العسكرة واختطاف القرار السوري – الجزء الثاني

د. هيثم مناع
منذ اختيار المؤسسة الحاكمة وتجمع المصالح العسكري الأمني إدخال المؤسسة العسكرية طرفا أساسيا في مواجهة الحراك الشعبي السلمي، بدا الصدع واضحا في طرفي المواجهة: من جهة وقف أكثر من مسؤول في السلطة التنفيذية ضد هذا القرار، معبرا عن موقفه سواء بالاعتكاف عن مراكز القرار (كما كان موقف نائب الرئيس فاروق الشرع مثلا) أو بالانشقاق ومغادرة البلاد (كما كان موقف عدد كبير من الضباط والمسؤولين السياسيين تباعا). في حين كانت الصورة أكثر ضبابية في صفوف القوى السياسية المعارضة: بالنسبة للإسلاميين، إخوان وسرورية وسلفية جهادية وأبنائهم، فلم يكن لديهم أي فرق بين الدولة والسلطة، وكان موقهم أنه لا بد من التخلص من مؤسسات الدولة وإن كان ذلك على طريقة “بريمر” في العراق، أما المعارضة الوطنية الديمقراطية فقد طرحت عدة مشاريع لإصلاح المؤسستين العسكرية والأمنية لمواجهة التوظيف المفرط للسلطة السورية لهما في قمع ومواجهة الجماهير المطالبة بالتغيير.
سارعت السلطات الأمنية السورية للإفراج عن 1400 جهادي سلفي من سجن صيدنايا بعفو رئاسي في مايو/ أيار 2011، معبدة الطريق للفصائل الجهادية لتشاركها في هدم أكبر تحرك شعبي سلمي في تاريخ سوريا القديم والمعاصر، وانجرت البلاد إلى عسكرة محلية ودولية تقدم فيها الأكثر احترافا وتجربة على الهواة.، حيث تشكلت “كتائب أحرار الشام” في يزنيز/ حزيران 2011 قبل أي تجمع للجيش الحر، وتقدم المشهد التمثيلي لمعارضة الخارج، أنصار “الأنموذج الليبي” والعسكرة والتدخل الخارجي والطابع المذهبي للصراع.
رغم كل الصراعات بين الأطراف الإقليمية والدولية، فقد اتفقت جميعها على إبعاد آلاف الضباط المنشقين عن غرف عملياتها ومساعداتها وتسهيلاتها اللوجستية. فيما سمح بأن تنحصر المواجهات العسكرية الأهم بين فصائل مذهبية معززة بالأجانب وبين ما تبقى من فرق عسكرية موالية للنظام في الجيش وحلفائه من غير السوريين. وما حذرت منه شخصياً في أغسطس/آب 2011 حدث: “إذا تسلحت تطرفت وتطيفت وذهب ريحها”.
في نقاش مع الإسلاميين في منزل هيثم المالح بالقاهرة، في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2011، أخبرنا المالح أنه اشترى 3 آلاف بذلة عسكرية و3 آلاف حذاء عسكري تبرعاً للجيش الحر، قلت له وللحاضرين: العسكرة مدمرة، وإن كنتم مقتنعين بغير ذلك، فعلى الأقل خففوا من الخسائر بثلاثة: أولاً بناء جيش وطني لا فصائل سنية، ثانياً توحيد 70 بالمئة على الأقل من هذه الفصائل ولو بالقوة، وثالثاً أن يكون العمل العسكري تحت قيادة سياسية حكيمة. تعامل الحضور مع ما قلت بالاستخفاف، وضربت بإذني جملة أحدهم: “جاي يعطينا دروس؟؟”.
كان حزب المسعورين وقتها هو الأقوى مادياً وإعلامياً وخليجياً وغربياً، وإن لم يكن كذلك شعبيا.. وكم تحسّن علينا أكثر من صديق قديم بالقول: “يا دكتور والله معزتك كبيرة ومكانتك محفوظة فقط مطلوب منك تجهز الشنطة للسفر، العيد في دمشق، القصة خلصت”.. وكنت أكرر في كل مرة: قصتنا طويلة..
لم يقبل “المجلس الوطني” أو “الائتلاف”بفكرة التفاوض، بل وضع الائتلافيون في صلب برنامجهم رفض الحوار والتفاوض. لذا قمنا بتنظيم مؤتمر سوري دولي من أجل سوريا ديمقراطية ودولة مدنية في نهاية يناير/ كانون الثاني 2013، لكن ما سمي بتحالف “أصدقاء الشعب السوري” بقي مصرا على العسكرة ودعم غرف عملياته في الشمال والجنوب (الموك والموم)، وانحسر خطاب عدد من “الديمقراطيين” بالمطالبة بالأسلحة النوعية وتغيير موازين القوى والتدخل العسكري الخارجي.
من مكر التاريخ والدهر بنا، أن يكون تقدم “داعش”، و”النصرة”، وإعلان الجهاد في سوريا في ستاد القاهرة بحضور محمد مرسي، الرئيس المصري آنذاك، هو الصاعق الكهربائي الذي أقنع ما سمي بأصدقاء شعبنا، بأن الحل العسكري في سوريا كارثة على المجتمع السوري، بل الوجود السوري برمته، وأن الحل السياسي هو الطريق الوحيد أمام السوريين للخروج من هذا المستنقع. وقد نجحنا في 2015 بتنظيم مؤتمر المعارضة السورية من أجل الحل السياسي وصدرت عن هذا المؤتمر الأوراق الأنضج في تاريخ المعارضة. سواء ما يتعلق منها بالعقد الاجتماعي لسورية الجديدة (الميثاق الوطني) أو خارطة الطريق. سأتوقف عند أول تصور سوري -سوري لفكرة “الحوكمة” أو هيئة الحكم الانتقالية، صدرت عن مؤتمر القاهرة وقتئذ تتعلق برؤية الوطنيين الديمقراطيين السوريين لهيئة الحكم الانتقالي قبل القرار 2254: تحت عنوان “النظام السياسي المنشود في سوريا”.
طرحت هذه الوثيقة الطابع المؤسساتي المركب لهيئة الحكم الانتقالي فيما أسميناه وقتها بالنجمة الخماسية. وتنص على: أن يتم الاتفاق بين الجانبين على تكوين هيئة الحكم الانتقالي التي تنقل لها جميع الصلاحيات التشريعية والتنفيذية وينبثق عنها لذلك المؤسسات التالية وتسمية أعضائها ورئاساتها في غضون شهرين من بدء المفاوضات تحت ضمانات دولية:
1- المجلس الوطني الانتقالي
ينبثق عن مؤتمر وطني سوري جامع، ويتولى مهمة التشريع والرقابة على الحكومة في المرحلة الانتقالية، ويضم ممثلين عن كافة التحالفات والقوى السياسية المؤيدة للانتقال الديمقراطي، وممثلين عن المجتمع المدني بحيث يمثل كافة مكونات الشعب السوري على نحو وازن وعادل، ويقرّ المجلس الميثاق الوطني لسورية المستقبل، وإعلان دستوري مؤقت.
2- مجلس القضاء الأعلى
الاتفاق على تشكيل “مجلس القضاء الأعلى” وتحديد مهامه، وتسمية أعضائه من بين قضاة مستقلين محايدين معروفين بالكفاءة والنزاهة.
3- حكومة المرحلة الانتقالية
تشكيل “حكومة انتقالية” وتحديد مهامها، وتسمية أعضائها وتوزيع حقائبها، على أن تتمتع هذه الحكومة بكافة الصلاحيات التنفيذية المدنية والعسكرية الممنوحة لرئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء في الدستور الحالي، وذلك وفقاً لبيان جنيف.
4- المجلس الوطني العسكري الانتقالي
يضم المجلس ضباطاً من كافة القوى العسكرية المؤمنة بالحل السياسي والانتقال الديمقراطي. ويعمل المجلس تحت إمرة الحكومة الانتقالية، وتخضع له كافة القطاعات العسكرية، وتكون مهمته قيادة القوات العسكرية والأمنية، وإدارة عملية دمج الفصائل المسلحة المؤمنة بالحل السياسي وحفظ الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب والتنظيمات الإرهابية وأية مجموعات أو عناصر مسلحة تتحالف معها أو ترفض الحل السياسي وتستمر في القتال، والبدء في عملية بسط السيادة السورية على كامل أراضيها.
5- الهيئة المستقلة العليا للإنصاف والعدالة والمصالحة
يشكل المجلس الوطني الانتقالي “الهيئة المستقلة العليا للإنصاف والعدالة والمصالحة” تتبع له، ويحدد مهامها. تضع الهيئة برنامجاً للمصالحة الوطنية وإعادة السلم الأهلي، والإشراف على برنامج العدالة الانتقالية، ورأب الصدع الذي أصاب النسيج المجتمعي السوري جراء الأحداث الماضية.
اعتبر السيد ستيفان ديميستورا هذا التصور أول محاولة لبلورة شكل عملي للانتقال، وقد أيدنا في ضرورة صدور قرار عن مجلس الأمن بهذا الخصوص وقد قرأ عليه وفد مؤتمر القاهرة الذي ضم (خالد المحاميد، وليد البني، عبد القادر السنكري، هيثم مناع) مسودة اقتراح لهذا القرار الأممي تنتهي بالجملة التالية: بسبب تعقيدات الأزمة السورية، والتدخلات الإقليمية والدولية فيها، وخصوصاً التعقيدات الناجمة عن الصراع المسلح في البلاد، ولصعوبة وقف الأعمال العسكرية بإرادة المتقاتلين السوريين، من الضروري أن يتم ضمان أي اتفاق بين الجانبين السوريين من قبل الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول العربية والإقليمية، بحيث تكون تلك الدول والأطراف هي الشاهد والضامن لتنفيذ الاتفاق بإشراف الأمم المتحدة.
كان هذا أول تصور عملي لبناء الحوكمة الانتقالية أو هيئة الحكم الانتقالي، وقد تثبت منه جزء هام في اجتماعي فيينا وصدور القرار 2254.
مع كل الاحترام لهيئتي التفاوض الأولى والثانية، لم يحمل أي طرف تصور متكامل لعملية الانتقال السياسي. أما الوفد الحكومي، فكان يحمل في كل مرة، ألف حجة وسبب لشّل وقتل العملية السياسية، مستفيدا من التدخل الإيراني-الروسي المباشر الذي لم يحجه يوما للمطالبة بسلاح نوعي أو تغيير موازين القوى. ومع أول لقاء قمة روسي تركي، بدأ الصدع الأول في مفاوضات جنيف مع انطلاق ثلاثي الاستانة في مسار موازٍ.
في 2017 حاول ستيفان ديميستورا تقديم فكرة السلال التفاوضية الأربع، ورغم تحفظ وفد المعارضة على السلة الرابعة فقد عرضها ديميستورا في مراجعته أمام مجلس الأمن ونوردها للذكرى:
السلة الأولى: حول إنشاء هيئة حكم ذات مصداقية وشاملة للجميع وغير طائفية خلال ستة أشهر
السلة الثانية: فترة مستهدفة قدرها ستة أشهر بتحديد جدول زمني وعملية لصياغة دستور جديد
السلة الثالثة: عملاً بالدستور الجديد إجراء انتخابات حرة ونزيهة خلال 18 شهرا
السلة الرابعة: تتناول القضايا المتعلقة بمكافحة الإرهاب وهيئات إدارة الأمن وكذلك تدابير بناء الثقة.
اجتمعنا في المعهد الإسكندنافي لحقوق الإنسان لمناقشة الموضوع وتقدم الدكتور خالد المحاميد، وكان عضوا في الوفد المفاوض، بنقد لفكرة السلال الأربع قال فيه: في بلدان الجنوب كافة، ثمة مشكلة مركزية، هذه المشكلة لا تتعلق بالسلطة التنفيذية أو التشريعية بالمعنى المباشر، وإنما بالمؤسسة العسكرية وعقيدتها ودورها السياسي أولا، والسلطة القضائية وتبعيتها وتغييبها ثانيا… أنا أرى أن معضلة بناء جيش وطني يمثل المجتمع والمواطنة، بعقيدة قتالية قائمة على الدفاع عن الوطن وحماية المواطن، بعيدا عن أية إيديولوجية أثنية أو دينية، يشكل الخطوة الأساسية للانتقال من نظام الحزب العقائدي والجيش العقائدي، الذي طبقه النظام وتحمل رايته الفصائل الجهادية والكردية أيضا، إلى نظام دولة سورية مستقلة عن الإيديولوجيات التي تقسم البلاد وتفرق بين المواطنين في البلد الواحد. كذلك يتكهرب النظام وأطراف عديدة في المعارضة من كلمة “العدالة الانتقالية”. ويتصورون أنفسهم أمام محكمة لمجرمي الحرب وتجار الحرب. ولكن هل يمكن في أي صراع أو حرب، أن نضع حدا لآلام وأحقاد الموت والقتل، دون المباشرة في بناء سلطة قضائية مستقلة”. انتهى الاستشهاد، (نشر هذا الكلام في مقالة للدكتور خالد بعنوان: من أجل إنجاح الحل السياسي العادل في 10/03/2017.).
وضع المحاميد الأصبع على الجرح من جديد، وعاد لطرح تصور مؤتمر القاهرة للطبيعة المركبة الضرورية لهيئة الحكم الانتقالي، وضرورة التواصل مع الكوادر العسكرية الهامة، التي جرى إبعادها وتهميشها في مؤتمري الرياض، لتكون طرفا أساسيا في بلورة تصور عقلاني لبناء الجيش الوطني السوري. وقبل أن يتحول قطاع هام من فصائل الشمال إلى تبعٍ ومرتزقة وقطاع طرق، جرت دعوة عدد من كبار الضباط المنشقين إلى جنيف، للاستماع لآرائهم في عملية بناء جيش وطني سوري. وكان ثمة توافق على مركزية هذا الموضوع، كمكون أساسي من مكونات الحوكمة في سوريا الانتقال. ضمن التصور الذي تبناه مؤتمر القاهرة لهيئة الحكم الانتقالي.
لا يمكن لسنوات أربعة عشر من التهميش والتضييق والحصار، التي تعرض لها خيرة ضباط الجيش السوري المنشقين أن تنتج وضعا صحيا جيدا وانسجاما داخليا. وكما هو قانون الحياة، انتقلت معظم أمراض المعارضة السياسية إلى الوسط العسكري، سواء في تقديم الخطابات على المنهج والعاطفة على العقل.. وكان علينا بشكل مشترك، كسياسيين وعسكريين، مهمة وضع برنامج عمل مشترك. عبر المبادرة الوطنية التي أيدها آلاف السوريين من أجل عقد مؤتمر وطني سوري، يشارك فيه المدنيون والعسكريون باعتبارهم مواطنين ومواطنات. وقد جرى إعداد أوراق أساسية لا تتعرض فقط للسلطتين التشريعية والتنفيذية، وإنما أيضا لبناء الجيش الوطني وسلطة قضائية مستقلة.
شكلت العملية العسكرية الخاصة للجيش الروسي في أوكرانيا أول منعطف نحو إعادة الأولويات لروسيا الاتحادية، لم يعد الملف السوري ذو أهمية تذكر بالنسبة لأهم حلفاء السلطة الحاكمة في دمشق، وجاءت الحرب على غزة لتضع الحليف الثاني للأسد في موقع لا يحسد عليه. فيما سمح للمخابرات البريطانية والتركية بالتحرك بما تبقى لهم من قوة عسكرية منظمة لاستثمار الأوضاع الجديدة. ورغم أن مندوبة بريطانيا في الأمم المتحدة هي التي تحدثت في 7/9/2018 عن “خمسين ألف إرهابي جلهم من غير السوريين في إدلب وحدها”، فإن الوفد البريطاني نفسه، هو الذي سيطالب برفع معظم هؤلاء عن قوائم الإرهاب بعد ست سنوات. فقد قررت MI6 و MIT العمل مع “غرفة العمليات العسكرية” والاستثمار في أوضاع تعاد فيها صياغة الصداقات والعداوات.
في تقدمها وتراجعها ثم في استلامها السلطة في دمشق، كانت مختلف الفصائل الموالية لتركيا، من الحمزات والعمشات إلى هيئة تحرير الشام، تعرف بأن مصيرها ومستقبلها، مرهون بالدعم التركي. وقد كان هيثم رحمه أمين عام الائتلاف، الأكثر وضوحا في شرح علاقة التبعية هذه، عندما قال: “إذا تعرضت الأم للخطر عند الولادة، تصبح التضحية بالطفل مشروعة”.