطية داخلية، وهو ما يبتعد عن النموذج السائد في الديمقراطيات الراسخة التي تفصل بين حرية التأسيس وإجراءات التسجيل الانتخابي، والمالي، وتحصر الحلّ، والحظر بجهة قضائية مستقلة.
أولًا: مقارنة مع السائد عالميًا
1-الترخيص الإداري الواسع مقابل التسجيل الموضوعي البسيط
المسودة تجعل “الهَيئة العليا للأحزاب” المانحَة للترخيص، مع صلاحيات رقابية وتدريبية وتأديبية واسعة (الترخيص، الإشراف على الانتخابات الداخلية، فرض الجزاءات، وحتى الحظر). وهذا أقرب لنظام ترخيص مسبق Licensing، لا لنظام تسجيل حيادي Neutral Registration، وهو خلاف التيار السائد الذي يعتبر الحزب امتدادًا لحرية تكوين الجمعيات، ويكتفي بتسجيلٍ موضوعي لأغراض الاقتراع والتمويل؛ أما الحلّ/الحظر فيُقرَّر قضائيًا فقط. (راجع المواد التي تمنح الهيئة الترخيص والمتابعة والجزاءات، مثل المادة /8/).
2-الحظر والعقوبات بقرار إداري
المادة التي تُجيز للهيئة التدرّج بالعقوبات وصولًا إلى إلغاء ترخيص/حظر الحزب ثم تمنح حق الطعن لاحقًا، تُخالف القاعدة الأفضل وهي: لا حلّ ولا حظر إلا بحكم قضائي، مع معايير صارمة (تهديد النظام الديمقراطي، عنف، إرهاب…). أي يجب استبدال “الحظر الإداري” بإحالة إلزامية للقضاء. (مثل المواد: 22، و23، و24).
3-تصنيف الحزب كشخص من أشخاص القانون العام
تُعامِل المسودة الأحزاب كـ“شخص اعتباري للقانون العام”، بينما السائد أن الأحزاب “أشخاص اعتباريون من القانون الخاص” مع التزامات شفافية/محاسبة خاصّة. وصف “قانون عام” يبرّر رقابة أشد من اللازم ويُحدث آثارًا غير مقصودة (حصانات، إجراءات ضبط إداري). يُستحسن تعديل الوصف.
4-تضارب أدوار الهيئة (منظِّم/مدرِّب/مموِّل/حَكَم)
المسودة تُسند للهيئة “الترخيص والرقابة”، وأيضًا “التدريب”، “تعزيز الحوار”، “تقديم الدعم الفني”، “نشر قوائم القيادات للبنوك”…إلخ. وهذا خلط غير معتاد ويخلق تضارب مصالح (المُنظِّم لا يجب أن يكون مُيسِّرًا ومروّجًا ومشرفًا ماليًا في آن).
الأصح هو جعل دورها تنظيميًا ضيّقًا؛ ونقل التدريب والدعم لمنظمات مستقلة أو لوزارة/مؤسسة أكاديمية محايدة، إن طلب الحزب ذلك.
5-المبالغة بمعايير التأسيس
اشتراط وجود 50 مؤسِّسًا، وخمسة فروع في المحافظات عند طلب الترخيص، بينما الحزب “قيد التأسيس” محظور عليه ممارسة أي نشاط كحزب سياسي. إذاً نحن أمام شرطٌ تعجيزي، وغير عملي ويخالف فلسفة التشجيع على التعددية. خفّض عدد المؤسسين، وألغاء شرط الفروع المسبَق، والاكتفاء بالتمثيل الجغرافي بعد فترة معقولة من الإشهار (المادة 28).
6-الإشراف الإداري على الحياة الداخلية
اشتراط إخطار الهيئة بأي تعديل في القيادة أو النظام أو البرنامج خلال شهر، ومنحها حق طلب “التراجع عن الإجراء”، يُدخل الإدارة عميقًا في الشؤون الداخلية. الأفضل الاكتفاء بإخطار ونشر لأغراض الشفافية، مع حق الطعن القضائي فقط إذا وُجد خرقٌ صريح للقانون (تمييز/عنف/تمويل محظور).
7-الحصانات الخاصة للقيادات والمقار
منح حصانات إجرائية خاصة (التفتيش والملاحقة بإذن مسبق) يخرُج عن مبدأ المساواة أمام القانون؛ المعتاد أن الحماية تكون عبر ضمانات الإجراءات الجزائية العامة لا امتيازات لفئة محددة. يُستحسن حذف الحصانات الخاصة، والاكتفاء بشرط وجود إذن قضائي عام للتفتيش مثل أي كيان خاص.
8-الوصول إلى الإعلام
نصٌّ عام يمنح الأحزاب حق استخدام “جميع وسائل الإعلام” من دون إطار عملي (حيّز متساوٍ، معايير زمن البث، أوقات الانتخابات، وغير ذلك)، وخاصة في الإعلام الحكومي. الأفضل أن يُفصّل ذلك في قانون أو مدوّنة إعلام انتخابي مستقل، وإلا صار النص حبريًا أو مثار نزاع دائم. فأحد مشاكل الديمقراطيات، وخاصة حين يكون تأسيس النظام الديمقراطي ببدايته، هي الانحياز الإعلامي لمصالح سياسية أو مالية.
9-التمويل العام والرقابة
وجود دعم حكومي من الخزينة خيارٌ مألوف، لكن يجب أن يُربط بأداء انتخابي ذي حدود دنيا، ويخضع لتدقيق مستقل يُرفع للبرلمان كجهة رقابية، لا للهيئة ذاتها فقط. أيضًا، حظر التبرعات الأجنبية جيّد، ويستحسن إضافة سقف للتبرعات الفردية وقواعد “مصدر مُجاز” أسوة بالنماذج الحديثة.
ثانيًا: وضوح واتساق النص داخليًا؟
1-غموض بعض المصطلحات
- تذكر المادة 5، الفقرة 1، ضمن التزامات الحزب السياسي، الالتزام “بالإعلان العالمي والعربي لحقوق الإنسان”. إن إقحام الإعلان العربي لحقوق الإنسان الصادر عن القمة العربية السادسة عشرة التي استضافتها تونس في 23 مايو/أيار 2004، يؤدي لإفراغ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من كثير من محتواه. وبالمحصلة يقيّد الأحزاب السياسية برؤية قومية عربية إسلامية، مما يتناقض مع ما ورد بالمقترح لاحقا.
- ورد ضمن عدة فقرات، ضمن سياق الحرص على عدم التمييز بين المواطنين، مصطلحي “عرق” و”إثنية”. لكن كلا المصطلحين ما زالا غائمان ضمن السياق السوري. فليس واضحاً هل المقصود بذلك السماح أو المنع للأحزاب القومية العربية، أو الكوردية، أو السورية، أو أياً من القوميات الموجودة في سوريا.
أعتقد ان هذا السؤال هو سؤال وإشكال كبير في أي قانون أحزاب سياسية؛ فنظرياً الحالة الأفضل للأحزاب بالحالة السورية، خاصة بعد كل الأزمات الطائفية والقومية، هو ألا يكون الحزب مصبوغاً بانتماءات قومية أو دينية أو طائفية. لكن مع ذلك يبقى الجواب خاضعا للنقاش، ولا تفيد ضبابية المصطلح بهذه الحالة.
2-تشكيل الهيئة العليا للأحزاب
- تضم ممثلين من السلطة التشريعية/التنفيذية والقضاء، ويرأسها عضو منتخب من داخلها، ثم تُمنح حصانة كاملة وصلاحيات واسعة. هذا يُضعف استقلالها ويصنع “جسمًا فوق-مؤسسي”. كما أن تشكيلتها تمنح الأحزاب والجماعات ذات الغالبية البرلمانية، والأحزاب المؤسسة سابقا، سلطة يمكن استغلالها لإجهاض نشوء أحزاب جديدة.
الأفضل أن تكون مكونة من موظفين بيروقراطيين يهتمون بالقوانين الناظمة، وبحال وجود خرق قانوني تُعطى صلاحية الإحالة للقضاء فقط.
- لا يوجد ما يبرر منح الهيئة العليا للأحزاب الحصانة القضائية الكاملة. فهي يجب أن تكون مؤسسة بيروقراطية خدمية تخضع لما تخضع له مؤسسات الدولة الأخرى.
3-إجبار بعض القواعد التي تكبح الحرية السياسية
- ورد في الفقرة 3، المادة 28 شرط أن يكون المنتسب للحزب مقيما في الجمهورية العربية السورية. وهذا شرط في السنوات القادمة يحد من حقوق السوريين المقيمين بالخارج وعددهم ما زال بالملايين، ولا يُتوقع عودتهم خلال سنين قليلة. ناهيك عن أن هذا الشرط سيحد أيضا من حق المواطن إن قرر السفر لعدة سنوات إلى الخارج.
الاقتراح البديل هو اشتراط وجود الهيئة المؤسسة للحزب بغالبيتها النسبية داخل سورية.
- المادة 27 تزيد من تعقيد عمل الأحزاب السياسية. فمن المعروف أن بعض الأحزاب تمتلك مقرات تتسع لاجتماعات كبيرة نسبياً، وإلزام الحزب بالتبليغ عن كل اجتماع موسع غير مبرر.
- القواعد المالية معقدة وتزيد من بيروقراطية لا داعٍ لها، فيكفي أن تخضع الأحزاب للمراقبة المالية التي تخضع لها كل الهيئات والجمعيات والشركات المؤسسة في البلد.
- المادة 18 تفرض على الأحزاب ما ليس من صلاحيات السلطة، كتحديد فترة انتخاب القيادات، وعدد الدورات المسموحة لكل قيادة.
يمكن هنا، تحاشياً لإنشاء أحزاب الأشخاص، فرض حد أعلى لمدة الدورة الانتخابية، كأن يكون 8 سنوات.
ثالثاً- اقتراحات للقانون
- بسبب ما مرت به سورية خلال عقود حكم الأسدين، وبعد الثورة السورية، من مشاكل اجتماعية واستقطابية، وأيضا بالاستفادة من تجربة الدول الغربية مع الأحزاب اليمينية المتطرفة يمكن اقتراح إضافة فقرة ضمن القواعد التي تُلزم كل حزب سياسي وهي:
عدم المساهمة بنشر خطاب الكراهية أو التمييز بين البشر وفق قوميتهم، أودينهم، أو طائفتهم، أو منطقتهم، أو شكلهم، أو جنسهم.
- تحديد الحد الأعلى للتبرعات المقدمة للحزب من قبل الأفراد أو الهيئات أو الشركات.
خاتمة
اعتمدت هذه القراءة على مقارنة حول نظام الأحزاب في ألمانيا والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي عموما. فمثلا تشكيل الأحزاب في ألمانيا لا يحتاج لـ”ترخيص سياسي”. فالدستور يفرض ديمقراطية داخلية وشفافية مالية، وقانون أحزاب يحدّد الشكل. المشاركة بالانتخابات تمرّ عبر إجراءات عند مفوّضة الانتخابات. وحظر الأحزاب مناط بالمحكمة الدستورية فقط. والمرجع بقانون الأحزاب هو قانون فيدرالي PartG للعام 2012
أما في المملكة المتحدة فكثير من الأحزاب هي قانونيًا “جمعيات غير مسجّلة” أو “شركات محدودة” داخليًا. لكنها عندما تريد دخول الانتخابات فإنها تتلقى تمويلاً منتظماً، وتسجل عند المفوضية الانتخابية، وتلتزم بتقارير مالية صارمة. ولا يوجد قيود على الأفكار أو الأيدولوجيات.
تُظهر التجارب المقارنة (ألمانيا/المملكة المتحدة) أن حرية التأسيس، التسجيل الموضوعي، الرقابة المالية الصارمة، والحظر القضائي استثنائي هو الطريق الأضمن لترسيخ تعددية حزبية سليمة. وبالتالي بتعديل محاور: الطبيعة القانونية، اختصاصات الهيئة، العتبات، الإعلام والتمويل، يصبح المقترح أقرب إلى نموذج ديمقراطي فاعل وعملي.
سورية بحاجة لمقارنات أوسع مع النظم الدستورية والقانونية والحزبية في الدول الأخرى للاستفادة من أخطائها ومن نجاحاتها أيضاً، مع الحرص على أن الهدف النهائي هو المساهمة ببناء النظام الديمقراطي الذي يشكل ضمانا للوصول للعدالة الاجتماعية، ونجاح البنية المؤسساتية للدولة، وبالتالي نجاح الدولة بتحقيق أهداف الشعب السوري.
