رأي

“السلطة” وإلغاء الطبقة والحزب لمصلحة الطائفة

المراقب لحال السجال السوري العام منذ استلام سلطة الأمر الواقع للحكم قد يخرج بانطباع مفاده أن السوريين منهمكون في تظهير أنفسهم كأبناء طوائف، وأن لا فروق اجتماعية واقتصادية وأيديولوجية بين أبناء الطائفة الواحدة، فجميع السنة هم سنة فقط، وكذلك العلويون والدروز والمسيحيون، ليس بينهم فلاحون وعمال وطبقة وسطى ورجال أعمال وأكاديميون وحرفيون، أو ليس بينهم من هو قومي أو شيوعي أو ليبرالي، أو أن السوريين كلهم مؤمنون بعقائدهم، وليس بينهم ملحدون لا يؤمنون بأي إله أو دين، وليس بينهم من هم مؤمنون لكن لا يعيرون الرابطة الدينية أهمية تُذكر، ويفضلون عليها الرابطة الوطنية والمواطنية.

وفق منظمة العمل الدولية، كانت نسبة المشتغلين بالقطاع الزراعي السوري في عام 2010 حوالي 15% من القوى العاملة، يُقدّرون بنحو 655 ألف عامل وعاملة، وهؤلاء الفلاحون يمتدون على مساحة واسعة من الخارطة السورية من الشمال إلى الجنوب، وتتنوع محاصيلهم بحسب كل منطقة، بحسب خصائص التربة والماء والمساحة والعادة، إذ إن طبقة الفلاحين نفسها يمكن تقسيمها إلى فئات عدة، وبحسب حنا بطاطو، عالم الاجتماع الأمريكي الفلسطيني، فإن فلاحي سوريا ينقسمون إلى فئات عديدة، وهو ما أوضحه في كتابه المرجعي الشهير “فلاحو سوريا”، حيث ميّز بين الفلاح البستاني كما في أراضي غوطة دمشق، وبين الفلاح الذي يعمل في السهول كما في الساحل وإدلب، أو فلاح الجبال كما في جبال الساحل والسويداء، وأيضاً هناك الفلاح البدوي في منطقة حوض الفرات.

وإذا كان تقسيم طبقة الفلاحين إلى فئات أمراً ضرورياً لمعرفة أحوالهم وطرق تفكيرهم وميولهم السياسية والثقافية، فإن الأمر ذاته ينطبق على الطبقة العاملة، التي تتوزع على قطاعات مختلفة: البناء، النقل، الخدمات، التعليم، الصحة، وغيرها، فلكل فئة من هؤلاء خصوصياتها التي تسهم في تشكيل وعيها وآرائها وميولها السياسية والثقافية، وبالتالي، فإنه من الخطأ المعرفي النظر إلى هذه الطبقة فقط من خلال ما تقدمه من قوة عمل وإنتاج، إذ لا بد من أخذ الفروق الموجودة بين القطاعات الإنتاجية نفسها.

ولقد عاش قادة وعناصر الفصائل الإسلامية الراديكالية، وفي مقدمتهم “هيئة تحرير الشام”، في ظل صراع عنوانه الأيديولوجي والعقائدي ديني سلفي، وفي تاريخ هذا التيار وكل تيارات الإسلام السياسي، ليس هناك أي دور مهم للتقسيم الاجتماعي بحسب الطبقة، فالناس بالنسبة لهم منقسمون بحسب انتمائهم الديني والطائفي، وبين المؤمن والكافر، ولا حاجة بعد هذا التقسيم إلى أي تصنيف آخر على أساس اقتصادي أو اجتماعي، أو لأية مصالح يفترضها هذا التصنيف.

إذاً، نحن أمام سلطة أمر واقع تحكم وليس في وعيها السابق أو الحالي أي رؤية للمجتمع على أساس تكوينه الطبقي أو السياسي، وحق هذه الطبقات، أو الفئات المهنية، في تشكيل أحزاب سياسية تلبي تطلعاتها، أو نقابات مهنية تدافع عن حقوق خاصة لفئة مهنية محددة، وقد رأينا كيف وضعت يدها على النقابات كما وضعت يدها على السلطة، وكيف عيّنت في كل مؤسسة شيخاً هو المرجعية الأولى والأخيرة فيها، بحيث باتت المؤسسات العامة تُدار عبر الشيخ، أي عبر عقلية الإفتاء، وليس عبر أولوية القوانين والكفاءات، أو عبر نقابات تتنافس برامجياً.

إن مسار سلطة الأمر الواقع نحو هندسة المجتمع بطريقة تشرعن بقاءها وتحقق بقاءها في الحكم، يقوم على عامل عقدي مفصلي، وهو دفع السوريين إلى تبني تعريفات جمعية بدلالات الهويات الدينية والطائفية، وبالتالي يبدو مفهوماً سياق ما ارتكبته قواتها من مجازر في الساحل والسويداء، حيث إن الهدف الأساس هو دفع العلويين إلى التعامل مع أنفسهم كعلويين، وكذلك الدروز، فهذه المجازر التي ارتُكبت على أساس طائفي واضح لها هدف سياسي واحد، وهو جعل المجتمع منقسماً بين السنة بوصفهم الأكثرية وبين الأقليات الدينية والمذهبية.

تاريخياً، وباستثناء الإخوان المسلمين، فقد ضمت الأحزاب السورية التي نشأت تحت الانتداب الفرنسي وبعد الاستقلال أعضاء من جميع المكونات الدينية والطائفية السورية، وقد شكّل الأعضاء الذكور والإناث السنة القسم الأكبر من تركيبة معظم الأحزاب، بما في ذلك حزب البعث، حيث كان الأعضاء السنة فيه أكثر بما لا يقاس من كل المنضوين في تنظيم الإخوان المسلمين، نظراً لكون السنة هم الأكثرية في البلاد، ونظراً لكون بعض المحافظات لا تضم سوى نسبة قليلة من الأقليات الدينية والمذهبية، كما في محافظة إدلب.

ولم يعد يخفى أن سلطة الأمر الواقع ترغب في بناء نموذج حكم مستوحى من نظام الحكم في دول الخليج العربي، من دون أن ترى الفوارق الأساسية التاريخية والاجتماعية والاقتصادية بين سوريا ودول الخليج، فهذه الأخيرة تأسست عبر ارتفاع الريع النفطي، وقامت بالأساس على عصبية القبيلة والعائلة الحاكمة في مجتمعات قبلية بالأساس، ليس لها تاريخ في الزراعة والحرفة، ولا يزال فائض الريع فيها يشكل عامل ضبط للتناقضات الاجتماعية، في الوقت الذي عرفت فيه سوريا الأحزاب السياسية منذ عام 1919، مع تأسيس حزب الاستقلال العربي، كما شهدت سوريا تنافساً حزبياً على تمثيل الفلاحين والعمال، خصوصاً بين حزب البعث وبين الحزب الشيوعي، كما أن جميع الأحزاب تبنت أيديولوجيا تضع في حسبانها الحوامل الاجتماعية والتقسيمات الطبقية.

لا يمكن لهذا المسار الذي تمضي فيه سلطة الأمر الواقع أن ينجح، فعلى الرغم من كون المجازر التي ارتكبتها قواتها قد دفعت نحو إعادة قسم كبير من الدروز تعريف أنفسهم كدروز، وهذا أمر يحتاج إلى شرح ملابسات عديدة، ليس بإمكان مساحة هذا المقال شرحها كاملة، إلا أن تلك المجازر فشلت إلى حد كبير في الساحل السوري، وأيضاً لأسباب يطول شرحها، لكن فشل هذا المسار سيكون ناتجاً عن عوامل عديدة، أهمها أن سوريا بلد منكوب، معظمه اليوم من الفقراء، ولا يوجد ريع مالي يمكن تقديمه كرشوة سياسية، بل على العكس من ذلك تقوم «السلطة» بفرض ضرائب كبيرة على المواطنين، مباشرة وغير مباشرة، بحيث إن سردية الأوضاع الاجتماعية وصعوبتها أصبحت اليوم أقوى بكثير من السردية الطائفية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق