صحيفة حَدْس

رياض صالح الحسين… الشاعر الحيّ رغم “خراب الدورة الدموية”

(حدْس)- القسم الثقافي: 

يكاد يكون، رياض صالح الحسين، بعمره القصير الذي عاشه (28 عاماً)، الشاعر الأكثر شهرة وتأثيراً بين مجايليه من شعراء قصيدة النثر، وربما الأجيال التي تلته، كما أن هذا الموت المبكر، منح تجربته فرادة خاصة، فرادة شاعر يغادر على عجل، تاركاً وراءه أربع مجموعات شعرية (خراب الدورة الدموية، أساطير يومية، بسيط كالماء واضح كطقة مسدس، وعل في الغابة)،  كانت كافية لتشكّل مشروعاً مكتملاً، مشروعاً يستعاد وكأنه الراهن، أو التوّ الذي لا ينقضي. 

ولد رياض صالح الحسين في درعا، لأب من مارع، في ريف حلب الشمالي، عام 1954، وفي سن الثالثة عشرة فقد التطق، إثر عملية جراحية، وبدأ كتابة الشعر عندما بلغ العشرين من عمره، مبتدءاً بقصيدة التفعيلة، التي هجرها سريعاً إلى قصيدة النثر، ليكون الصوت الأبرز في جيله، والصوت الأكثر تأثيراً ربما في الأجيال اللاحقة من شعراء قصيدة النثر في سوريا، وكانت “خراب الدورة الدموية” باكورة مجموعاته الشعرية، التي صدرت في عام 1979، وسيأخذ هذا العنوان اللافت للمجموعة – مع مرور الوقت- معانٍ تتجاوز فضاء الشعر إلى فضاءات أخرى، وكأن الشاعر مبكراً يشير إلى عطب بنيوي في دورة الحياة السورية نفسها، حيث يقول في قصيدته “أسئلة”: 

“أيتها البلاد المصفّحة بالقمر و الرغبة و الأشجار،

أما آن لكِ أن تجيئي؟!..

أيتها البلاد المعبأة بالدمار و العملات الصعبة

الممتلئة بالجثث و الشحاذين،

أما آن لكِ أن ترحلي؟!..”

في دمشق، عاملاً في الخياطة والصحافة وعاطلاً عن العمل، ومنخرطاً في أوساطها الثقافية، سيبتكر الحسين لغته الخاصة، وجملته القصيرة، غير العابئة بالشعارات السياسية لتلك المرحلة، مع انحياز غير مخفي لكل ما هو هامشي ومحذوف من المتن الرسمي للثقافة السورية آنذاك. 

وحده ربما الذي استطاع أن يقدم تعريفاً شعرياً لبلده “سورية”، التي يكتبها بالتاء المربوطة، مصرّاً على زيادة تأنيثها، لكنه قبل كل شيء مصرٌّ على تقديم تناقضاتها بلا حشو لغوي، وبمفردات مألوفة:   

“يا سورية الجميلة السعيدة

كمدفأة في كانون

يا سورية التعيسة

كعظمة بين أسنان كلب

يا سورية القاسية

كمشرط في يد جرَّاح

نحن أبناؤك الطيِّبون

الذين أكلنا خبزك و زيتونك و سياطك

أبدًا سنقودك إلى الينابيع

أبدًا سنجفِّف دمك بأصابعنا الخضراء

و دموعك بشفاهنا اليابسة

أبدًا سنشقّ أمامك الدروب

ولن نتركك تضيعين يا سورية

كأغنية في صحراء”. 

في مواجهة قسوة العالم الحقيقي، قسوة الحرب والطغاة والموت المجاني، كان رياض صالح الحسين منحازاً للحب والفرح والحياة، مؤمناً بأن كل لحظة، مهما كانت قاسية ومجنونة، فهي في الوقت ذاته، تحمل نقيضها الإنساني، وتفيض به، وتسخر ربما من القسوة نفسها، وتكرّس الحرية أساساً وهدفاً للحياة: 

“لقد بدأت أعلم

و ربما متأخرًا قليلاً

أن آلاف الحروب و ملايين الجرائم

لم تستطع منع القطة من المواء عندما تجوع

و الوردة من أن تتفتح

و المطر من أن ينهمر بغزارة…

لذلك أمشي و أمشي و أمشي

متألقًا كنجمة في السماء

و حُرًّا كوعل في الغابة”. 

على الرغم من تجربته الحياتية القصيرة، إلا أنه وضع مبدأ أسلوبياً قد يكون من الصعب عدم الإقرار به كشرط للكتابة، أو لنقل الكتابة القادرة على تجاوز زمنها والبقاء طويلاً :”سأكون صريحاً حتى النهاية”، هكذا أوجز الحسبن المبدأ الأخلاقي/ الفلسفي لكتابته، فكتابة الهامش تعني أن تكتبه بلا أقنعة، وأن تفضح الزيف بكلمات عارية، وأن تنحاز إلى الإنسان الأعزل، والفرد الصغير في مواجهة سلطة ضخمة وغامضة، لكنه فرد لا يتنازل عن حقه في الفرح، ولا عن حقه في تسمية الأشياء بأسمائها، وهكذا أسّس رياض، من دون تنظير، لما يمكن تسميته “شعرية الصدق اليومي”، حيث تتحوّل التفاصيل العابرة – فنجان القهوة، نافذة الغرفة، جسد الحبيبة، قطة الشارع – إلى بؤر مقاومة رمزية ضد عالم ملوّث بالشعارات الكبرى.

كلمة أخيرة: 

رياض صالح الحسين لا يستعاد اليوم كرمز من الماضي، بل كرمز لمستقبل منشود، بعيداً عن اللغة التي استهلكتها الحرب السورية، واستُهلكت معها مفردات الحرية والوطن والكرامة، واستعملت خدمة لمشاريع نقيضة لهذه المفردات، حيث وصلت البلاد إلى العراء الكامل، وخراب شبه كلي لدورتها الدموية، التي باتت ملوثة بخطابات الكراهية والطائفية والاستعلاء، وكأنه ليس من حقّ السوري أن يعيش حياة إنسانية كريمة، حياة فيها عمل كريم وحب وأصدقاء وكتب…. وعصافير. 

في قصيدته “الكلمة الأخيرة”، كتب رياض: 

“كتبت و كتبت و لم أحتفظ إلاَّ بقلبي

قلبي الذي أخبِّئه قبل أن أنام تحت وسادتي

خوفًا من قطَّاع الطرق و المسدَّسات اللطيفة

إنَّهُ الآن يريد أن يفرَّ من قفصه الصدري

ليبحث عن عمل و رغيف أبيض

و فتاة ينام معها في غرفة صغيرة

مفتوحة دائمًا للأصدقاء و الكتب و العصافير”. 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق