لا داع للكهرباء… نور الشرع يكفي
حسام ميرو
على الرغم من كل الأصوات الاحتجاجية الرافضة لرفع تسعيرة الكهرباء في سوريا، نظراً للأوضاع المعيشية الكارثية للمواطن السوري، إلا أن سلطة الأمر الواقع في دمشق وحكومتها أصرّا على رفع التسعيرة، في بلد يعيش أكثر من 90% من سكانه تحت خطّ الفقر وفق التصنيفات الأممية، بعد حرب دامت حوالي 14 عاماً، أتت على القسم الأكبر من بنيته التحتية، وقضت على دورته الإنتاجية، وجعلت أبنائه يعيشون على ما يقدّم من مساعدات إنسانية، تعرّضت هي الأخرى للفساد والسرقة، ولم تصل في كثير من الأحيان لمستحقيها.
بعد صدور الفواتير بالأسعار الجديدة، تبيّن أن متوسط الفواتير المنزلية بلغ حوالي 60 دولاراً، وهو الرقم نفسه لمتوسط دخل العاملين في القطاع العام والخاص من الموظفين والعمال، أي أن الدخل الشهري سيذهب لتسديد فاتورة الكهرباء، والتي لا تأتي بانتظام، وربما لا يتجاوز عدد ساعات وصولها للمستهلك إلى 8 ساعات يومياً في أفضل الحالات، ما يعني أن الموظف سيعمل فقط من أجل تسديد فاتورة الكهرباء، من دون أن يبقى لديه ما يدفع لإيجار المنزل والطعام والشراب والكساء، أو تسديد ثمن الدواء، خصوصاً للمرضى وكيار السن.
في الكثير من مقاطع الفيديو المتداولة عن لقاءات أجرتها بعض المنصّات مع مواطنات ومواطنين سوريين، بدا شعور القهر والعجز والاستغراب واضحاً في طريقة التعبير أو نبرة الأصوات المنهكة، في إحساسهم بالخديعة التي تعرضوا لها، فقد أشار معظمهم إلى أن ما يحدث في الواقع يتانفى كلياً مع الوعود التي أطلقتها السلطة ووزراؤها من أن سوريا ستشهد تحسناً سريعاً، وأنها ستتحوّل قريباً إلى سنغافورة، بحسب تعبير أطلقه وزير خارجيتها أسعد الشيباني.
يكفي لنا أن نقارن بين التسعيرة الجديدة للكهرباء في سوريا وبين الدول المتقدمة، خصوصاً في أمريكا وأوروبا، لنجد أن السوري اليوم سيدفع ما يدفعه تقريباً مواطنو تلك الدول، لكن مع فارق هزلي، وهو الفارق بين ما يتقضاه من راتب شهري، وبين ما يتقاضاه الأمريكيون من رواتب، ففي المتوسط يدفع الأوروبي أو الأمريكي ما بين 70 إلى 120 دولاراً شهرياً للكهرباء، لكن مقابل خدمة مستمرة ومستقرة على مدار الساعة، ويتقاضى في المتوسط راتباً شهرياً لا يقل عن 2500 دولاراً في أوروبا، وأكثر من ذلك في أمريكا، وأي رفع لأسعار الكهرباء لا يمرّ من دون نقاش عام في كل المنابر، من إعلام ونقابات ومجتمع مدني وأحزاب.
لكن، هل ما حدث من رفع خيالي لأسعار الكهرباء هو حدث منفصل عن سياق عام وأعم، أم هو جزء لا يتجزأ من سياق سياسي اقتصادي؟
بالطبع، سيجادل كثر من الموجودين اليوم في هذه السلطة، أو من مؤيديها، وخصوصاً ممن يعتاشون اليوم على تأييدها، بأن قطاع الطاقة والكهرباء في سوريا كان مدمراً بشكل واسع حين استلمت السلطة، وبأن إعادة تأهيل القطاع تتطلب استثمارات أجنبية، وهذه الاستثمارات تأتي بغرض الربح، وليست جمعيات خيرية، وبالتالي، فإنه من الطبيعي بمكان أن تحصل زيادة في الأسعار تغطي الاستثمارات وعوائدها الربحية.
هذا المنطق، عدا عن كونه غير حقيقي، فهو منطق رأس المال المتوحش، الذي ينظر إلى الناس بوصفهم زبائن وليسوا مواطنين، ويقف مع المستثمر الخارجي ضد ابن البلد، من غير أي حساب لمعاناة الناس المستمرة منذ سنوات، بفعل الحرب والمعارك والتدمير والتدخلات الخارجية، وبالتالي، فإن السلطة تموضع نفسها مندوبة عن الخارج واستثماراته، وليس بوصفها ممثلة لمصالح الشعب والمواطنين.
إن سياق سلوك سلطة الأمر الواقع منذ وصولها للحكم منافٍ تماماً لمنطق حلّ الأزمات الوطنية، بما فيها الأزمات المعيشية، ففي الأشهر الأولى لوصولها إلى الحكم، سرّحت السلطة مئات آلاف الموظفين بحجج مختلفة، من بينها أن قسماً منهم كان مسؤولاً ومتواطئاً مع كبار المسؤولين في نظام بشار الأسد، وأن قسماً آخر مسجل في قوائم الموظفين من دون أن يعمل فعلياً، لكنها في الوقت ذاته، عقدت تسويات مع كبار الفاسدين والمسؤولين في نظام بشار الأسد، ومن المثبت تورطهم في نهب خيرات البلاد، أو حتى تورطهم في دماء السوريين، ومن أبرزهم محمد حمشو، وفادي صقر، ومقربين من رامي مخلوف.
وإعلامياً، بنت السلطة خطاباً هجيناً، إذ راح يروج إعلامها إلى أن هذه السلطة تمثل الأكثرية المسلمة السنية في البلاد، وأنها سليلة الأمويين، وغير ذلك من الصفات لدغدغة مشاعر العامّة من الناس، وهو في الوقت ذاته مدعوماً من الغرب، ومن أمريكا ترامب، وكل ذلك، في محاولة لكسب تأييد أكبر شريحة من الناس، لكن هذه الدعاية الإعلامية، لا يمكن لها الصمود في ظل الواقع المؤلم الذي يعيشه المواطنون السوريون، الذين اعتقد قسم كبير منهم أن سقوط نظام الأسد الابن سيكون فاتحة لبداية سياسية ووطنية ومعيشية أفضل.
إن من ينظر للدائرة الصغيرة التي تتحكم اليوم بالسلطة وباقتصادها وأموالها، سيجد أنها عبارة عن مجموعة مكونة من أخوة “الرئيس” ومن أفراد عائلته ومن قادة فصائل، وأن الاقتصاد السوري، وما يخطط له، لا يمرّ عبر مؤسسات دولة لها استقلاليتها ولها معاييرها في وضع الخطط وتنفيذها، وإنما محكومة بمصالح هذه الدائرة، والتي تعاملت ولا تزال مع الدولة والمناصب والاقتصاد بمنطق الغنيمة، وليس بمنطق المسؤولية عن انتقال البلاد من حالة الخراب إلى حالة التعافي.