عن استعادة عناصر من خطاب النظام المنهار
يوسف فخر الدين
عرفت سوريا بعد اندلاع الانتفاضة الثورية في آذار 2011 خرقًا في المنطق السجالي السلطوي السائد، القائم على الارتياب البنيوي من الخارج، وتفسير المطالبة بإتاحة السياسة داخليًا بوصفها امتدادًا دائمًا لمؤامرة أو استهداف خارجي، فيما جرى إخضاع الداخل لمنطق «حساسية المرحلة» و«الظروف الاستثنائية» و«الأولويات الوطنية»، التي استُخدمت طويلًا لتأجيل الحقوق، وكبت المطالب، وتعليق أي أفق ديمقراطي بحجة الخطر الداهم. فقد رسّخت استمرارية سلطة الأسد، على مدى عقود، خطابًا مغلقًا يرى في الانفتاح تهديدًا، وفي الإصلاح وعدًا مؤجَّلًا بلا أفق، ويوصم المطالبة بالمشاركة السياسية بأنها عبء على دولة يدّعي أنها في حالة دفاع دائم في مواجهة التهديدات الخارجية.
في هذا السياق، لم تكن الاتهامات التي وُجّهت إلى الحراك الاحتجاجي في عام 2011، من قبيل «العمالة» و«المندسين» و«الفتنة» و«المؤامرة»، تعبيرًا عن ردّ فعل ظرفي، بل استدعاءً مباشرًا لتراث طويل من الخطاب السلطوي الأسدي، تشكّل في ظل دولة أمنية احتكرت تعريف الوطنية، وجرّمت السياسة، وأعادت تعريف أي فعل جماعي مستقل بوصفه تهديدًا أمنيًا أو اختراقًا خارجيًا. وقد شكّلت هذه المفردات، عبر عقود، أدوات جاهزة لنزع الصفة السياسية عن أي حراك اجتماعي، وإخراجه من دائرة المواطنة إلى دائرة الاشتباه، بما يحول دون الاعتراف به بوصفه تعبيرًا مشروعًا عن مصالح أو مطالب عامة.
في مواجهة هذا المنطق، ظهرت جموع خارج السيطرة الرمزية والتنظيمية للسلطة، جموع لم يجمعها النظام ليعلن من خلالها الولاء له أو لتقديسه، بل خرجت بخطاب أولي استند إلى رموز وشعارات من خارج دائرة الخطاب السائد. وقد رأت دوائر السلطة في هذا الظهور ما أطلقت عليه «العدوى»، معتبرة إياه امتدادًا لموجة المطالب التغييرية في المنطقة التي أُطلق عليها اسم «الربيع العربي».
ولم تحاول هذه الجموع، في لحظة تشكّلها الأولى، حين لم تكن واقعة تحت تأثير قوى سياسية منظَّمة، ولا خاضعة لهيمنة قوى جهادية، الردّ على تهمة العلاقة مع الخارج أو نفيها ضمن منطق السلطة، بل عبّرت عبر السلوك المباشر عن رغبة في الانفتاح على الخارج، انطلاقًا من إدراك أن القطيعة معه لم تكن خيارًا شعبيًا سوريًا حرًا، بل جزءًا من بنية الاستبداد التسلّطي التي رزحوا تحتها لعقود. وقد شكّل هذا الموقف خرقًا وتحوّلًا انفجاريًا من النوع الذي يظهر في انتفاضات الشعوب المكتومة، حين تفاجئ العالم، وربما تفاجئ نفسها، بمدى التناقض بين ما تعلنه في لحظتها الانفجارية الأولى، وبين الخطاب الذي فرضه عليها مستبدّوها طويلًا.
وكان هذا الانفتاح قائمًا على مستويات عدة، إذ تمثّل، من جهة أولى، في الانفتاح على صياغات مطالب موجة التغيير في المنطقة، وصولًا إلى ترداد شعاراتها الرئيسية، وهو ما يحتاج جانب منه إلى مقاربة نقدية نتركها إلى سياق آخر. وتمثّل، من جهة ثانية، في انفتاح مباشر على الغرب، تجلّى بوضوح في الاستقبال الشعبي الحافل للسفيرين الأميركي والفرنسي في مدينة حماة، في مطلع الانتفاضة الثورية، بوصفه إعلانًا جماعيًا لكسر القطيعة المفروضة مع الخارج، ورسالة سياسية تعاكس خطاب السلطة القائم على التخوين والانغلاق.
إلا أن اندفاع سلطة الأسد نحو الحلّ الأمني العسكري، وإطلاقها عناصر متطرفة من سجونها، وجلبها ميليشيات طائفية، إلى جانب تقاعس الغرب عن اتخاذ خطوات جدّية لكبح عنف السلطة، أدّى إلى انتشار القوى الجهادية، ومعها انتشار خطاب تخويني استمدّ معجمه من الخطاب النظام المثار عليه. وقد شكّل ذلك نكسة على صعيد الخطاب، إذ عاد المجال الخطابي لينحصر ضمن معجم النظام، بما حوّل الصراع، على مستوى الخطاب، من مواجهة بين الإغلاق والانفتاح إلى صراع داخل خطاب السلطة نفسه.
وعكس ذلك، في الواقع، تراجعًا في قوة التغيير الداخلي الساعي إلى الانفتاح، لمصلحة قوى تقليدية تشترك مع سلطة الأسد في فهم الحكم بوصفه إغلاقًا للداخل وإدارته عبر تحقيق مصالح الخارج، وهو ما يمكن توصيفه بمنطق التوكيل الخارجي، بدلًا من أن يكون تمثيلًا داخليًا قائمًا على الإرادة الشعبية، وتوكيلًا سياسيًا نابعًا منها.
وتفاعل هذا التحوّل مع حالة من «الانكشاف» الناتج عن انهيارات واسعة في بنية الدولة، وظهور سلطات أمر واقع تسلطية، حيث بدا أن كلًّا من سلطة الأسد والمهيمنين من خصومها باتوا بلا إرادة مستقلة أمام داعميهم. وهو ما أضاف إلى العودة لمعجم النظام بُعدًا إضافيًا، جعلها تبدو انتكاسة فعلية لا مجرّد تراجع ظرفي.
وهكذا، لم يعد التغيير الديمقراطي هو ما يحرّك جمهور المواجهين للسلطة، بل الغضب والألم، والرغبة في استعادة الداخل. وهي رغبة سيحدّد مسار الصراع، والقوى المتحكّمة به، ما إذا كانت ستتحوّل إلى عامل في بناء دولة قانون قائمة على الإرادة الشعبية، أم إلى مرتكز لإعادة إنتاج دولة استبداد جديدة، تقوم على منطق التوكيل الخارجي بصيغة مختلفة.
وسنجد إجابات غير مطمئنة مع السلطة الجديدة في دمشق بعد انهيار سلطة الأسد (8 كانون الأول/ديسمبر 2024)، إذ أعاد مؤيدوها استخدام عناصر وصياغات من خطاب النظام السابق لتبرير ما جرى في السويداء والساحل السوري، وكذلك في مقاربة ما يحدث ضد قوات سوريا الديمقراطية في الشمال الشرقي. وما يكمل قتامة المشهد هو أن هذا الاستخدام ليس مقتصرًا على مؤيدي السلطة الجديدة وحدهم، بل مشتركٌ بينهم وبين مؤيدي خصومها، حيث تُستعاد اللغة نفسها القائمة على التخوين ونزع الشرعية وتصوير الاختلاف والاحتجاج بوصفهما تهديدًا أو أداة بيد الخارج. ومما تستعيده هذه اللغة عنفٌ رمزي كثيف، وأحيانًا عنف مباشر، يعيد إخراج السياسة من مجالها بوصفها صراع مصالح ورؤى إلى مجال الاصطفاف والإقصاء، بما يكشف عن استمرارية في المعجم السياسي والخطابي أكثر مما يدلّ على قطيعة مع منطق الحكم السابق، ويعيد طرح سؤال التغيير الديمقراطي بوصفه مسألة بنيوية لم تُحسم بسقوط سلطة، بل تتعلّق بطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبالقدرة على الاعتراف بالتعدّد والحقوق خارج منطق التخوين والإقصاء.