الـ NGOs في السياق السوري: وظيفة الهيمنة وتفريغ العمل الجماهيري

عمر المختار ونوس
المقدمة
في السنوات التي تلت انتفاضة السوريين في عام 2011، ومع حدوث تحوّلات عدة في الواقع السوري، برزت إلى جانب ظاهرة العسكرة، ظاهرة أخرى وهي منظمات المجتمع المدني (NGOS)، والتي عملت بشكل أكبر في المناطق التي خرجت من تحت سيطرة بشار الأسد، وبدا لافتاً أن جميع تلك المنظمات قد نشأت كجزء من حالة تدويل المسألة السورية، وتحولها إلى صراع إقليمي دولي مسرحه الجغرافيا السورية، خصوصاً أن تمويلاتها تأتي من مؤسسات أممية أو أوروبية أو إقليمية، وتحت اشتراطات محددة من قبل الجهات الراعية، أبرزها الحياد السياسي، الذي كان شرطاً رئيساً حكم عمل هذه المنظمات.
بطبيعة الحال أوجد الدخول الواسع لمنظمات المجتمع المدني إلى الساحة السورية خلطاً كبيراً بين المجتمع المدني وبين هذه المنظمات، لذا يبدو أن الخطوة الأولى في تفكيك هذا الخلط يقوم على التمييز المفهومي والتاريخي بين المفهومين.
المجتمع المدني فضاء واسع يجمع في داخله كل أشكال التنظيمات المدنية والعلاقات التي يبنيها الناس خارج إطار الدولة والأسرة والعشيرة والطائفة، مثل النقابات المهنية والجمعيات الخيرية والأحزاب السياسية والمنتديات الثقافية، …إلخ، وكل ما يُبنى على الروابط المجتمعية غير التقليدية والحركات الاجتماعية ومختلف الأنشطة التطوعية غير الرسمية، ما يعكس الطابع المدني والاجتماعي للتنظيم.
يُستخدم مصطلح المجتمع المدني عادةً كمفهوم وصفي لتقييم التوازن بين سلطة الدولة من جهة وبين الهيئات والتجمعات الخاصة من جهة أخرى، ويلتصق مفهوم المجتمع المدني في أغلب الحالات بدلالات معيارية وأيديولوجية، فوفقاً للرؤية الليبرالية التقليدية يتّسم المجتمع المدني بأنه مجال تطوعي اختياري قائم على الحرية الشخصية والمسؤولية الفردية تجاه المجتمع الذي يعيش فيه المرء ويريد العطاء له بما لديه من إمكانات معرفية أو مادية، أي أن المجتمع المدني يتيح للأفراد المجال لتشكيل مصائرهم الخاصة ومساعدة الآخرين، ويُفَسر ذلك أهمية وجود مجتمع مدني قوي متسّم بالحيوية على صورة تأسيس جمعيات تطوعية وخيرية ومنتديات كملمح أساسي للديمقراطية الليبرالية، وعلى النقيض من ذلك، فإن الشيوعيين والماركسيين يضعون المجتمع المدني في مواجهة الأسرة والدولة، وينظرون إليه نظرة سلبية مرتبطة بالهيكل الطبقي غير المتكافئ والمظالم الاجتماعية.
أما المنظمات غير الحكومية (NGOS) فهي جزء من هذا المجتمع وليست تمثيلاً حقيقياً له، لها طابع رسمي وتنظيم مؤسسي، وعملها عادةً يتركز في مجالات التنمية وحقوق الإنسان والمرأة والطفل والإغاثة والخدمات الاجتماعية، يكون تمويلها إما محلي أو دولي، وتكون خططها وبرامجها واضحة بناءً على متطلبات وأولويات الواقع الاجتماعي الذي تنشأ فيه، أو بناءً على مسار دولي أو إقليمي تُحدده وترسم ملامحه ظروف الواقع الدولي أو الإقليمي، أو بناءً على رغبة الجهة الدولية الداعمة والمُمَوِلة كمنظمات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي أو معاهد ومراكز الدراسات الدولية، ….الخ .
وبناءً على ما سبق فإن المجتمع المدني هو الإطار الأوسع والأكثر تنوعاً، أما المنظمات غير الحكومية (NGOS) فهي شكل مؤسساتي داخل هذا الإطار الواسع، تأخذ منه هويتها لكن قد لا تُعبر بكليتها عن مفهوم المجتمع المدني عملياً.
أولاً- منظمات المجتمع المدني في سوريا:
إن فكرة المنظمات أو المنتديات والجمعيات ليست جديدة في سوريا حتى ولو لم يصطلح تسميتها تنظيمات مدنية بالمعنى الحديث للكلمة، إذ بدأت هذه التجمعات بالظهور منذ تراجع دور السلطة المركزية أواخر مرحلة الحكم العثماني، فتعاظم دور الجمعيات القومية مثل “العربية الفتاة” وغيرها، ما دفع السلطة المركزية لاعتماد القانون الأساسي الثاني عام 1909 لقانون تنظيم الجمعيات.
وفي مرحلة الانتداب الفرنسي عمد الانتداب لاستصدار قرارات تنظيمية لقانون الجمعيات، كي يستميل ويسيطر على الحركة الوطنية السورية، فنّص أول دستور للدولة السورية عام 1930 على حق تشكيل وتأسيس الجمعيات السورية.
بعد الاستقلال نص دستور عام 1950 على حق السوريين في تأليف الجمعيات، وجاء القانون رقم 47 لعام 1953 ليكون أول قانون للجمعيات السورية، أما مع نشوء دولة الوحدة السورية المصرية وما تلاها من صعود حزب البعث إلى السلطة زادت الرقابة والقيود على تلك المنظمات، فعُدّل قانون الجمعيات في مرسوم تشريعي يحمل الرقم 224 للعام 1969، ظل سارياً حتى عام 2011 ، ليضيف بعدها الأسد الابن مواد دستورية جديدة هي 10 و45 كجزء من الاستجابة الشكلية لمتطلبات المجتمع المدني.
ثانياً- منظمات المجتمع المدني في عهد الأسدين:
عند استلام الأسد الأب للسلطة عام 1970 ضيّق الخناق على المنظمات والجمعيات والأحزاب والنقابات، وشدد الرقابة عليها وأُدخل تعديلات على قانون الجمعيات تزيد من الرقابة عليها، ومنذ بداية ثمانينات القرن الماضي ومع ظهور بوادر تفكك الاتحاد السوفيتي، بدأ الواقع الاجتماعي والسياسي بالتغير، نظام شمولي شدّد قبضته الأمنية على المجتمع، حُلّت النقابات والأحزاب، أو تم السيطرة عليها وإخضاعها، فتراجع الفعل والحضور الجماهيري المُنظم والمستقل.
وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ومع تقدم سياسات التحرر الاقتصادي التي فرضها صندوق النقد والبنك الدوليين على الدول الناشئة والخارجة من رحم الشيوعية، وبالتزامن مع ذلك بدأ الضغط أيضاً على الدول ذات الأنظمة الشمولية والتوجه الاشتراكي السابق ومنها سوريا، لتغيير توجهاتها تحت مسميات الإصلاح الاقتصادي وغيرها، ما فرض على هذا النظام الشمولي بالإضافة إلى تغيير نهجه الاقتصادي، إفساح المجال العام أمام الحريات السياسية بالدفع باتجاه القليل من الديمقراطية الشكلية.
ولكن ونظراً للموقف المسبق لنظام الأسد من الحريات السياسية، ولإدراكه أن الديمقراطية هي بداية تفككه وانهياره، فلقد اكتفى سياسياً بالأحزاب التي بايعته منذ صعوده الأول والتي شكلت معه تحالف الجبهة الوطنية التقدمية، والتي يُسيطر عليها أيديولوجياً وتنظيمياً مع تفعيل دورها شكلياً فقط.
في هذه اللحظة التي اتسمت بالسلام الاقتصادي ظهرت منظمات المجتمع المدني (NGOS)، ليكون لها دورين أساسيين:
– الدخول إلى قلب المجتمعات المغلقة لفهم طبيعتها وتحديد متطلباتها من أجل سهولة السيطرة عليها وتفكيكها.
– ضرورة إيجاد حلول تغييرية غير تقليدية تكون أسرع وأقل تكلفة تتماشى مع مفهوم التغير العالمي الجديد وصراع الحضارات الذي روّج له كثيراً.
