رأي

ثمن باهظ لتصوّرات خاطئة

راتب شعبو
من التصورات التي تكاملت في وعي السوريين على مدى عقود وتساهم في عرقلة تطور واقعهم السياسي، التصور بأن نظام الأسد نظام علوي ونقطة على السطر. لم يستقر هذا التصور عند غالبية معارضي النظام فقط، بل وعند أنصاره أيضاً. كان تصور كل طرف يسند تصور الطرف الآخر. ولم يكن الواقع اليومي في سوريا بخيلاً في تقديم أدلة على صحة هذا التصور، فوصف النظام السابق بأنه علوي لا يخلو من الحقيقة، غير أن هذه الحقيقة تصبح مضللة وسيئة العواقب حين يُختزل النظام السابق بها، فتبدو وكأنها جوهره ومعياره المحدد، وكأن ما ألحقه نظام الأسد بالسوريين نابع من هذه الصفة، الأمر الذي يغطي على الجوانب الأساسية فيه والتي هي آلياته التسلطية.
العصبية الطائفية، كغيرها من العصبيات، يمكن أن تكون وقوداً لآلية عمل استبدادية تقوم على حصر الفاعلية السياسية في السلطة الحاكمة، مع إغلاق السبل أمام الفاعلية السياسية للمحكومين، ومن ضمنها تغيير السلطة ومحاسبتها. غير أن لبّ الموضوع ليس في العصبية نفسها، والتي تتوفر بطبيعة الحال عند أي جماعة، أكانت دينية أو قومية أو عشائرية أو حتى حزبية إيديولوجية … الخ، بل في الألية التي تستخدمها، ذلك لأن الآلية مستقلة عن العصبية المستخدمة فيها، ويمكن لآلية الاستبداد السياسي أن تعتمد عصبية أخرى تشكل وقوداً لاستمرار علاقات التسلط نفسها.
وصف نظام الأسد بأنه علوي واختزاله بهذا التحديد، قاد إلى تحويل مشاعر الشارع السوري من عداء سياسي للنظام السابق، بما يمثل من علاقات تسلطية تأبيدية كرستها طغمة الأسد وعاشت عليها لعقود، إلى عداء طائفي موجه ضد جماعة محددة (العلويين). التسلطية السياسية في سوريا تجلت في رفع الرئيس إلى مرتبة الزعيم وجعله، في وعي الجمهور وفي الواقع السياسي، فوق المحاسبة، بما يقطع الطريق على أي وسيلة شرعية لتغييره، ويجعله مؤبداً.
مبدأ التأبيد هو نفسه مبدأ اللامحاسبة، رفع الرئيس فوق مبدأ المحاسبة لا يعني سوى تأبيده. وعلى اعتبار أن أي فئة اجتماعية، لا تشكل بذاتها جوهراً لأي نظام استبداد، حتى لو كانت الفئة المعنية هي الذراع الضاربة للنظام، فإنه لا ينتج من معاداة أو تهميش أو حتى إبادة هذه الفئة أي محصول سياسي مفيد يحمي الناس مما عاشوه من قبل. النظام السياسي ليس بأفراده ولا بالجمهور الذي يؤيده أو يعارضه، بل بطبيعة العلاقة فيه بين السلطة والمجتمع، وبصورة خاصة بتوفر أو عدم توفر قنوات مستقرة ومحمية للتأثير المتبادل بين أهل الحكم والمحكومين.
سيطرة التصور بأن نظام الأسد نظام علوي غطت على حقيقة أنه نظام تسلطي قبل كل شيء، وأن التسلطية كانت في أساس الخراب الذي ألحقه بسوريا، وقد تجلى التأثير السلبي لهذا التصور بعد سقوط الأسد، في عدم تركيز السوريين أو تساهلهم مع الممارسات التسلطية والتمييزية التي راحت السلطة الجديدة تكرسها. التصور الخاطئ تجلى في العداء لأدوات وليس لنظام العلاقات الذي استخدم الأدوات، العداء لبشر وليس لنظام. بكلام آخر، لو كان وعي السوريين بأن التسلط السياسي بوصفه نظام حكم يقوم على القمع وتهميش القانون لصالح القوة هو أساس البلاء، من مستوى وعيهم بأن العلويين أساس البلاء، لكان من الصعب على أي جهة مهما كانت، أن تكرس تسلطاً أو استبداداً سياسياً جديداً.
يبقى السؤال لماذا كان تصور نظام الأسد على أنه علوي أقوى من تصوره على أنه تسلطي؟ الجواب النظري على هذا السؤال يكمن في ميل الناس إلى التجسيد، فمن الصعب أن ترفض آلية حكم تسلطي، ذلك أن الآليات مجردة وغير مرئية، ولكن من السهل أن ترفض حين تجسد الآلية بأفراد أو جماعات. هذا ما نراه حين يجري تفريغ شحنة العداء التي تولدها أنظمة سياسية معقدة، في أشخاص أو جماعات يُنظر إليهم على أنهم التجسيد المباشر للنظام.
لدى الإنسان ميل غريزي إلى التجسيد، يعبر عن نفسه في النزوع الوثني الملازم للإنسان، أي في تمثيل ما يؤمن به على صورة مرئية ومحسوسة بوصفها تجسيداً للخير. والحال نفسه في تمثيل ما يرفضه على أنه تجسيد للشر. هذه الثنائية تعفي الانسان من التفكير الذي كان دائماً من المهام الثقيلة على قلبه، فنراه لذلك يسارع إلى إحالة انطباعاته وتصوراته إلى بديهيات يؤسس عليها ويكره مراجعتها وإعادة النظر فيها.
الجواب السياسي يكمن في الجاذبية الشعبية للتعبئة ذات البعد الطائفي وقدرتها على الحشد، وكان لهذه التعبئة دور مهم في عزل نظام الأسد الذي ساد وصفه بأنه نظام “أقلوي” ليس بمعنى أنه حكم أقلية (أوليغارشية) أو طغمة حاكمة، بل بمعنى حكم أقلية طائفية، ما ولد مشاعر رفض واسعة على أسس غير سياسية. غير أن هذه التعبئة الفعالة حملت معها، في الوقت نفسه، ضلالاً يعيق تطور الواقع السياسي ويمهد لتكرار الحلقة نفسها. ذلك لأن هذه التعبئة إذ تعتمد على حساسية طائفية، فإنها لا تمتلك حساسية سياسية مضادة لبناء الآليات نفسها في التسلط والإكراه والتمييز وفي نمط العلاقة مع المجتمع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق