فكر وتحليل سياسي

النساء السوريات بين السياسة والدين: المواطنة المؤجَّلة والتهميش المستمر

لوحة “أم الشهيد” للفنان السوري يوسف عبدلكي

هوازن خداج 

تعيش النساء السوريات أزمات هيكلية وتأسيسية متعددة داخل مجتمعات ذكورية لم تتخلَّ عن بنيتها الأبوية، وما تنتجه من انحيازات فكرية وثقافية، تشكل حاجزاً تصطدم به حقوق الإنسان عموماً وحقوق المرأة ومواطنيتها خصوصاً. فعلى الرغم من كثرة الحديث عن هذه الحقوق واعتمادها نصوصاً دستورية في دساتير الدولة السورية، وآخرها في الإعلان الدستوري، فإنها بقيت في حدود الخطاب، من دون أن تتحول إلى ضمانات فعلية. إذ لا تزال تُناقَش حقوق المرأة انطلاقًا من هويتها كامرأة تابعة للأسرة، لا بوصفها فرداً كامل المواطنة. وهو ما تعكسه دساتير الدولة وسياساتها التي رغم منح النساء جملة من الحقوق المدنية والسياسية، أبقت على دونيتهن ورسخت دورهن التقليدي كما حدده الفكر الديني والميراث المجتمعي، وجعلته معياراً أخلاقيا في بناء المجتمع والدولة.

ولا ينفي ذلك وجود تفاوتات وتحولات شهدها الواقع السوري عموما، عبر تاريخ الدولة وخلال سنوات الحرب، أسفرت عن تغير نسبي في موازين القوى، وفي واقع النساء بما يبشر بإمكانية إعادة النظر في الأدوار والمواقع الاجتماعية. إلا أنه لم يحدث إنما أفضى إلى مضاعفة الانتهاكات الواقعة على النساء

ومع فرار الأسد وتغيّر الأوضاع السياسية، جرى تنصيب سلطة انتقالية ذات طابع عسكري/ديني، اتخذت من مرجعيتها الدينية المتشددة منطلقًا لمحاولة إعادة تأسيس نظام اجتماعي وسياسي يعيد النساء إلى بيت الطاعة. وتم ذلك عبر السعي إلى إعادة ضبط البُنى المركزية لعلاقات القوة التي تكرسها السلطة الأبوية، وتجريد النساء من المكتسبات التي حققنها، سواء من خلال مشاركتهن في الحراك ضد النظام الديكتاتوري البائد، أو نتيجة التحولات التي فرضتها الحرب وأدت إلى انتقال نسبة منهن من الهامش إلى مواقع أكثر مركزية داخل علاقات القوة والسلطة.

النساء: إشكالية المواطنة والسلطة

تبلور مفهوم المواطنة عقب الثورة الفرنسية باعتباره منظومة حقوق سياسية وقانونية واقتصادية ومجتمعية، ثم توسّع في إطار منظومة حقوق الإنسان ليشمل الجميع، رجالاً ونساءً. وبذلك أصبح جزءاً أصيلاً من ثقافة اجتماعية وسياسية حديثة، تقوم على الدستور بوصفه مرجعية عليا، وعلى الضمانات التي يقدّمها للمواطنين/ات، وعلى منظومة الحقوق والواجبات التي ينتظم فيها الفرد بموجب عقد اجتماعي يجعله مواطناً في دولة. إلا أن هذا المسار لم يأخذ المنحى نفسه في الحالة السورية. فالدولة لم تُبنَ على قاعدة سليمة لتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبقي مفهوم المواطنة في دلالته الفكرية والمعرفية خاضعاً لكيفية استخدامه من قبل السلطات الحاكمة. 

ومع الحكم الاستبدادي للأسدين القائم على الاحتكار الفعّال لمصادر القوة والسلطة في المجتمع والدولة. باتت تجربة المواطنة بالنسبة للسوريين/ات رهينة شكل السلطة وتراتبيتها الحادة القائمة على القوة. ورهينة البُنى الأبوية المترسخة في المجتمع، سواء في شكلها التقليدي المتعصب المتمثل في سلطة الأب والابن والشيخ والسلطان، وتجذرها في العادات والتقاليد واللغة والرموز ذات الأصل القبلي أو العشائري أو الأسري، أو في شكلها المستحدث الذي يدّعي الإخلاص لقيم الوطن والوحدة والتحرير والعدالة والمساواة، كما يبين هشام شرابي في تحليله للنظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي. وتؤدي هذه البُنى إلى تغييب دور الفرد من كلا الجنسين، مع انعكاس أكثر حدّة على النساء.

في هذا السياق، يعمل النظام الديكتاتوري على إنتاج سلطة مضادة لقيام المواطنة بوصفها قيمة متعالية عن السياقات الاجتماعية، ويرسخ قيم التسلط والعنف والتمييز بين الرجل والمرأة في المجالين العام والخاص. ويجد رجال المجتمع المحكوم بالقمع أنفسهم أكثر تمسكاً بالبُنى المغلقة التي تمنحهم شعوراً بالاستقرار، وهو ما يفضي إلى استمرار ممارسة الضغوط على النساء داخل الأسرة وخارجها. ويجعلهن أسيرات منظومتي الدولة والمجتمع اللتين ترسخان حرمانهن من المواطنة بما تستوجبه من حقوق وواجبات متساوية. 

وذلك رغم أنهن نلن حقوقاً مثل التعليم والعمل، إلا أن هذه الحقوق ظلت مشروطة بموافقة المجتمع، ومُبرَّرة بوظيفتها في خدمة الأسرة وتربية النشء ودعمها مادياً.  أما على المستوى السياسي، فرغم أن سوريا كانت من أوائل الدول التي منحت النساء حق المشاركة في الانتخابات والبرلمانات ومؤسسات الدولة منذ عام 1950، فإن هذا الحق لم يفضِ إلى تغيير قواعد اللعبة السياسية. فقد شكّلت أصوات النساء كناخبات مصدراً من مصادر قوة الدولة وتعزيز السلطة، وكذلك دخولهن إلى مناصب قيادية في مؤسسات الدولة، بما فيها مؤسسة رئاسة الجمهورية والوزارات المتعاقبة منذ عام 1970، لم يغيّر البنية السياسية الحاكمة أو ينعكس في إقرار كامل لحقوقهن المدنية.

إذ بقيت حقوقهن المدنية والسياسية خاضعة لشروط بناء الدولة والتوافقات بين السلطة السياسية والبُنى الثقافية الذكورية، المتداخلة مع البنية الدينية والطائفية. ونتج عن ذلك مسارات متقاطعة تتراوح بين الإقصاء والتهميش من جهة، وتوظيف حضور النساء في الفضاء العام لتجميل صورة النظام وتعزيز شرعيته في مواجهة الضغوط الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان من جهة أخرى. وهكذا أصبح وجودهن في المجال العام جزءاً من آليات تعزيز السلطة أكثر مما هو مدخل لتحسين واقعهن أو ضمان العدالة والحقوق الاجتماعية والاقتصادية لهن.

ويتجلى ذلك في الدساتير السورية المتعاقبة، التي بلغت ستة عشر دستوراً بين جديد ومعدل، وصولًا إلى الإعلان الدستوري الصادر في 25 فبراير/ شباط 2025. فرغم تأكيد هذه الدساتير على مبدأ المواطنة والمساواة، فإنها لم تقدم ضمانات فعلية لحماية النساء خارج إطار الأسرة، بل أبقتهن خاضعات لقوانين الأحوال الشخصية، المنبثقة عن أطر دينية، بصيغتها التمييزية وبوصفها الدستور الفعلي الذي يحكم حياة النساء، من خلال تنظيم مسائل الزواج والعائلة والأبوة والميراث والوصاية والولاية. ويحرمهن من جملة من الحقوق الأساسية، مثل حرية التنقل والتجمع والمشاركة السياسية والمساواة أمام القانون، سواء في المجال الجنائي أو المدني، فضلًا عن حقوق تتصل بسلامة الجسد وعدم انتهاكه.

وبذلك تتعارض منظومة الأحوال الشخصية، مدعومة بالقيم الاجتماعية القائمة على الذكورية المجتمعية، مع مبدأ المساواة المعلن، لتبقى إمكانية تحققها رهينة الإطار الثقافي والسياسي الذي يعيد إنتاج التمييز بدل تجاوزه.

من حلم المواطنة والتغيير إلى بيت الطاعة

شكّل حضور المرأة السورية في الحراك ضد نظام ديكتاتوري إشارة واعدة إلى إمكانية تحوّلها إلى فاعل أساسي في إحداث تغيير في البُنى المجتمعية. غير أن تحوّل الحراك إلى حرب طويلة ألقى بآثاره المتباينة على المجتمع عموماً وعلى واقع النساء خصوصاً, 

فمن جهة، عمّقت الحرب المشكلات المتأصلة في بنية المجتمع، ومنها مسألة المواطنة. إذ عززت تمسّك الأفراد بالبُنى الأولية، من طوائف وإثنيات وقبليات، بوصفها خطوط دفاع عن وجود مهمّش، كما أسهمت في ترسيخ العنف وسلب الحقوق. وضمن هذه البيئة القاسية، فُرضت على النساء مسارات متعددة لضمان البقاء وإثبات الوجود، في ظل ظروف معيشية شديدة الصعوبة اتسمت بالفقر واتساع رقعة العنف.

ومن جهة أخرى، تراجعت أشكال الحماية التقليدية التي كان يوفرها ذكور العائلة. فقد كانت النساء عرضة لما يتعرض له الرجال، بل وبصورة أشد أحياناً، نتيجة انخراط الرجال في القتال أو غيابهم، وبسبب اضطرار النساء إلى تولّي تدبير شؤون الحياة اليومية في سياق حرب تتطلب مساهمات تفوق الأدوار المألوفة. وهذه المساهمات لا يمكن اختزالها في إطار “التضحيات” العابرة، بل تمثل تحولاً فعلياً في موقع النساء داخل البنية الاجتماعية.

وقد تنوعت أشكال المعاناة المفروضة على النساء، كما تنوعت أساليب مقاومتهن وبناء تجاربهن الخاصة، سواء على مستوى الاستقلال الاقتصادي أو على صعيد الحضور المجتمعي. وتحولت آلاف النساء إلى معيلات وحيدات لأسرهن، ومدافعات عن وجودهن ومكانتهن في مواجهة السلطة والمجتمع، من دون سند من عصبة الذكور التي استمرت في إنكار حقوقهن. وجرى التعامل مع عمل النساء خارج المنزل وإعالتهن لأسرهن بوصفه تبرعاً ظرفياً، لا باعتباره تحولاً بنيوياً يفرض إعادة النظر في التصورات النمطية لأدوار النساء، ومدخلاً لمراجعة القوانين التي تنكر مساواتهن وحقهن في الشراكة الكاملة في بناء الوطن.

ولم تُترجم مكتسبات النساء عموما إلى تحول قانوني أو سياسي. إنما وبعد أكثر من مئة عام على قيام الدولة السورية، تبدو النساء اليوم، أنهن فقدن إمكانية التأثير لتغيير أوضاعهن الحقوقية والقانونية، خصوصاً في ظل توجه السلطة الانتقالية إلى إعادة ضبط البُنى المركزية لعلاقات القوة في المجتمع والدولة. وإعادة إنتاج الانضباطية القائمة وموازين القوى السائدة، وفق تصور ميشيل فوكو لعلاقات القوة، بما يفضي إلى إقصاء النساء عن دائرة الفعل العام.

ويترافق هذا المسار مع إعادة تقييم حقوق المرأة القانونية والمجتمعية والاقتصادية وفق تصور ديني تتبناه السلطة، يحدّ من حقوق النساء ويهمّش حضورهن السياسي والمدني، ويُفضي إلى انتهاكات تمس سلامتهن الجسدية والمعنوية.

وقد بدا هذا التوجه واضحًا منذ الأيام الأولى لحكم السلطة الانتقالية، من خلال النشاط المكثف لتكريس أولوية المنظومات الدينية والطائفية، وإرسال إشارات رمزية تتصل بالقوانين والقيم المراد تثبيتها، وبإعادة رسم الهويات الجنسانية استنادًا إلى قراءة بيولوجية اختزالية للفروق بين الجنسين. 

وظهر ذلك في التصريحات والممارسات التي أعادت التأكيد على “طبيعة” المرأة وكينونتها البيولوجية والنفسية، ومنها تصريح “عبيدة أرناؤوط”، المتحدث الرسمي باسم “الإدارة السياسية” التابعة ل”إدارة العمليات العسكرية” في سوريا، الذي أوضح فيه المعايير التي سيُبنى عليها المسار الحالي للسلطة الانتقالية، وما يتضمنه من عتبات للتمييز والإقصاء. 

كما تجلّى في التدخلات المباشرة في شؤون النساء، والدعوات المتعلقة بالحجاب، والتعليمات المرتبطة بمظهر النساء ونوعية ملابسهن واشتراطات “الاحتشام”، ورفض المكياج، وتحديد أماكن عملهن، وتقييد تنقلاتهن. وبرز كذلك في تصريحات رسمية، من بينها تصريح عائشة الدبس بأن “مسؤوليات المرأة السورية وفطرتها وأولوياتها تتمثل بأسرتها وزوجها”، وفي التعميم رقم 17 لعام 2025 الصادر عن وزير العدل السوري وما تبعه من توضيحات.

وإلى جانب ذلك، استمرت أنماط العنف ضد النساء، سواء في حوادث الخطف ذات الأبعاد الطائفية التي شهدتها مناطق مثل حمص وطرطوس واللاذقية والسويداء وحماة وأريافها، والتي استُخدمت كوسيلة للانتقام أو العقاب الجماعي، وسط إنكار رسمي وإهمال لمحاسبة الجناة، أو في حملات التشهير عبر وسائل التواصل الاجتماعي بحق النساء المعارضات للمسار القائم. وفي المحصلة، يتجه هذا المسار إلى إعادة النساء إلى “بيت الطاعة”، بوصفهن ذواتاً تابعة لا فاعلة، ومكمّلة لا مكتملة.

الاستنتاجات

1- إن تهميش النساء السوريات ليس نتاج ظرف سياسي طارئ، بل هو نتيجة تداخل بنيوي بين دولة استبدادية لم تؤسس لعقد مواطنة متكافئ، وبنية مجتمعية أبوية أعادت إنتاج علاقات الهيمنة عبر تحالفها مع السلطة، بصرف النظر عن شكلها أو خطابها.

2- لم تؤدِّ المكاسب الشكلية التي حصلت عليها النساء في مجالات التعليم والعمل والتمثيل السياسي إلى تفكيك منظومة التمييز، بل استُخدمت في كثير من الأحيان لتعزيز شرعية السلطة وتجميل صورتها، ما أبقى الفجوة قائمة بين النصوص الدستورية والواقع القانوني والاجتماعي.

3- كشفت الحرب السورية عن قدرة النساء على إعادة تموضعهن داخل البنية الاجتماعية بوصفهن معيلات وصاحبات قرار، إلا أن هذا التحول الاجتماعي لم يُترجم إلى تغيير قانوني أو سياسي يعترف بهن كشريكات كاملات في المجال العام.

4- تتجه السلطة الانتقالية إلى إعادة إنتاج علاقات القوة ذاتها من خلال مرجعية دينية متشددة، بما يفضي إلى تقويض ما تحقق من مساحات مشاركة للنساء، وإعادة حصر أدوارهن ضمن تصور تقليدي يقوم على التبعية والوصاية.

5- إن استمرار إخضاع النساء لقوانين أحوال شخصية ذات طابع تمييزي يُفرغ مبدأ المواطنة من مضمونه، ويجعل المساواة المعلنة في الدساتير بلا ضمانات فعلية، ما يكرّس الإقصاء بوصفه قاعدة قانونية مقنّعة.

6- يمكن الحديث عن انتقال سياسي حقيقي في سوريا من دون إعادة تعريف المواطنة بوصفها علاقة قانونية متساوية وغير مشروطة بين الدولة وجميع أفرادها، رجالاً ونساءً، ومن دون فصل التشريع المدني عن المرجعيات التي تنتج التمييز.

7- إن قضية النساء ليست شأناً فئوياً، بل معياراً كاشفاً لطبيعة النظام السياسي وحدود تحوله، فحيث تُقوَّض حقوق النساء، يُقوَّض مبدأ المواطنة ذاته، ويتعذر بناء دولة قانون ومؤسسات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق