نظام دولي بلا قواعد: من موازين ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى تفكك التحالفات

هيئة التحرير – “حدْس”:
لم ينشأ النظام الدولي الذي حكم العالم منذ منتصف القرن العشرين بوصفه نظاماً قانونياً أو أخلاقياً بالمعنى المجرد، لكنه تشكّل كنتيجة موضوعية لموازين القوى التي أفرزتها الحرب العالمية الثانية، فالأمم المتحدة، ومجلس الأمن، والمؤسسات المالية الدولية، والتحالفات العسكرية، كانت التعبير المؤسسي الدولي عن توازنات المنتصرين، ثم عن الاستقطاب الحاد الذي فرضته الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.
غير أن تلك الموازين بدأت بالتآكل منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، حين دخل العالم مرحلة الهيمنة الأمريكية شبه المنفردة. في تلك اللحظة، جرى توسيع التحالف عبر الأطلسي بين أمريكا وأوروبا، ليكون مبنياً على وحدة المصالح من جهة، ووحدة القيم الليبرالية الديمقراطية من جهة ثانية، حيث قدّمت فيه الديمقراطية وحقوق الإنسان واقتصاد السوق كمرتكزات للنظام الدولي الجديد.
اليوم، وبعد أكثر من ثلاثة عقود، تصل تلك الصيغة إلى لحظة الانفجار. فوفق رؤية دونالد ترامب، ومن يمثّلهم سياسيًاً واقتصادياً داخل الولايات المتحدة وخارجها، لم تعد هناك حاجة لتحالفات قائمة على القيم أو على سرديات أخلاقية جامعة. من هذا المنظور، لم تكن القيم الليبرالية الديمقراطية سوى أداة ظرفية، استُخدمت في مرحلة تاريخية معينة لخدمة المصالح، وحين تغيّرت موازين القوة، انتفت الحاجة إلى تلك الأداة.
بهذا المعنى، لا يرى ترامب في التحالف الأطلسي شراكة قيم، وإنما عبء استراتيجي ومالي، وهو لا ينظر إلى القانون الدولي بوصفه إطاراً ناظماً، بل قيد على حرية الحركة. ومن هنا، لم يعد الخروج على القواعد أو تقويض المؤسسات الدولية مجرد نزعة شعبوية أو سلوك تكتيكي، بل خيار استراتيجي واعي، يعكس قناعة مفادها بأن عالم المصالح الصلبة قد حلّ محل عالم القيم المعلنة.
أولاً: السياق الذي انهارت فيه القواعد – لماذا يعتقد ترامب أنه قادر على فعل ما يشاء؟
لا يمكن فهم الثقة غير المسبوقة التي يتصرف بها ترامب من دون التوقف عند مجموعة عوامل متراكبة:
- التحول في ميزان القوة العالمي: يدرك ترامب أن العالم لم يعد أحادي القطبية بالمعنى التقليدي، لكنه أيضاً لم يصبح متعدد الأقطاب. هذه “المنطقة الرمادية” تتيح للقوة الأكبر عسكرياً ومالياً – أي الولايات المتحدة – هامش مناورة واسعاً من دون رادع فعلي.
- أزمة الشرعية داخل النظام الدولي نفسه: فشل مجلس الأمن في أوكرانيا وغزة، وعجز منظمة التجارة العالمية، وتآكل فعالية الأمم المتحدة، كلها عوامل جعلت القواعد تبدو – حتى لحلفاء واشنطن – غير قابلة للتطبيق.
- الانقسام الداخلي الغربي: يدرك ترامب أن أوروبا منقسمة، وأن الناتو يعيش أزمة ثقة داخلية، ما يقلل من كلفة الصدام مع الحلفاء.
- التجربة السابقة (2017–2021): خلال ولايته الأولى، انسحب ترامب من اتفاقيات كبرى (باريس، إيران) دون أن يدفع ثمناً استراتيجياً حقيقياً، ما عزز قناعته بأن النظام الدولي عاجز عن معاقبة القوة العظمى.
