العسكرة واختطاف القرار السوري
هيثم مناع
اليوم، وقد أصبح الوضع السوري يقوم على قاعدة “من يسيطر يقرر” الشيبانية – الجولانية، صار من الضروري العودة إلى محطات أساسية وضعت لهذه القاعدة ما يجعلها مقبولة لدى قطاع من الناس ربطوا مصيرهم بالقتال، وفي معظم الأحوال القتال المدفوع الأجر، للسيطرة على مصائر شعب بأكمله. وكوننا قد تناولنا عملية بناء السلفية الجهادية “السورية” في أكثر من كتاب ودراسة، من الضروري استحضار بعض اللحظات المفصلية في بناء التعبيرات الأخرى وبشكل خاص تشكيل “وحدات حماية الشعب والمرأة” في الشمال، وتأطير فصائل “الجيش الحر” تحت أمرة غرفتي عمليات (MOM, MOC) تقودها في فورسيزون عمان وهاتاي ثمانية دول، كانت صاحبة قرار فيما سمي “أصدقاء الشعب السوري”.
منذ 2002، وكلما تحدث بعض الأصدقاء عن “القائد أبو”، كنت أشعر بالتناقض الصارخ بين الممارسة والخطاب عند من حوّل عبد الله أوجلان إلى أيقونة، لم يقرأ من كتابات السجن منها شيئا أو القليل. وقد شاركت في سهرة مع أول رئيس لل”بي واي دي” في هولندا وشعرت بهذه الازدواجية، حين كان يتحدث عن أجزاء كردستان بأسماء لا يعرف معناها معظم المشاركين والمشاركات من الكرد في هذه السهرة. وأذكر أنني حملت استشهاداً من الطبعة الأولى لكتاب “من دولة الكهنة السومرية نحو الحضارة الديمقراطية، الجزء الثاني”، فلم يعلق أحد أو يتوقف عند هذا الاستشهاد الذي يشكل قطيعة مع كل ما صدر عن حزب العمال الكردستاني منذ نشأته إلى اعتقال قائده. وأكرره هنا كاملا لأنني اعتمدته أساسا للنقاش مع التعبيرات السياسية الأوجلانية في سوريا وتركيا سواء بسواء:
” الظاهرة الأخرى التي لا يمكن فصلها عن الديمقراطية هي سريان النظام الحقوقي الكوني، إن الديمقراطية والقانون بالمعنى المعاصر لا يمكن أن يوجد أحدهما دون الآخر، فهما مؤسستان اجتماعيتان تغذيان بعضهما البعض، وقادرتان على حل أية مشكلة اجتماعية، فالديمقراطية هي النظام الحقوقي للساحة السياسية، وعندما يضاف إليها حقوق الإنسان الأساسية، تظهر معايير دولة الحقوق الديمقراطية المعاصرة، حيث يوجد فرق أساسي بين تمركز دولة الحقوق على أساسها وامتلاك الدولة للقانون، أما عكس ذلك أي إذا خلقت الدولة القانون لوحدها فذلك هو قانون الدولة، إن عدم تمخض الحقوق من الدولة فقط، واتخاذ الحقوق أساساً لثقافة وتقاليد الشعب الذي نشأ ضمنها، واستناده إلى مقاييس الحقوق العالمية، واحترامه للمقاييس الحقوقية الأساسية للماضي، سيؤدي إلى دولة حقوقية حقيقية (في الطبعة الإنجليزية: A true rights-based state)، وسيكون الحل العادل السلمي للمشاكل والمطالب الاجتماعية في إطار النظام الديمقراطي مع الالتزام بالحقوق هو القاعدة الأساسية، حيث سيوفر الحل الحقوقي الديمقراطي الضمان للجميع ولكل الشرائح وسيوفر الفرصة لمساهمة الجميع في تطور المجتمع.
للأسف ولعقدين من الزمن، كنت أدافع في الأوساط الأبوجية عن هذا الرأي لوحدي، ولا أجد أوجلانيا يشاطرني الرأي، سواء عند عشاق روجافا، أو من يعتبر النضال المسلح الطريق للوصول إلى “الأمة الديمقراطية” وكانتوناتها.
لقد حاولنا في “مؤتمر القاهرة للمعارضة السورية” (يونيو/حزيران 2015) تثبيت أساسيات بناء دولة قانون تجمع كل السوريين، دولة مواطنة متساوية تعتمد اللا مركزية الديمقراطية في بنائها الجديد. ووافقت أهم الأطراف والشخصيات الكردية والعربية والسريانية على هذه المخرجات. إلا أن دخول “التحالف الدولي ضد الإرهاب” طرفا في رسم التحالفات العسكرية الجديدة كانت له الغلبة. وجد “الكادرو” في تشكيل “قوات سوريا الديمقراطية” ليس فقط منظما للمقاومة ضد الدواعش بل أساس إعلان “فدرالية” من طرف واحد في مناطق سيطرته. وبذلك تحول “مجلس سوريا الديمقراطية” إلى الفترينا السياسية لمشروع تتشكل حدوده من مناطق السيطرة العسكرية لقسد ويجري بناء إدارة ذاتية على هذا الأساس. لم يكن الحليف الأمريكي لقسد قادراً على إعطاء أي غطاء سياسي لحلفائه. وفي لحظة مأساوية طلب مايكل راتني وجويل (السفير الأمريكي ومساعده) بوضوح في اجتماع جانبي في لوزان من صالح مسلم ومن جاء معه، القبول بعدم المشاركة في مباحثات جنيف، بموافقة غاتيلوف نائب وزير الخارجية الروسية. بل أكثر من ذلك، طلبوا من الكرد إقناعي باستبعاد أي كردي من وفد “مؤتمر القاهرة”. رفضت ذلك وقلت لهم: الأمريكي يريد قسد شريكاً عسكرياً في الحرب على الإرهاب، وقد ساوم مع المخابرات التركية لإبعادهم عن أي دور سياسي في مباحثات جنيف.. للأسف لم يستمع لرأيي أحد، وقررت بعد استبعاد قائمة بثمانية عشر شخصية وطنية ديمقراطية معروفة واستبعاد قائمة الكرد التي قدمتها لمؤتمر الرياض، مقاطعة هذا المؤتمر الذي قبلت السعودية فيه بكل شروط الجانب التركي. وحدها المخابرات العسكرية التركية أدركت مخاطر موقفي، وأرسلت ثلاثة أشخاص لاغتيالي تمكنت السلطات السويسرية من كشفهم… وفي الميدان، قام حقان فيدان رئيس المخابرات العسكرية التركية بتنظيم عملية ابتلاع عفرين، ووضع إسفين بين كوباني والجزيرة في رأس العين/سيريكانيه بموافقة أمريكية، أي تفتيت الكانتونات الثلاث التي عمل على بنائها “الكادرو”. لم تجر القيادة السياسية لأحزاب مسد، أي تقييم أو مراجعة لما يحدث، مطمئنة إلى أن الحليف الأمريكي لن يسمح بضرب “الإدارة الذاتية” وقسد.
منذ اليوم الأول لما سمي”ردع العدوان” سعت الميليشيات الموالية لتركيا ما استطاعت، لتهجير ما أمكن من الكرد في غربي الفرات. وقبل مطلع 2025، أضيف إلى قائمة المهجرين قسرياً من الكرد عشرات الآلاف، حاولت فرنسا البحث عن ضمانات توقف التهجير ووقف المواجهات بين قوات الجولاني وقسد، ولكن لم يكن هناك يوماً، أية نية جدية لتوافقات بين الطرفين، خصوصاً وأن قرار حكومة الجولاني كان واضحا من اليوم الأول: حلّ الجيش والشرطة والأمن وتأميم فصائل “غرفة العمليات العسكرية” لهذه المؤسسات بشكل عقائدي وطائفي مقيت. وعندما أخبرت الزملاء في مسد بأن اتفاق 10 آذار ليس سوى ورقة أفيون تعطي الوقت للجولاني لحلّ مشكلاته مع من يعتبرهم خطراً على سلطته من العلويين والدروز والنصارى والعلمانيين الديمقراطيين الكفرة… قبل أن يستلم أوراق اعتماده عضواً في التحالف الدولي ضد الإرهاب، ليس في جوار قسد، بل كبديل عنها. باعتبار الدور العسكري الوظيفي لقسد، كما قال السفير الأمريكي توم باراك، قد انتهى.
(الجزء الأول من ثلاث مقالات للمفكر والناشط الحقوقي السوري، عضو الكتلة الوطنية السورية)