التقرير السياسي لشهر فبراير/ شباط 2026….. النزاعات الدولية والإقليمية وتصدّع النظام الاجتماعي والسياسي في سوريا
بدأت تظهر بشكل أوسع وأوضح تحديات الاختلال الذي أحدثه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في النظام الدولي، خصوصاً بعد اعتقال الرئيس الفنزويلي، وطرحه فكرة الاستحواذ على جزيرة غرينلاند، وإصراره على تأسيس مجلس للسلام العالمي، الذي يبدو كمنافس أو بديل للأمم المتحدة، لكن هذه الخطوات تلاقي ردود أفعال للوقوف في وجهها، وطرح سيناريوهات لبدائل استراتيجية.
أولاً- الملف الدولي
1– أمريكا… مروحة واسعة من الخطوات والتحديات وتراجع في الخطاب
تصاعدت حدّة التصريحات الأوروبية التي ندّدت بسعي الرئيس ترامب للاستحواذ على جزيرة غرينلاند الدانماركية، بوصفها خطوة تتضارب مع مبدأ سيادة الدول على أراضيها، وبالتالي تجاوز للسيادة الدانماركية على الجزيرة، وأيضاً تضارب بين مصالح لأعضاء في حلف الناتو.
بدا الموقف الأوروبي موحداً بقيادة ألمانيا وفرنسا، اللتين كانتا الأكثر تشدداً في موقفهما، ليس فقط تجاه سعي ترامب للاستحواذ على غرينلاند، بل في اعتبارهما أن ابتزاز ترامب لأوروبا في تهديده برفع الضرائب من جديد على الصادرات الأوروبية لبلاده، حيث اعتبر الرئيس الفرنسي أن هذه التهديدات تقع تحت مبدأ “الإكراه الاقتصادي”، وقد أدت المواقف الأوروبية إلى تخفيف خطابه تجاه غرينلاند، ووقف تهديداته بإعادة رفع الضرائب من جديد.
وفي الداخل الأمريكي بشكل خاص، أثارت فضيحة جيفري إبستين، الممول المتهم بالاتجار الجنسي بالقاصرات، جدلاً واسعاً داخل الولايات المتحدة بعد الإفصاح عن ملايين الصفحات من الوثائق الرسمية بموجب قانون خاص، وتمكن بعض أعضاء الكونغرس من الاطلاع على النسخ غير المحرَّرة من هذه الملفات، ما كشف عن تورط أسماء بارزة، وأثار انتقادات حادة من النواب حول شفافية وزارة العدل وحماية فصل السلطات، ولم تقتصر هذه القضية على البعد القانوني، بل أصبح لها تأثير سياسي مباشر مع اقتراب الانتخابات النصفية للكونغرس، حيث بات يعتقد على نطاق واسع بأن الجمهوريون سيخسرون هذه الانتخابات.
على الصعيد الخارجي، زار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو واشنطن في 11 فبراير للقاء الرئيس ترامب، حيث ناقشا ملفات إيران والتهديدات الإقليمية، بما في ذلك برنامجها النووي والصواريخ الباليستية. وأكد ترامب خلال اللقاء أنه يسعى إلى اتفاق نووي يمنع إيران من امتلاك أسلحة نووية ويقيّد برنامجها الصاروخي، محذراً من “عواقب صعبة” إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق خلال شهر، ولم يفضِ اللقاء إلى أي إعلان رسمي أو اتفاق محدد، بينما تستمر المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في سلطنة عمان كجزء من الجهود الدبلوماسية للحدّ من التصعيد الإقليمي.
2- أوروبا….. اندفاعة نحو التماسك وتنويع التحالفات وإدراج القضية السورية
في الأسابيع الأخيرة، بدا واضحاً أن قادة الاتحاد الأوروبي يعيدون ترتيب أولوياتهم الاستراتيجية في مواجهة الضغوط الاقتصادية والجيوسياسية المتزايدة من قبل أمريكا والصين، ففي اجتماع غير رسمي لقادة الاتحاد في بلجيكا يومي 11–12 فبراير 2026، عبر المسؤولون الأوروبيون عن “إلحاح الحاجة إلى تعزيز تنافسية أوروبا في مواجهة ضغوط واشنطن وبكين”، وناقشوا خططاً لتقليل التعقيدات التنظيمية التي تُعيق السوق الأوروبية وجعلها أكثر قدرة على المنافسة مع الاقتصادات الأمريكية والصينية المتقدمة. وكشفت رئيسة الاتحاد أورسولا فان دير لين، بأن الاتحاد بحاجة لتبسيط قواعده لضمان قدرة الشركات الأوروبية على المنافسة في الصناعات عالية التقنية مثل الذكاء الاصطناعي، في ظل تسارع النمو في الولايات المتحدة والصين مقارنة بأوروبا.