في هذا السياق، لم تعد تصريحات ترامب حول غرينلاند، أو تهديداته بتفكيك الناتو، أو استخدام الرسوم الجمركية كسلاح سياسي، مجرد شعبوية داخلية، وإنما تعبير عن رؤية متكاملة تعتبر أن القواعد عبء ينبغي التخلّص منه.
ثانياً: من الأمم المتحدة إلى “مجلس السلام العالمي”» – أبعد من صراع المنصّات ا
الأخطر في سلوك ترامب أنه لا يقتصر على تقويض المؤسسات الدولية القائمة، بل يمتد إلى محاولة بناء منصة دولية موازية، فالدعوة إلى إنشاء ما سُمّي بـ”مجلس السلام العالمي”، هي في حقيقتها ليست مبادرة سلام، بقدر ما هي محاولة لإعادة تعريف الشرعية الدولية خارج إطار الأمم المتحدة.
هذه الفكرة تقوم على:
- استبدال مبدأ التمثيل الدولي الواسع بنادٍ محدود من الدول القادرة.
- نقل شرعية إدارة النزاعات من القانون الدولي إلى موازين القوة.
- إضعاف مجلس الأمن عبر تجاوزه بدلاً من إصلاحه.
بهذا المعنى، نحن لا نشهد فقط انهيار القواعد، بل تفكيك الساحة التي تُنتج القواعد أصلاً.
ثالثًا: من يقف وراء رؤية ترامب؟
من الخطأ التعامل مع التوجه الترامبي بوصفه خياراً شخصياً أو نزوة سياسية لرئيس شعبوي. ما يمثله ترامب هو تبلور تحالف مصالح واسع داخل الولايات المتحدة، يرى أن النظام الدولي القائم لم يعد يخدم موقع أمريكا ولا مصالح رأس المال الأمريكي الصاعد.
في مقدمة هذه القوى:
- رأس المال الصناعي–الحمائي المؤلف من قطاعات صناعية تقليدية تضررت من العولمة واتفاقيات التجارة الحرة، وترى في الرسوم الجمركية والحروب التجارية أداة لإعادة توطين الإنتاج داخل الولايات المتحدة.
- شركات الطاقة التقليدية من شركات النفط والغاز التي تعتبر أن الالتزامات البيئية والاتفاقات المناخية قيود مباشرة على أرباحها وقدرتها التنافسية.
- شركات التكنولوجيا ذات الطابع الاحتكاري، والتي تفضّل التعامل الثنائي المباشر مع الدول بدل الخضوع لأطر تنظيمية دولية، وتستفيد من غياب قواعد دولية صارمة للفضاء الرقمي.
- المجمّع العسكري–الأمني، الذي يرى في عالم مضطرب بلا قواعد فرصة لتوسيع الأسواق، وزيادة الطلب على السلاح، وإعادة عسكرة السياسة الدولية.
- اليمين القومي والشعبوي الذي يرفض من حيث المبدأ فكرة الالتزامات الخارجية، ويرى في السيادة المطلقة للدولة القومية قيمة أعلى من أي نظام دولي.
هذا التحالف بات ينظر إلى القيم الليبرالية بوصفها كلفة سياسية واقتصادية لم تعد الولايات المتحدة راغبة في تحمّلها. ومن هنا، يصبح تفكيك النظام القائم على القواعد خطوة محسوبة، تهدف إلى إعادة بناء نظام دولي أكثر انسجاماً مع منطق الصفقات والمصالح المباشرة.
ثالثًا: مواقف القوى الغربية – من القلق إلى البحث عن بدائل
أكد رئيس وزراء كندا مارك كارني أن “النظام الدولي القائم على القواعد لن يعود كما كان”، داعياً القوى المتوسطة إلى بناء شبكات حماية متبادلة. هذا الموقف يعكس إدراك بلاده بأن الاعتماد المطلق على الولايات المتحدة لم يعد خياراً آمناً، عدا عن كونه لم يعد واقعياً في ضوء التحولات الجارية.