في الوقت نفسه، فقد اعتمد نظام الأسد الأب في هذه المرحلة على هذه المنظمات لإظهار نفسه كنظام يكفل الحريات ويرعاها، وخصوصاً بعد انتشار مفاهيم حقوق الانسان، ولتقديم نفسه كنظام قابل للتأقلم والتكيف مع المتغيرات الدولية، وبأنه قادر على التغيير من داخله من دون الحاجة للقوة الخارجية.
أما في عام 2000 ومع قدوم الأسد الابن كان هناك انفتاح محدود على المعارضة السياسية، وكان هناك مطالبات بتنظيم قانون عمل الأحزاب والجمعيات ومنحها حرية أكبر، وعلى الرغم من اعتراض وانتقاد بعض رجالات النظام لمفهوم ودور منظمات المجتمع المدني واعتبارها شكلاً من أشكال الاستعمار الجديد، فقد وفّرت وزارة الشؤون الاجتماعية آنذاك تسهيلات لتشكيل منظمات جديدة في سورية أخذت طابع (المنظمات غير الحكومية المنظمة حكومياً Go- NGOS) أو القطاع نصف الحكومي، ولاحقاً المجتمع الأهلي كصيغة بديلة عن صيغة المجتمع المدني، كما في نموذج “الأمانة السورية للتنمية”، التي أسستها أسماء الأسد عام 2001 والتي حاولت من خلالها تصدير نفسها كداعمة للتنمية المجتمعية.
وعلى الرغم من اعتماد النظام السابق سياسة اقتصاد السوق الاجتماعي وحدوث انفتاح اقتصادي خجول، لكنه بقي مقيداً لحرية المنظمات والتنظيمات، وبعد انتفاضة عام 2011 حرص النظام على إيقاف عملية تشكيل المنظمات، مع بعض الاستثناءات، وتحت رقابته الأمنية، وضمن توجهاته، بما يخدم أجندته السياسية والاقتصادية، في حين بدأت الجمعيات والمنظمات تنتشر بكثرة في المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام، لكن كان هناك تباين في حجمها وتأثيرها ودورها تبعاً لتنظيمات المعارضة المسلحة التي تتبع لها ومن يمولها، ومعظم تلك المنظمات تأسست في تركيا بالتنسيق مع حكومة الإنقاذ والحكومة المؤقتة، بالإضافة إلى المنظمات الدولية التي كانت تعمل أيضاً في مناطق سيطرة المعارضة، وكان غير مسموح لها بالعمل في مناطق سيطرة النظام.
ثالثاً- بعد هروب بشار الأسد
شهدت سوريا في الأشهر الأولى التي تلت سقوط نظام بشار الأسد ولادة وتفريخ عدد هائل من التجمعات التي أخذت صفة (المدني) من دون الأخذ بالحسبان حاجة البلاد الموضوعية لهذه التجمعات ودورها، مع ادعاء كل منها العمل على التشبيك مع التجمعات الأخرى من أجل النهوض بالمجتمع والوطن السوري، ليتبين لاحقاً أن جزءاً من هذه التجمعات وُجد ليكون واجهة جديدة لبُنى ما قبل الدولة ( الطائفة والقبيلة والعشيرة)، وليتبين أيضاً أن جزءاً آخر لا بأس به كان عبارة عن محاولة شخصية لخلق حالة اجتماعية يكون فيها للفرد القائم عليها صفة الزعيم أو المرشد، لكن سرعان ما تلاشى جزء كبير من هذه التجمعات، نتيجة عدم حصولها على التمويل التي كانت تطمح له، خصوصاً مع انحسار التمويل المقدّم لمثل هذه التنظيمات، ونتيجة أيضاً لانكشاف الهدف المضمر لوجودها، بعدما انزلقت البلاد نحو صراع طائفي بدأ بعد عدة مجازر طائفية شهدتها البلاد كان للفصائل المسلحة المنضوية تحت عباءة الدولة الجديدة الدور الأول والأكبر فيها،بل على العكس تماماً من صفة “المدني” اللاحقة باسمها، فقد وقفت بعض تلك التجمعات ضد أي تحرّك من شأنه التعبير عن الرأي، ولو في القضايا المطلبية، بدلًا من أن تكون داعمة له أو داعية إليه، كونها لا تستطيع العمل خارج عباءة الطائفة أو العشيرة.
رابعاً-الدور الوظيفي لمنظمات المجتمع المدني الـ NGOS:
دخلت منظمات المجتمع المدني (NGOS) كبديل جاهز وحتمي لغياب فاعلية الأحزاب السياسية، وقدمت نفسها كبديل متقدم عن التنظيمات الشعبية السياسية والنقابية وغيرها، من خلال تحويل القضايا الاجتماعية والسياسية والحقوقية من قضايا أساسية إلى مشاريع ربحية تتبع سياسات وأهداف الجهة الممولة التي بدورها تحدد الأولويات، فلا مشاريع اجتماعية من دون هدف يخدم الممول، ولا نشاطات ميدانية إلاّ إذا دخلت في صيغة الأرقام والمؤشرات وورشات العمل المأجورة.
تراجعت فكرة العمل التطوعي في أوساط الشباب والجيل الناشئ الطامح للتغيير نظراً للضخ الكبير للأموال، الذي ترافق مع غياب المساءلة عن مصادر التمويل وآليات إنفاقه التي تذهب في معظمها للقائمين على هذه المنظمات، وأصبحت هذه المنظمات هدفاً للعمل الاجتماعي بدلاً عن الأحزاب السياسية والنقابات، بل أداة لانتقادها وللانتقاص من أهميتها ودورها الذي تعتبره من وجهة نظرها مكلفاً من ناحية الخطورة، وغير مجدي على المستوى المنظور، لا سيما في الدول الشمولية، فتحول العمل من عمل جدّي ميداني إلى عمل تنظيري مريح ومدفوع الأجر تحت مسميات مختلفة، وأصبحت قاعات الفنادق الفاخرة بديلاً عن التواجد في الشوارع والميادين، والعمل بين صفوف الناس في مواقعهم.
وقد عملت الأنظمة الشمولية على إغراق المجتمع بمنظمات ذات صبغة مدنية من صنعها وتحت إدارتها وإشرافها، إمّا بقصد السيطرة على موارد المجتمع المدني وتقاسمها والتحكّم بها، أو بقصد تجفيف منابعه ومنعه من التشكل كفاعل مستقل، فضلًا عن العمل على احتوائه وتدجينه وتوظيفه في غير موضعه الطبيعي كوسيط بين المواطنين والسلطة.
استناجات:
1- المجتمع المدني فضاء واسع يضم جميع أشكال التنظيمات المدنية، في حين تمثل منظمات المجتمع المدني (NGOs) صيغة مؤسساتية جزئية، غالباً غير مستقلة عن الممولين أو السلطة الحاكمة.
2- نشأت هذه المنظمات في سوريا ضمن سياسات تدويل الصراع السوري، وارتبط وجودها بتمويل خارجي مشروط بالحياد السياسي، ما حدّ من استقلاليتها ووظيفتها المجتمعية الحقيقية.
3- خلال عهد الأسد الأب والابن، استُخدمت المنظمات كأداة للضبط والاحتواء، لإظهار انفتاح شكلي على الحريات، مع منع تشكّل فاعلين سياسيين واجتماعيين مستقلين.
4- بعد عام 2011، تكثفت تجربة منظمات المجتمع المدني كبديل وظيفي عن الأحزاب والنقابات، محوّلة العمل التطوعي من نشاط جماعي سياسي إلى مشاريع مؤقتة وممولة، تخدم أهداف المانحين بدل المجتمع.
5- لعبت هذه المنظمات دور القوة الناعمة في إعادة إنتاج الهيمنة، عبر الإغراء المادي وإعادة توجيه الوعي، مع تشتيت طاقات الشباب ومنعها من إنتاج معرفة تراكمية أو التفكير ببدائل جماعية.
6- أصبحت المنظمات في بعض السياقات بديلًاً وهمياً عن فرص العمل الحقيقية، ما أضعف دور الشباب في العمل المنتج، وأبعده عن المشاركة السياسية والاجتماعية المستقلة.
7- في المحصلة، مثلت منظمات المجتمع المدني (NGOs) في سوريا أداة لإعادة صياغة أولويات المجتمع وفق شروط الممولين، وتفريغ العمل الاجتماعي من مضامينه الوطنية والسياسية.