وفي هذا الإطار ذاته، أشار زعماء الاتحاد إلى أن النمو الاقتصادي الأوروبي ظل أدنى من نمط النمو الأمريكي والصيني على مدى العقود الماضية، ما يفرض إعادة التفكير في النظام البيئي الاقتصادي الأوروبي لتقوية الابتكار وتعزيز الإنتاجية، كما ناقش القادة مخاطر اقتصادية وسياسية محتملة، من بينها اعتماد أوروبا على واردات الغاز الأمريكي كأداة ضغط سياسي، واستغلال الصين لحالة عدم اليقين السياسي في واشنطن لتعزيز نفوذها الاقتصادي عبر صفقات في مجالات الطاقة النظيفة والتكنولوجيا، وقد سبقت هذه النقاشات مؤتمر الأمن الدولي في ميونخ الألمانية.
بخصوص سوريا، أعاد البرلمان الأوروبي إدراج قضية سوريا بشكل ملموس على جدول أعماله، إذ ناقش النواب الأوضاع في شمال شرق سوريا في جلسة عامة عقدت ضمن أعمال البرلمان في ستراسبورغ، حيث ركّز النقاش على التدهور الإنساني واستمرار العنف رغم وقف إطلاق النار، وأكد أعضاء البرلمان في قرار تبنّوه يوم 12 فبراير/ شباط الجاري أن أعمال القتل خارج نطاق القانون، والتغييب القسري، والتهجير، والهجمات على المدنيين والبنية التحتية قد ترتقي في بعض الحالات إلى انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني أو جرائم حرب، ودعوا الاتحاد الأوروبي إلى زيادة المساعدات الإنسانية وتعزيز احترام وقف إطلاق النار من قبل جميع الأطراف، مع التأكيد على دعم حقوق جميع المكونات السورية وحماية السلامة الإقليمية ومنع عودة تنظيم “داعش”، وحصل القرار على أغلبية أصوات النواب.
3- أوكرانيا… استمرار الاستنزاف ومحادثات أبو ظبي
شهد شهر فبراير تصعيداً ميدانياً ملحوظاً في الحرب بين روسيا وأوكرانيا، خصوصاً في محاور الشرق والجنوب، مع استمرار سياسة الضربات المتبادلة بالطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى، واستهداف منشآت طاقة وبنى تحتية حيوية، ما عمّق حالة الاستنزاف العسكري والاقتصادي للطرفين. وفي المقابل، برز مسار سياسي موازٍ تمثل في محادثات استضافتها أبو ظبي، وُصفت بأنها تركزت على ملفات إنسانية وأمنية جزئية، من بينها تبادل الأسرى وترتيبات تتعلق بأمن المنشآت الحساسة وسلامة الملاحة في البحر الأسود. ورغم أن هذه المحادثات لم تفضِ إلى اختراق سياسي، إلا أنها عكست توجهاً لإبقاء قنوات التواصل مفتوحة، في ظل إدراك متزايد بصعوبة الحسم العسكري الكامل، وتزايد الكلفة على الأطراف الإقليمية والدولية المنخرطة في النزاع، كما أعادت هذه المحادثات طرح تساؤلات حول إمكانية بلورة مسار تفاوضي تدريجي، يبدأ بإجراءات بناء ثقة محدودة قبل الانتقال إلى ملفات أكثر تعقيداً تتعلق بالحدود والترتيبات الأمنية طويلة الأمد.
ثانياً- الملف الإقليمي
1- المفاوضات الأمريكية الإيرانية
مع انطلاق التفاوض غير المباشر بين الولايات المتحدة وإيران في سلطنة عُمان في أوائل فبراير 2026، اتضح أن طهران تتبنّى نهجاً تفاوضياً حذراً، حيث صرّح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن بلاده لم تطلب التفاوض رسمياً مع واشنطن، وأن أي حوار مشروط بوقف التهديدات الأميركية.
عند بدء جولات الحوار في 6 فبراير/ شباط الجاري قال عراقجي إن إيران ستشارك في المحادثات “بحسن نية”، بينما يظل ملف البرنامج النووي الأساسي محور التفاوض، في حين أن متحدث لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني شدّد على أن ملف الصواريخ الباليستية و”أنشطة التخصيب” تمثل خطوطاً حمراء غير قابلة للتنازل.
وعلى الرغم من دفع الولايات المتحدة بأساطيلها البحرية إلى المنطقة للضغط على المفاوض الإيراني، إلا أنه من الواضح أن سيناريو الضربة العسكرية القادرة على زعزعة النظام الإيراني قد تراجع، خصوصاً أن عدداً من دول المنطقة التي قد تطالها الصواريخ الباليستية الإيرانية في حال نُفذ مثل هذا السيناريو ضد إيران، قد تكون له خسائر كبيرة، ليس بمقدور دول المنطقة أو أسعار النفط تحملها.
2- العراق… ضغوط أمريكية وإصرار إيراني
في العراق، شكّلت تصريحات طهران وموقفها شكلاً من التأثير غير المباشر على نقاشات تشكيل الحكومة الجديدة في بغداد، حيث كان هناك تباين حاد في المواقف بين القوى السياسية حول دور محور طهران في القرار العراقي، وقد مارست الولايات المتحدة ضغوطاً على القوى السياسية لمنع ضم فصائل شيعية مدعومة من إيران إلى الحكومة المقبلة، مع تهديدات متعلقة بالعقوبات وقيود على وصول العراق إلى عائدات النفط إذا وصل نوري المالكي إلى رئاسة الوزراء، وتم ترشيح شخصية تُعدّ قريبة من طهران مثل نوري المالكي.
هذا المزيج من الوساطة الدبلوماسية الأمريكية في العراق والضغط على القوى المرتبطة بطهران لا يعكس فقط رغبة واشنطن في تقليل النفوذ الإيراني في مؤسسات الدولة العراقية، بل أيضاً إصرار طهران على الحفاظ على نفوذها السياسي والأمني، ما يجعل من تشكيل الحكومة العراقية ساحة صراع غير مباشر بين طهران وواشنطن في المنطقة.
3– غزة… تصورات غير واضحة
إلى جانب العمليات العسكرية الإسرائيلية المباشرة، برز خلال الأسابيع الماضية دعم إسرائيلي متزايد لبعض المجموعات المحلية أو العشائرية داخل قطاع غزة، في إطار محاولة خلق توازنات داخلية في مواجهة حركة “حماس”، أو الدفع نحو تشكيل إدارات محلية بديلة في بعض المناطق، وفيما يتعلق بالمقترحات الدولية، فقد طُرحت في بعض الدوائر الدبلوماسية فكرة نشر قوة متعددة الجنسيات أو قوة ذات طابع إسلامي للمساهمة في إدارة مرحلة انتقالية في القطاع، غير أن هذه الفكرة ما تزال تواجه تعقيدات قانونية وسياسية كبيرة، أبرزها غياب اتفاق واضح على الجهة التي ستمنح هذه القوة الشرعية، وطبيعة مهامها، وعلاقتها بالسيادة الفلسطينية، إضافة إلى الموقف الإسرائيلي نفسه من أي وجود أمني غير إسرائيلي داخل القطاع.
4- اللاجئون السوريون في مصر…. ضغوطات وترحيل
في الفترة الأخيرة، تصاعدت الإجراءات التي تتخذها السلطات المصرية تجاه السوريين اللاجئين والمقيمين فيها، في سياق واسع من التشديد الأمني، إذ وثّق مرصد اللاجئين في مصر تصعيداً غير مسبوق في السياسات والممارسات الرسمية تجاه اللاجئين، بما في ذلك السوريين، خلال الشهرين الأخيرين، حيث شملت هذه الإجراءات حملات توقيف وترحيل وحتى توقيف حاملي الإقامات السارية وبطاقات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ما أثار تساؤلات حول دوافعها الحقيقية، ليس فقط القانونية، بل الأمنية أيضاً، في ظل ما تعتبره السلطات المصرية ضغطاً متزايداً على الخدمات والقدرات الاستيعابية وتحولات إقليمية معقدة.
ثالثاً- الشأن السوري
1- ما بعد الاتفاق بين “السلطة” و”قسد”:
بعد دخول قوات سلطة الأمر الواقع إلى دير الزور والرقة، وخروج قوات “قسد” منها، بتفاهم بين الطرفين، وتعيين محافظ للحسكة من “قسد”، ودخول عناصر من السلطة إلى مدينة الحسكة نفسها، إلا أنه لا يزال المصير الفعلي لقوات “قسد” المرلفة من ثلاثة ألوية غير معروف، وليس واضحاً ما هي ترتيبات الدمج بين الطرفين.
في دير الزور والرقة، سرعان ما بدأت تظهر بوادر حركة مطلبية شعبية، حيث ارتفعت العديد من الأصوات ضد موجة الغلاء التي طالت كل شيء تقريباً، خصوصاً مادة الخبز وباقي المواد الغذائية، وكذلك السؤال عن مدى تأثير استعادة السلطة، كما ادعت، على آبار النفط، على أبناء المنطقة، من تشغيل للعمالة أو فوائد خدمية، خصوصاً أن “السلطة” قالت إنه من المبكر الحديث عن عوائد مالية لهذه الآبار.
2- عودة القتل والخطف إلى حمص:
كانت مدينة حمص قد شهدت في نهاية العام الماضي تراجعاً ملحوظاً في حالات القتل والخطف الطائفي، لكن بعد انتهاء ما سمي بـ”معارك تحرير مناطق قسد”، ارتفع من جديد منسوب القتل والخطف، وهو ما يعزوه كثيرون من أبناء المدينة إلى أن من يقوم بهذه الأفعال الجرمية هم عناصر منظمة تعمل بالتنسيق مع السلطة، وعلى الأرجح عاد هؤلاء العناصر من مهامهم في مناطق شمال شرق سوريا بعد انتهاء مهامهم هناك، ليتابعوا عملهم الإجرامي في مدينة حمص.
3- الحراك المطلبي:
إثر رفع “السلطة” أسعار الكهرباء، شهدت دمشق بشكل خاص حراكاً مطلبياً لإلغاء رفع الأسعار، تمثل بعدد من الوقفات الاحتجاجية، التي شارك فيها، إلى جانب المواطنين، أعضاء من أحزاب عدة، منهم حزبنا، لكن هذا الحراك لم يأخذ طابعاً حاشداً، خصوصاً مع وجود حالة خوف لدى كثيرين من ردّ فعل السلطة تجاه الحراك المطلبي، وتحريك قوات عشائرية ضدهم كما حدث في وقفات سابقة.
4- “تسليف” الفضاء العام:
تتنامى ظاهرة تسليف الفضاء العام يوماً بعد يوم في الفضاء السوري، من المساجد والدروس الدينية ومنع وضع الموظفات للماكياج أثناء الدوام، أو منع الباعة الرجال في الأسواق الرئيسية من بيع الملابس النسائية، وصولاً إلى ما ظهر مؤخراً في معرض الكتاب في دمشق، حيث بدا واضحاً الحضور الطاغي للأنشطة الدعوية داخل المعرض، أو التسويق لأفكار دينية سلفية، أو حتى انتشار الكتب الدينية والتراثية ذات الطابع السلفي.
5- السويداء:
تستمر الكارثة الإنسانية للنازحين من قراهم إلى مركز المحافظة، حيث تبدو المساعدات الإنسانية أقل من احتياجاتهم، مع اشتداد الأحوال الجوية في فصل الشتاء، ومحدودية الدعم لمراكز الإيواء، كما فجرت حادثة القتل التي ارتكبها رجالات من السلطة ضد عدد من المزارعين الذين كانوا قد استأذنواهم لجمع محصول الزيتون، فجرت من جديد حالة الغضب الشعبي تجاه “السلطة”، خصوصاً مع انسداد الآفاق المحلية داخل المحافظة، وعدم وجود تصور لمآلات الأمور في العلاقة بين السويداء وبين دمشق.
6- المخيمات…. استعلاء “السلطة” وغضب النازحين:
تعرضت مخيمات إدلب لحالة غرق بعد موجة أمطار قوية، حيث اجتاحت المياه خيم النازحين، وأودت بالكثير من مقتنياتهم البسيطة، في الوقت الذي قدم فيه وفد من المسؤولين في سيارات فارهة لتفقد أحوال المخيمات، ما أثار موجة استنكار واسعة لدى أهل المخيمات، معتبرين أن ما جرى هو استعلاء على من “دفعوا الثمن” سابقاً، وقد تخلت عنهم “السلطة” الحالية، بعد أن تاجرت لسنوات بقضيتهم.
رأي الحزب:
1- نعتقد أن محاولات ترامب لتخطي قواعد النظام الدولي والأمم المتحدة أعادت من جديد طرح سؤال القومية في مواجهة العولمة، فشعار ترامب “أمريكا أولاً”، وممارسة الضغوط على حلفائه الأوروبيين، دفعهم إلى استعادة مبدأ الحمائية القومية للمنتجات الأوروبية، وإعادة النظر بالقوانين الأوروبية ذات الصلة، وإجراء سلسلة إصلاحات لزيادة القدرة على مواجهة الضغوط من قبل واشنطن وبكين.
2- الموقف الأوروبي الموحد والمتماسك والمتضامن مع الدانمارك كان السبب الرئيس في تراجع حدة خطاب ترامب حول رغبته في الاستحواذ على غرينلاند، ومن شأن هذا الموقف الذي أثار لدى القادة الأوروبيين أسئلة عديدة واستراتيجية أن يدفع أوروبا إلى إعادة النظر في تحالفاتها، والتوجه أكثر نحو تعميق علاقتها بالهند وأمريكا اللاتينية وعدد من الدول الآسيوية الكبرى.
3- الحرب الروسية الأوكرانية، وعلى الرغم من المحادثات الأخيرة في أبو ظبي، إلا أنها تبرهن مرة أخرى على هشاشة الوساطات الدولية وعجز الأطراف الإقليمية عن كسر منطق الاستنزاف، في مؤشر واضح إلى عمق الاستقطاب الجيوسياسي وتآكل منظومة الاستقرار العالمي.
4- العودة إلى التفاوض حول الملف النووي الإيراني، على الرغم من دفع إسرائيل أمريكا للقيام بعمل عسكري واسع، يظهر أن واشنطن ليست متأكدة من مدى تحقيق ضربة محتملة للأهداف الموضوعة، بالإضافة إلى عدد من التداعيات الكبرى على المنطقة وأسواق الطاقة في العالم.
5- بعد خسارة إيران لمواقعها في غزة وجنوب لبنان ودمشق، تظهر تمسكاً قوياً بالساحة العراقية، باعتبارها الآن خط دفاع أول عن إيران نفسها، وإظهار مدى أهمية هذه الساحة لها، على الرغم من كل الضغوط الأمريكية.
6- إن مسار “اليوم التالي” في غزة لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة، بين إدارة أمنية إسرائيلية مباشرة أو غير مباشرة، أو ترتيبات انتقالية بإشراف إقليمي/دولي، في ظل غياب تصور سياسي فلسطيني جامع قادر على ملء الفراغ المحتمل.7- في الشأن السوري، يرى الحزب أن التفاهمات بين “السلطة” و”قسد” لا تؤسس لحل وطني شامل، بل يكرّس منطق الأمر الواقع ويؤجل الانفجار بدل معالجته، وأن غياب الإرادة الشعبية عن هذه الترتيبات، واستمرار تغييب التمثيل السياسي الحقيقي، يؤكدان أن الأزمة السورية ما تزال أزمة شرعية في المقام الأول، قبل أن تكون أزمة إدارة أو موارد.
ويعتبر الحزب أن تصاعد الحراك المطلبي في دمشق وشرق البلاد، والغضب المتراكم في السويداء والمخيمات، وعودة مظاهر الانفلات الأمني في حمص، كلها تعبيرات عن فشل النموذج القائم في إنتاج الاستقرار والعدالة معاً، كما أن تنامي نزعة إخضاع الفضاء العام لرقابة أيديولوجية وسلوكية يعكس توجهاً لإعادة تشكيل المجتمع من أعلى، وإعادة إنتاج نظام استبدادي سلطوي جديد، في بلد لا يزال يخضع لمنطق الحرب، وسلطة تمارس عقلية الغنيمة، في حالة استعلاء.