في الاتحاد الأوروبي، تحوّل القلق إلى نقاش استراتيجي، فقد حذر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، من “عالم بلا قواعد”، فيما شدّد المستشار الألماني ريدريش ميرز على أن تقويض القانون الدولي سيؤدي إلى فوضى ترتد أولاً على أوروبا نفسها. الموقف الألماني تحديداً يتسم بالحذر، حيث تدافع برلين عن النظام القائم، لكنها تدرك أنها تفتقر إلى أدوات القوة الصلبة لفرضه، ما يجعلها تميل إلى احتواء التحول بدل مواجهته.
في هذا السياق، برز اقتراح إسبانيا الداعي إلى إنشاء جيش أوروبي كخطوة تتجاوز الخطاب إلى الفعل، في محاولة لبناء قدرة ردع مستقلة تقلل من الارتهان للولايات المتحدة داخل الناتو.
لقد فتح تهديد ترامب الضمني بإضعاف التزامات واشنطن داخل الناتو نقاشاً غير مسبوق حول احتمال التفكك أو الصدام الداخلي، فالحلف الذي قام على مبدأ الردع الجماعي بات اليوم ساحة توتر بين رؤية أمريكية ترى فيه عبئاً مالياً، ورؤية أوروبية تعتبره الضمانة الأخيرة للأمن القاري.
رابعاً: الموقف الروسي – بين كسر القواعد والاستفادة من انهيارها
لا يمكن تحليل الموقف الروسي من التحول نحو عالم بلا قواعد من دون التذكير بحقيقة أساسية، وهي أن روسيا نفسها كانت من أوائل من كسروا القواعد الجوهرية للنظام الدولي عندما أقدمت على غزو أوكرانيا في فبراير/ شباط 2022، في انتهاك صريح لمبدأ سيادة الدول ووحدة أراضيها، وهو المبدأ الذي قام عليه النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية.
مع ذلك، تتعامل موسكو مع هذا التناقض ببراغماتية عالية، ففي تصريحات متكررة، أكد الرئيس فلاديمير بوتين أن “النظام الدولي القائم على الهيمنة الغربية قد انتهى”، وأن ما تسميه روسيا “القواعد” لم يكن في الواقع سوى أدوات لخدمة مصالح الغرب. أما وزير الخارجية سيرغي لافروف، فقد ذهب أبعد من ذلك حين اعتبر أن الحديث الغربي عن النظام القائم على القواعد هو “محاولة لفرض قواعد غير مكتوبة يحددها الغرب وحده”.
هذا الخطاب يعكس رؤية روسية ترى في تفكك النظام الدولي فرصة لتطبيع ما قامت به في أوكرانيا، عبر تحويل الحرب من قضية قانون دولي إلى ملف تفاوضي خاضع لموازين القوى. ومع تآكل الإجماع الغربي، وتزايد الانقسامات داخل أوروبا والولايات المتحدة، بدأ موقع روسيا التفاوضي يتحسن نسبياً:
- تراجع مركزية القانون الدولي في الخطاب السياسي العالمي أضعف الحجة الأخلاقية والقانونية الغربية ضد موسكو.
- تصاعد منطق الصفقات في السياسة الدولية أعاد طرح أوكرانيا كملف قابل للمقايضة ضمن سلة أوسع من القضايا الأمنية والاقتصادية.
- عودة الخطاب الأمريكي الأحادي قلل من قدرة واشنطن على حشد تحالف دولي منضبط خلف موقف موحد.
بعبارة أخرى، فإن روسيا التي كسرت القواعد تجد نفسها اليوم أقل عزلة في عالم لم يعد يحترم القواعد أصلًاً، وهو تحول يخدم استراتيجيتها بعيدة المدى، حتى وإن لم يؤدِّ بعد إلى نصر حاسم في أوكرانيا.
خامساً: الصين – الدفاع عن الاستقرار عبر نقد الهيمنة
تتبنى الصين خطاباً مختلفاً ظاهرياً، لكنه لا يقل دلالة، فبكين تحرص في تصريحات رئيسها شي جين بينغ وبيانات وزارة خارجيتها على التأكيد أن العالم بحاجة إلى “تعددية حقيقية”، وأن الأمم المتحدة يجب أن تبقى “محور النظام الدولي”. وفي أكثر من مناسبة، شددت الصين على أن “الفوضى الدولية لا تخدم أحداً”، في إشارة واضحة إلى سياسات ترامب.
غير أن هذا الدفاع عن الاستقرار لا يعني دفاعاً عن النظام القديم، فالصين تنتقد صراحة الاستخدام الأمريكي للعقوبات، وتسييس التجارة، و”تسليح الدولار”، معتبرة أن هذه الممارسات هي التي قوضت الثقة بالنظام القائم. وبحسب الخطاب الصيني الرسمي، فإن انهيار القواعد لم يبدأ مع القوى الصاعدة، بل مع الازدواجية الغربية في تطبيقها.
في هذا السياق، تنظر بكين إلى تفكك القواعد كظاهرة مزدوجة الأثر:
- خطر قصير المدى يهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي الذي تحتاجه الصين.
- فرصة استراتيجية طويلة المدى لتسريع الانتقال نحو نظام متعدد الأقطاب، تكون فيه الصين شريكاً في صياغة القواعد لا مجرد متلقٍ لها.
ولهذا، لا تدعم الصين الفوضى، لكنها تستثمر في نتائجها، وتسعى إلى تقديم نفسها كقوة عقلانية في عالم يتخلى فيه اللاعب الأمريكي المهيمن عن دوره التقليدي كضامن للنظام.
خاتمة
ما يشهده العالم اليوم هو أكبر وأعقد من كونه مجرد أزمة عابرة كتلك التي شهدها النظام الدولي مرات عدة منذ تأسيس الأمم المتحدة في عام 1945، كما لا يمكن اختزاله بأنه أسلوب حكم غير تقليدي يمثله الرئيس ترامب، لكننا في الحقيقة أمام تحول بنيوي عميق في طبيعة النظام الدولي ذاته، فمع تآكل موازين ما بعد الحرب العالمية الثانية، وانهيار الغطاء القيمي الذي رافق التحالفات الغربية بعد الحرب الباردة، يتقدم العالم نحو مرحلة تُدار فيها العلاقات الدولية من دون مرجعية جامعة وبلا قواعد ضابطة متفق عليها.
الخطر الأكبر في هذا التحول، يكمن بالإضافة إلى صعود منطق المصالح الصلبة، في انهيار آليات ضبط الصراع، ففي عالم بلا قواعد، تصبح الحروب أكثر قابلية للتجدد والاتساع، وتفقد النزاعات سقوفها التقليدية، ويغيب الخط الفاصل بين الردع والانفجار الشامل، ومع تراجع دور المؤسسات الدولية، وخصوصاً الأمم المتحدة، لا يعود هناك إطار شرعي قادر على احتواء النزاعات أو فرض تسويات عادلة ومستقرة.
في مثل هذا السياق، يتحول التفاوض من عملية سياسية قائمة على القانون إلى عملية مقايضة بين قوى غير متكافئة، وتُفتح الأبواب أمام صراعات طويلة الأمد، وحروب بالوكالة، وتفكك الدول الهشة، وتآكل مفهوم السيادة ذاته، كما أن غياب قواعد واضحة يزيد من احتمالات سوء التقدير الاستراتيجي، ما يجعل العالم أقرب إلى الانزلاق نحو مواجهات كبرى غير محسوبة العواقب.
إن أخطر ما في عالم بلا قواعد ليس الفوضى وحدها، بل اعتياد الفوضى وتحولها إلى نمط إدارة دائم للعلاقات الدولية. وفي هذا العالم، لا تكون الدول الضعيفة مجرد ضحايا جانبيين، بل ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية.