الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران: السياقات والمواقف والتطورات وفشل ترامب في تحديد قواعد النظام الدولي … تقرير سياسي خاص (مارس / آذار 2026)

مقدمة:
لم تكن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران التي بدأت مع صباح 28 فبراير/ شباط الماضي مفاجأة، فهذه الجولة الأشد والأعنف، تأتي كاستكمال لحرب يونيو/ حزيران الماضي، والتي استمرت 12 يوماً، كان الهدف الأمريكي المعلن حينها تدمير الإمكانات النووية لإيران، وبالتالي، فإن ما لم يكن معلوماً حول الحرب الحالية هو توقيتها، لكن الحرب ذاتها كانت قادمة لا محالة.
وعلى الرغم من انتهاء جولة المفاوضات الأخيرة بين واشنطن وطهران التي عقدت في القنصلية العمانية في سويسرا، كانت قد أشاعت بعض الأمل بإمكان التوصل إلى اتفاق، إذ تشير معظم الأخبار حول تلك الجولة التفاوضية أنها شهدت تقديم تنازلات كبيرة من جانب طهران، لتسهيل الوصول إلى اتفاق يمنع الحرب.
أولاً- السياقات الكبرى للحرب:
1- التنافس البنيوي بين الولايات المتحدة والصين
لا يمكن تحليل الحرب الأمريكية الإسرائيلية بعيداً عن التحولات البنيوية العميقة في النظام الدولي، الناجمة عن اشتداد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، فمنذ العقد الماضي أخذت واشنطن تنظر إلى بكين بوصفها المنافس الوحيد القادر على تحدي التفوق الأمريكي في الاقتصاد والتكنولوجيا والنفوذ الجيوسياسي، الأمر الذي دفع صناع القرار الأمريكيين إلى التعامل مع مناطق الطاقة الحيوية – وعلى رأسها الشرق الأوسط – باعتبارها جزءاً من مسرح الصراع الإستراتيجي الأوسع.
وفي هذا السياق، يشكل الحدّ من نفوذ إيران هدفاً يتجاوز الحسابات الإقليمية المباشرة، لأنه يضعف أحد الشركاء المهمين للصين في مجالات الطاقة والبنية التحتية ويقلل من قدرة بكين على تحويل علاقاتها الاقتصادية مع دول المنطقة إلى نفوذ سياسي طويل الأمد، كما أن إعادة ترتيب التوازنات الأمنية في الشرق الأوسط بما يبقيها ضمن منظومة أمنية تقودها واشنطن يحدّ من فرص تشكل ترتيبات إقليمية قد تمنح الصين موطئ قدم استراتيجي في واحدة من أهم مناطق الإمداد الطاقوي في العالم.
2-إعادة تشكيل سلاسل الإنتاج العالمية وصعود الهند
قبل بدء الحرب بأربعة أيام، زار ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي تل أبيب، والتقى ببنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، وألقى كلمة في الكنيست، ومن المعروف أن التصور الأمريكي المسمى “الشراكة”، وهو مواز وبديل نسبي عن مبادرة “الحزام والطريق” الصينية، يقوم على تصعيد مكانة الهند في سوق العمل الدولي، بحيث تصبح الهند مصنعاً موازياً للصين، لما تتمتع به من ميزات ديمغرافية وجغرافية وتطور تكنولوجي-معلوماتي، بحيث تنطلق منها البضائع باتجاه السعودية والإمارات وصولاً إلى ميناء حيفا، ومنه إلى أوروبا وآسيا.
إن تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي الكبير، يتطلب بيئة أكثر استقراراً في المناطق التي تمرّ عبرها طرق الطاقة والتجارة. ومن هنا يمكن قراءة محاولات إضعاف إيران بوصفها جزءاً من عملية أوسع لإعادة تنظيم البيئة الجيوسياسية المحيطة بالاقتصاد العالمي، إذ إن تقليص قدرة طهران على التأثير في أمن الخليج والممرات البحرية قد يسهم في ضمان تدفق مستقر للطاقة نحو الاقتصاد العالمي في مرحلة إعادة توزيع مراكز الإنتاج. كما أن هذا التوجه يتقاطع مع رغبة واشنطن في بناء شبكة اقتصادية وأمنية جديدة تمتد من المحيطين الهندي والهادئ إلى الشرق الأوسط، يكون للهند فيها دور متصاعد كشريك استراتيجي في موازنة القوة الاقتصادية الصينية.
3- عقيدة ترامب في العمل خارج الأطر المؤسسية للنظام الدولي
تعكس السياسات الخارجية لإدارة الرئيس دونالد ترامب مقاربة تميل إلى تقليص الاعتماد على المؤسسات متعددة الأطراف التي شكلت الإطار التقليدي للنظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فبدلاً من الاعتماد الكامل على آليات الأمم المتحدة، أو التوافقات الدولية الواسعة، تفضل الإدارة الأمريكية الحالية العمل عبر تحالفات محدودة أو ترتيبات أمنية مرنة تسمح بقدر أكبر من حرية الحركة الإستراتيجية.
في هذا السياق يمكن النظر إلى الحرب ضد إيران باعتبارها تجسيداً عملياً لهذه العقيدة، حيث يتم التعامل مع الشرعية الدولية بوصفها عنصراً ثانوياً مقارنة بمتطلبات الردع وإدارة توازنات القوة، ويعكس هذا النهج أيضاً تحولاً أوسع في تصور الولايات المتحدة لدورها في النظام الدولي، إذ لم تعد واشنطن ترى نفسها مقيدة بالضرورة بالهندسة المؤسسية التي ساهمت في إنشائها، بل تسعى إلى إعادة صياغتها أو تجاوزها عندما تعتقد أن تلك المؤسسات تحدّ من قدرتها على حماية مصالحها الإستراتيجية أو مصالح حلفائها.
4- الإستراتيجية الإسرائيلية لإعادة تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط
على مدار عقود، كان مفهوم الردع محدداً أساسياً بين إسرائيل وإيران، لكن هذا المفهوم سقط إسرائيلياً بعد عملية “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، فبدأت حرباً واسعة ضد “حماس”، وعملية إبادة ضد المدنيين في غزة، واقتراح تهجير سكانها إلى الأردن ومصر، ومن ثم اغتيال كبار قادة “حماس” و”حزب الله”، وكبار القادة والمستشارين الذين كانوا موجودين في سوريا، كما فرضت بعد هروب بشار الأسد، الجنوب السوري كمنطقة منزوعة السلاح، وهو ما اعتبره القادة الإسرائيليون، نصراً استراتيجياً لم يكونوا يحلمون بتحققه سابقاً.
وجد بنيامين نتنياهو في مجيء الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض فرصة سانحة، لشن حرب مشتركة ضد إيران، حيث رفض رؤوساء أمريكيون سابقون شنّ هذه الحرب، لكن بنيامين نتنياهو وفريقه يعرفون منطق ترامب الخاص والشخصي إلى حدّ بعيد، ورغبته في تحقيق إنجازات غير مسبوقة، وهو ما يفسر الزيارات المتكررة التي قام بها نتنياهو إلى واشنطن منذ استلام ترامب مقاليد الحكم.
في هذا الإطار، فإن إسرائيل تنظر إلى الحرب مع إيران بوصفها خطوة في عملية أوسع لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، بما يرسخ موقع إسرائيل بوصفها القوة العسكرية والتكنولوجية المهيمنة في الشرق الأوسط، كما أن تقليص قدرة إيران على استخدام شبكة حلفائها الإقليميين قد يؤدي – من وجهة النظر الإسرائيلية – إلى تقليص التهديدات متعددة الجبهات التي تواجهها إسرائيل، ويفتح المجال أمام نظام إقليمي جديد تكون فيه موازين الردع أكثر ميلاً لصالحها.
ثانياً- ردود الأفعال الإقليمية والدولية:
1- دول الخليج العربي:
لم تكن دول الخليج تعتقد أن سيناريو استهدافها من قبل إيران في حال نشبت حرب أمريكية إسرائيلية على إيران، قياساً للجولة الأولى من الحرب في يونيو/ حزيران 2025، حيث أبقت إيران دول الخليج خارج مرمى مسيراتها وصواريخها البالستية، كما أن دول الخليج كانت قد أعلنت أنها ليست طرفاً في هذه الحرب، ولن تسمح باستخدام أراضيها لأي عمليات عسكرية ضد إيران.
ردود الأفعال الخليجية الوقائية، تمثلت بإيقاف السعودية استخراج النفط من حقل “رأس التنورة”، وكذلك أوقفت قطر استخراج الغاز، وأيضاً بالتوجه نحو إقفال خزانات الوقود التي امتلأت من دون تصريف، نتيجة توقف عمليات التصدير، ودخلت جميع دول الخليج أجواء الحرب بشكل مباشر للمرة الأولى، ما عدا الكويت التي عرفت سابقاً غزو الجيش العراقي لها.
سياسياً، ثمة تمايزات بين مواقف دول الخليج، فعلى الرغم أنها جميعاً أدانت الاستهداف الإيراني، إلا أن قطر، أخذت خطاً إعلامياً مختلفاً، يبدو منحازاً بشكل واضح لإيران، وهو ما يعكس موقفها من التحولات التي حدثت خلال العام الأخير من تقارب سعودي تركي.
2- الموقف الأوروبي:
ابتداءً بالموقف السبّاق الذي أطلقه بيدرو سانشيز رئيس الوزراء الإسباني في رفض الحرب، الذي أثار استياء الرئيس دونالد ترامب، فإن المواقف الأوروبية تلاحقت واحداً تلو الآخر في رفض الحرب، ورفض الانخراط فيها إلى جانب واشنطن، في اتفاق واضح على تبني شعار “إنها ليست حربنا”، معتبرين أن واشنطن اتخذت هذا القرار وحدها، بعيداً عن التشاور والتنسيق معهم.
ينطوي الموقف الأوروبي على ردّ فعل على تصريحات وأفعال الرئيس ترامب خلال ولايته الثانية تجاه الاتحاد الأوروبي، فقد بدأ عهده بإطلاق تصريحات تسخر من تراجع قيم أوروبا، وضعفها في مواجهة الهجرة، وعدم إنفاقها ما يكفي على القطاعات العسكرية، وضرورة مراجعة أوروبا لنظام الرعاية الاجتماعية الذي يرهق الحكومات والاقتصاد بحسب رأيه، وكذلك القيام بمناورات سياسية حيال الحرب الروسية على أوكرانيا، والتراجع عن الاتجاه الداعم لسلفه الرئيس جو بايدن لأوكرانيا، وكذلك تصريحاته حول احتمال الاستيلاء على جزيرة غرينلاند الدنماركية، التي صعقت قادة الاتحاد الأوروبي، من حيث تجاهلها أن الدنمارك عضو مثل الولايات المتحدة في حلف الناتو، فكيف تقوم دولة عضو بالسطو على أراضي دولة عضو في الحلف ذاته، وكأنه يتعامل مع أوروبا كما تعامل مع فنزويلا، حيث اقتاد -عبر قوات خاصة- رئيسها للمحاكمة في واشنطن، وأعاد هيكلة النظام السياسي بما يخدم مصالح الولايات المتحدة، ووضع يده على نفطها.
3– الموقف الروسي:
تدرك روسيا بأن هذه الحرب ستصب في مصلحتها إلى حدّ كبير، وهي لئن صرحت بأنها مع العودة إلى الدبلوماسية، إلا أنها فعلياً تعلم بأن هذه الحرب ستدفع دول أوروبا بشكل رئيس لإعادة حساباتها من موسكو، خصوصاً أن آلاف العقوبات الأمريكية والغربية عليها لم يكن لها التأثير المتوقع، بل على العكس تمكنت موسكو من التكيف مع هذه العقوبات، وبناء علاقة أوسع مع بكين من حيث التبادل، حيث تبيع روسيا النفط إلى الصين وتحصل على دعم تكنولوجي وسلع من الصين، في الوقت الذي استنزفت فيه أوروبا في هذه الحرب، حيث دفعت أوروبا مبالغ أكبر لأسعار النفط والغاز اللذين كانا يأتيان من روسيا، كما أسهما بمبالغ كبيرة لدعم صمود أوكرانيا.
في الحرب الحالية، ثمة أخبار عن مساعدات تقنية قدمتها روسيا لإيران، عبر تزويدها بصور الأقمار الصناعية، كي تتمكن صواريخها من إصابة أهدافها بدقة، ويضاف إلى ذلك، اعتقد واسع بوجود تعاون استخباراتي بين موسكو وطهران في السماح لإيران باستخدام البرنامج الروسي الموازي لنظام تحديد الإشارة (جي بي إس)، خصوصاً أن طهران كانت قد وقفت مع الجيش الروسي في حربه على أوكرانيا من خلال تزويده بالمسيرات، التي أصبحت عصباً رئيساً في الحرب.
4- الموقف الصيني:
تبنت الصين موقفًا رسميًا متحفظاً إزاء الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، مؤكدة على ضرورة العودة إلى الحلول الدبلوماسية والالتزام بالقانون الدولي، باعتبار أن أي تصعيد عسكري قد يهدد الاستقرار الإقليمي وسلاسل الإمداد العالمية، ويأتي هذا الموقف في إطار حرص الصين على حماية مصالحها الاقتصادية المباشرة، لاسيما في قطاع الطاقة، حيث تمثل إيران مورداً رئيسياً للنفط، إذ بلغ حجم واردات الصين النفطية من إيران حوالي 640 ألف برميل يومياً في 2025، ما يجعل أي اضطراب في إمدادات الطاقة الإيرانية عاملاً حساساً لاستراتيجية بكين الاقتصادية. وفي الوقت نفسه، تحافظ الصين على علاقات استراتيجية مع إيران ضمن مشاريع “الحزام والطريق”، ما يمنحها قدرة على المناورة السياسية والاقتصادية من دون الانخراط مباشرة في الصراع العسكري.
من هذا المنطق، تنظر الصين إلى الحرب على إيران كفرصة لاختبار قدرتها على إدارة مصالحها في بيئة إقليمية مضطربة، مع مراعاة التأثيرات المحتملة على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد الصناعي الحيوية لها، إذ يمثل أي تعطّل طويل لإمدادات النفط الإيراني تهديدًا لنموها الاقتصادي، وهو ما يجعل بكين تراقب عن كثب تطورات المضائق البحرية وتقييم المخاطر على السوق العالمية. في المقابل، ترى الصين في هذا الصراع فرصة لتعزيز نفوذها الإقليمي من خلال تقديم بدائل اقتصادية مستقبلاً، سواء عبر استثمارات في البنية التحتية والطاقة أو عبر توسيع التعاون التجاري، ما قد يزيد من حضورها الاستراتيجي إذا غابت واشنطن عن التنسيق متعدد الأطراف. وتعمل بكين في هذا الإطار على موازنة الضغط الدبلوماسي مع المرونة التكتيكية.
5- الموقف التركي:
دعا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى وقف الحرب، مؤكداً أن “الدبلوماسية هي الحل”، وأن بلاده في “حالة تأهب قصوى”، خصوصاً أن حدودها الشرقية مع إيران على خط يبلغ حوالي 500 كلم، وهو ما يجعل من توسّع الحرب، أو أي فوضى في إيران تشكل خطراً كبيراً، وقد يهدد بموجة لجوء كبيرة، كما أن موقف تركيا معقد، فهي من جهة لها علاقات جيدة مع إيران، وهي ضمن حلف الناتو، لكن الخطر الأكبر بالنسبة لها هو أن هزيمة إيران الكاملة – فيما لو حدثت- سيجعل من تركيا الهدف التالي بالنسبة لإسرائيل، خصوصاً أن بنيامين نتنياهو، كان قد صرّح قبل الحرب الحالية، بأنه سيقضي على المحور الشيعي والسني، قاصداً بالمحور السني المحور التركي السعودي، الذي بدأت ملامحه تظهر في العام الأخير.
ولسنوات طويلة، كانت بعض الفصائل المحسوبة على إيران، تمتلك علاقات جيدة مع تركيا، خصوصاً “حماس”، وكان صانع القرار التركي يعتبر أن “حزب الله”، حتى لو كان جزءاً لا يتجزأ من المنظومة التركية، إلا أنه يضعف من إمكانات تمدد إسرائيل، ولا يمنحها القدرة على التوسّع، أو فرض شروطها على اللاعبين الآخرين بالطريقة التي تريدها، كما بدا واضحاً بعد هروب بشار الأسد أن إسرائيل لم تتوان عن قصف أهداف عسكرية تركية في سوريا.
ثالثاً- الوقائع والتطورات:
بدأت الحرب باستهداف المرشد الإيراني علي خامنئي وعدد من القادة في اجتماع صباحي، أودى بحياة المرشد وعدد من القادة، كما استهدفت إسرائيل عدداً من القادة العسكريين الكبار، وكانت تقديرات أمريكا وإسرائيل أن هذا الاستهداف قد تنشأ عنه تحولات سريعة، مثل نزول الجماهير إلى الشارع، خصوصاً أن إيران كانت قد شهدت قبل الحرب مظاهرات مطلبية شارك فيها الطلاب والتجار.
الأهداف الأولى للحرب، بالنسبة لأمريكا وإسرائيل، تمثلت بإنهاء النظام الإيراني، أو شل قدرته على الرد إلى الحدود الدنيا، لكن خلال أيام الحرب، وعلى الرغم من الضربات الكبيرة والموجهة التي تلقتها إيران، بدا أن النظام متماسك أكثر مما كان يتخيل الأمريكيون والإسرائيليون، وأن هناك مستوى من اللامركزية في قلب النظام الذي كان يعد نظاماًَ برأس واحد يمثله المرشد الأعلى.
أظهرت إيران قدرة على فتح جبهات عديدة، ابتداءً من تل أبيب، مروراً باستهداف قواعد أمريكية في الخليج، ووضع دول الخليج مجتمعة للمرة الأولى تحت وطأة الحرب، وأيضاً وطأة تداعياتها المستقبلية، والأهم من ذلك، نجحت إيران في تحويل الحرب من نزهة أمريكية إسرائيلية قصيرة إلى أزمة دولية، خصوصاً أن تهديدها باستهداف السفن في مضيق هرمز، منع السفن من العبور، وضغط على أسواق النفط، ورفع أسعاره، ودفع العديد من الدول إلى البدء بسحب النفط من الاحتياطيات.
في الجانب العسكري المحض، لا يمكن المقارنة بين قوة أمريكا وإسرائيل وبين قوة إيران، لكن نقطة ضعف الطرف المهاجم أن القصف الجوي غير كاف لإسقاط النظام، وهو ما يعني أن قرار الانخراط الأمريكي برياً سيكون احتمالاً ضعيفاً، وفي حال حدوثه لن يكون مؤثراً، فلا تمتلك واشنطن اليوم حلفاء يساندونها كما في غزوها العراق في 2003.
اعتماد إيران على المسيرات قليلة التكلفة نسبياً إذا ما قورنت بالصواريخ الاعتراضية الأمريكية والإسرائيلية، يزيد من تكلفة اعتراض المسيرات، عدا عن قدرة إيران على إنتاج آلاف المسيرات شهرياً، في الوقت الذي لا يمكن فيه تعويض الصواريخ الاعتراضية بسهولة.
القصف الإيراني اليومي على إسرائيل، خصوصاً بعد دخول صواريخ إيرانية المعركة في اليوم العاشر للحرب، والإغراق الناري، بدأ يضغط على حكومة بنيامين نتنياهو، التي اتخذت إجراءات مشددة لمنع بث أي صور أو فيديوهات لأماكن الاستهداف، وهو ما يعني أن الخسائر أكبر بكثير مما تصرح به.
سوريا ولبنان، هما في قلب الحرب، فبينما تحاول إسرائيل استكمال القضاء على “حزب الله”، بعد إعلان الحزب دخوله على خط الحرب، وإطلاق صواريخ تجاه مدن عدة في إسرائيل، وأيضاً التنسيق الناري المشترك مع طهران، صعدت إسرائيل ضرب البنى المدنية في الجنوب وضاحية بيروت الجنوبية، ما أدى إلى أكبر موجة نزوح، حيث تقدر الأعداد بأكثر من 700 ألف نازح.
في سوريا، دفعت سلطة الأمر الواقع في دمشق، بمجموعات من وزارة الدفاع إلى الحدود مع لبنان، بذريعة حماية الحدود، لكن هناك تداول لاحتمال انخراط السلطة في حرب مع “حزب الله”، ولئن كان هذا الاحتمال مستبعداً حتى الأن، إلا أن تحوله إلى واقع، فيما لو تطورت الأمور، سيكون له انعكاسات كارثية على سوريا ولبنان في الآن نفسه.
رأي الحزب:
نحن في الحزب الدستوري السوري نعتقد أن:
1-الحرب الحالية هدفها الاستراتيجي يتجاوز إيران نفسها، فأمريكا/ ترامب تريد وضع قواعد جديدة للنظام الدولي، وتهيئة البيئة الاستراتيجية لمشروعها الموازي لمبادرة “الحزام والطريق” الصينية، وفي الجانب الإسرائيلي، يعتقد نتنياهو أن هذه الحرب فرصة لا تعوض لتتويج إسرائيل القوة المهيمنة الأكبر في الشرق الأوسط.
2- نأي أوروبا عن الحرب ورفضها، وترك ترامب لوحده في الميدان، يؤكد على نشوء استراتيجية أوروبية تعمل على مزيد من الاستقلالية عن واشنطن، وتنويع سلة الخيارات، وإعادة تدوير الزوايا مع روسيا.
3- تخبط ترامب، وبحثه عن حلفاء وازنيين لتأمين الملاحة في مضيق هرمز، والتكاليف السياسية التي ستظهر مع الانتخابات النصفية بعد عدة أشهر، سيكون من شأنها أن تدفع إلى تغييرات كبيرة في المشهد الدولي.
4- سعي إسرائيل إلى إثبات تفوقها العسكري والتكنولوجي، والذي كان الجميع يخشاه ويقيم له وزناً وحساباً، بدا أنه – مع استعماله- قابل للاستنزاف، وأن هذا التفوق وحده غير كاف لإحراز نصر استراتيجي على إيران.
5- دول الخليج، التي تركت لأطراف إقليمية ودولية أن تمسك بزمام الأمن والاستقرار في المنطقة، وتجاهلت تفتيت أمريكا وإسرائيل للدول الوطنية، وأحياناً انخراط دول الخليج بشكل غير مباشر، كشف في هذه الحرب عن قصور في الحسابات، بما فيها حسابات الأمن الوطني الخاصّة بكل دولة على حدة.
6- من مصلحة دول الإقليم، وضمناً سوريا، ألا تنفرد إسرائيل لوحدها في التحكم بمنظومة الأمن والاستقرار في المنطقة، وبالتالي، فإن دعم مسعى بناء الدول الوطنية، سيكون مفتاحاً أساسياً يقف في وجه تفرد أي دولة إقليمية بأمن واستقرار المنطقة.