رأي

مقامرة “المطرقة والجبل”: هل يكسر ترامب “عطالة” الجغرافيا الإيرانية؟

علاء الخطيب

دخلت المنطقة مع بداية عام 2026 مرحلة “السيولة القصوى” عقب التغييرات الجيوسياسية الدراماتيكية التي عصفت بالشرق الأوسط، وعلى رأسها سقوط نظام الأسد في دمشق. وفي قلب هذا المشهد المتفجر، يبرز السؤال الوجودي: هل يضغط دونالد ترامب على الزناد ضد البرنامج النووي الإيراني؟
إن الإجابة لا تكمن في الرغبة السياسية فحسب، بل في اشتباك معقد بين التكنولوجيا العسكرية الأمريكية المفرطة، وبين صلابة الجغرافيا الإيرانية وعقيدة الرد الانتحاري.
تعتمد الرؤية الأمريكية “الصقورية” على سلاحها الأسطوري: القنبلة الخارقة للتحصيناتGBU-57 MOP ، وهذه الكتلة المعدنية التي تزن 14 طناً صُممت خصيصاً لتفتيت خرسانة المنشآت المحصنة. تقنياً، يراهن المخطط العسكري على تكتيك “الضربة المزدوجة” (Double Tap)؛ حيث تضرب القنبلة الأولى لتهشيم الكتلة الصخرية، بينما تتبعها الثانية لتقوم بما يسمى ب “ثقب الاختراق”،لتصل إلى عمق المفاعلات.
إلا أن “التفكيك البنيوي” لهذا العجز التقني يكشف ثغرات كبرى. فالجغرافيا الإيرانية في منشآت مثل “فوردو” ليست مجرد أرض، بل هي “درع طبيعي” من الحجر الجيري والجرانيت يمتد لعمق يتجاوز 90 متراً، وبالتالي فإن أي انحراف بسيط في زاوية ارتطام القنبلة الثانية بمقدار سنتيمترات، قد يؤدي إلى انزلاقها بعيداً عن الهدف، ما يجعل مليارات الدولارات من التكنولوجيا تتبخر أمام عناد الجبل.

يرى ترامب، ببراغماتيته التي تشبه “مقامراً محظوظاً”، أن النظام في طهران يعيش لحظة “العطالة البنيوية”. فبعد سقوط الأذرع الإقليمية في دمشق وضعف نفوذ الفصائل في لبنان والعراق، باتت طهران “جسداً بلا أطراف”. يراهن البيت الأبيض على أن ضربة مركزة ضد “قلب النظام التقني” (البرنامج النووي) ستؤدي إلى انهيار هيكل السلطة تحت وطأة العقوبات والتململ الشعبي.
لكن هذا الرهان يغفل حقيقة أن “الأنظمة الأيديولوجية” قد لا تنهار وفق منطق “الدومينو”. بل إن الضربة الخارجية قد توفر للنظام “قبلة حياة” مؤقتة، تحت ستار الوطنية والدفاع عن الأرض، ما يحول الفشل التقني الأمريكي إلى انتصار سياسي لطهران.
المعضلة الكبرى التي تواجه إدارة ترامب هي “رد الفعل الانتحاري”، فطهران تدرك أنها لا تملك التكافؤ العسكري المباشر، لذا تعتمد استراتيجية “الرد غير المتكافئ”. إن تهديد منشآت الطاقة في الخليج العربي وإغلاق مضيق هرمز يعني انتقال الأزمة من صراع إقليمي إلى كارثة اقتصادية كونية.
إذا قفزت أسعار النفط إلى ما فوق 150 دولاراً للبرميل، فإن “الازدهار الاقتصادي” الذي وعد به ترامب ناخبيه سيتحول إلى رماد. هنا يبرز مأزق القوة العظمى: كيف تضرب عدواً يملك القدرة على تفجير نظام “الأمر الواقع” الاقتصادي العالمي؟ إنها معادلة “عليَّ وعلى أعدائي”، حيث يتحول الرد الإيراني إلى لغم مزروع في قلب الاقتصاد الغربي.
إن سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024 لم يكن نتاج “اتفاق دولي” مسبق كما روج البعض، بل كان نتيجة انهيار مفاجئ لعطالة الهيكل. هذا الدرس يعلمنا أن “المفاجأة الاستراتيجية” هي سيدة الموقف. ترامب قد يجد نفسه مدفوعاً للانخراط في مواجهة لم يخطط لها، يقودها طموح بنيامين نتنياهو لحسم الصراع التاريخي، ما قد يجرّ المنطقة إلى فراغ سيادي، لا تملك واشنطن ولا حلفاؤها خطة لإدارته.
إن الضربة الأمريكية المحتملة لإيران في عام 2026 ليست مجرد عملية عسكرية، بل هي مقامرة كبرى على حدود الفيزياء والسياسة، بين مطرقة ترامب التقنية و بين جبل إيران الجغرافي، وفي قلب هذه المقامرة تقبع منطقة منهكة تخشى أن يكون ثمن “تغيير الواقع” هو فوضى شاملة، تعيد صياغة العالم على وقع انفجارات أسعار الطاقة وانهيار الحدود التقليدية، وبالتالي، فإن الحظ الذي خدم ترامب في محطات سابقة، قد يصطدم هذه المرة بصلابة جغرافيا لا تقبل المساومة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق