ثقافة

هل تكفي المظلومية لبناء سردية محقّة؟

1-

من المعروف أنّ اللّفظ في العلوم الاجتماعية يتجاوز معناه المعجمي ليتحوّل إلى مصطلح، أي أنّه يتوقف عن كونه مجرّد وصفٍ لغويّ ويتحوّل إلى أداةٍ مفاهيمية وتحليلية تُستخدم لتفسير ظاهرة اجتماعية محدّدة وتحديد أبعادها. وعلى هذا لا يُمكن قصر “المظلومية La victimisation” على أنّها مجرّد حالة الإحساس بالظُّلم الواقع على جماعة ما دون وجه حقّ بقدر ما هي آلية لتشكيل هُوية أو خطابٍ جمعي تتبنّاه النّخبة السّياسية و/أوْ الدّينية لجماعةٍ ما لبناء سردية تاريخية حول تعرّضها للتّهميش من قبل جماعة أوْ جماعات أخرى.

تختلف “المظلومية” عن الظّلم، فالظّلم “L’injustice” لا يُمكن (أو لا يجب) إنكاره، وهو، أي الظّلم، مُدان دوماً بغض النّظر عن سياقه التّاريخي أو البنيوي. طبعاً لا يُمكن إغفال هذه السّياقات أثناء تحليل الحوادث التي أنتجت الظّلم، ولكن المقصود أنّ “الظّلم”، باعتباره يُشير بالأصل إلى تهميش، أو عدم مساواة، أو اسْتهداف فرد أو جماعة ما، يبقى، أو يجب أنْ يبقى، مُداناً. أمّا “المظلومية” فهي خطابٌ يسعى لاستثمار وتسييس هذا الظّلم في محاولة لبناء سردية “Une narration” تُفسّر كل تاريخ الجماعة بناءً على واقعة الظّلم هذه، هذه السّردية، سردية الضّحية “La posture victimaire” تتّخذ من الشّعور بالاستهداف مركزاً لها لتُستخدم كأداةٍ للتّعبئة والتّحريض السّياسيين، وكذلك للتّأكيد على الهُوية التي تجمع الجماعة التي تعرّضت للظّلم ليصبح خطابها هو (نحن وهم)، نحن الضّحايا وهم المجرمون، وبهذا تؤدي المظلومية أهمّ أدوارها: يتحوّل الشّعور من مجرّد إدانة للظّلم ولمرتكبيه إلى هُوية مركزية للجماعة تُنكر بواسطتها أي مسؤولية محتملة وإلقاءَ اللّوم بشكلٍ دائم على الآخرين. تكمن خطورة “المظلومية” في أنّها تُحوّل مطلب الحقّ في العدالة إلى منظومة تُغلق دائرة الحوار، وتنزع الشّرعية عن الآخر، وتُعفي الجماعة التي تستخدم “المظلومية” نفسها من المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية ممّا يمنعها من قبول الحلول الممكنة.

-2-

بدايةً نُشير إلى أنّنا نتفق مع الرّأي القائل بأنّ المجتمع السّوري هو مجتمع فسيفسائي أكثر من كونه مجتمعًا متنوّعاً، والفرق بين هاتين الطبيعتيْن فرقٌ كبير. فالمجتمع الفسيفسائي هو مجتمع متعدّد لكن الحدود بيْن مكوّناته هي حدود صلبة واضحة يصعب اختراقها، تمامًا كلوحة الفسيفساء التي تتكوّن من قطع موزاييك عديدة، متجاورة دون أيْ اندماج بينها. بهذا التّشبيه يمكننا المضي والقول إنّ لكلّ جماعةٍ من الجماعات السّورية حدود خارجية تعزلها عن غيرها، وبنية داخلية تعمل وفق نظامٍ مستقلّ خاصّ بها. هذا لا يعني أن كلّ منها عبارة عن كتلة متجانسة، على العكس. لكنّ هُويات هذه الجماعات صيغت بناءً على عزلها عن محيطها.

وعلى ذلك، فإنّ المشهد السّوري يكتظّ بمظلوميات جماعاتية يعزوها الكثير من الباحثين والمهتمين بالشّأن السّوري إلى التّعدد الإثني والدّيني الهائل الذي تتمتّع به سوريا، ولكنّنا نعتقد أنّ السّبب الرّئيس لتعقّد الحالة السّورية لا يعود إلى التّعدد بقدر ما يعود إلى سوء إدارة هذا التّعدد من قبل السّلطات المتعاقبة التي استحوذت على الحكم، الأمر الذي حوّل هذا التّنوع إلى نقمة في الوقت الذي كان يمكن أن يكون نعمةً للبلاد والعباد.

في الحقيقة فإنّه يُمكن رصد أربع سرديات كبرى لمظلوميات جماعاتية سورية، هي المظلومية السّنية والعلوية والكردية والدّرزية، تتغذى كلّ منها على ميكانيزمات نفسية واجتماعية تضع الجماعة دوماً في خندق الضّحية التي لا تتعامل مع الظّلم على أساس أنّه حدثٌ تاريخي عارض يجب تجاوزه بقدر ما تسعى إلى “شرعنته” وتغذيته باستمرار ليصبح هو الرّكن الأساسي الذي تُبنى عليه الذاكرة والهُوية الجمعيّتَيْن. فسوريا، وبلاد الشّام عموماً، عانت من أحداثٍ مأساوية على مرّ تاريخها الذي شهد حروباً وويلاتٍ كثيرة، وبالتّالي انتهاكات وتجاوزات قامت بها الجماعات بحقّ بعضها البعض منذ الخلاف السّني – الشّيعي حول الخلافة وحتّى وقتنا هذا. هذه السنوات الطويلة من الحروب والانتهاكات، ومن بعدها سنوات الاستبداد في الفترة العثمانية ومن ثمّ الاستعمار والحكم الوطني بعد الاستقلال، لم تُنتج مآسٍ مادية وإنسانية فحسب، بل أسّست كذلك لسيكيولوجيا جمعية صلبة تُستدعى عند بوادر كلّ أزمة وطنية.

لكلّ مظلومية من المظلوميات الأربع الكبرى سمتها الحادّة التي تُشكّل وجدانها العام، وهي سمات تُميّز أي مظلومية، فكلّ جماعة تعرضّت للظّلم تبني سرديتها على الحاجة المستمرة للاعتراف بمعاناتها، وهي تسعى للمطالبة بالاعتراف الحصري بآلامها، أو على الأقل، إلى تعظيم ألمها وتقديسه مقابل التّقليل والاستخفاف بآلام غيرها. وبسبب تعرّضهم الشّديد لظلم النّظام السّابق تتمركز السّردية السّنية على ما عانته من تهجيرٍ وقصفٍ، أكثره بشاعةً ما تعرّض له أبناء الغوطة الشّرقية لدمشق من قصفٍ كيماوي. ويعاني الكُرد على مرّ تاريخهم في سوريا من تهميشٍ ديمغرافي ولغوي، إضافةً إلى الحملة الكبرى من القمع والاعتقال التي تعرّضوا لها في العام 2004 على يد نظام بشّار الأسد. بعد سقوط نظام الأسد، تعرّضت الأقليتان العلوية في السّاحل السّوري، والدّرزية في جبل العرب إلى مجزرتين عنيفتين كادتا أن تستهدفا وجودهما على يد السّلطة السّورية الجديدة المدعومة بـ “فزعات عشائرية” كانت قد عانت بدورها من تهميشٍ قاسٍ على يد نظام الأسد.

هذه السّرديات المختلفة خلقت ما يمكن تسميته بـ “صراع المظلوميات” “La concurrence victimaire”، وهو تنافسٌ يمنع أي طرف من التّعاطف مع جراح الطرف الآخر، إذْ يعتقد صاحب المظلومية أنّ حجم الظّلم الذي تعرّض له يمنحه تفوقاً أخلاقياً استثنائياً على غيره، ما يُسهم في تحييد فكرة المواطنة القائمة على افتراض أنّ المواطنين متساوون من دون أي ميزة استثنائية لفردٍ، أو جماعة. هذه النخبوية الأخلاقية، وفي معرض دفاعها عن نفسها وتبرير تفوقها، تستحضر على الدوام مظالم الماضي لتفسير تعقيدات الحاضر، فغالباً ما يتمّ التذكير بإحصاء البعث عام 1962 كردياً، ومجازر الثمانينات وقصف البراميل سنيّاً، وفي هذه الآونة مجازر السّاحل والسّويداء عند العلويين والدّروز، ليصبح حاضر هذه الجماعات امتداداً ديناميكياً لأوجاع الماضي. اجترار “الذّاكرة الجريحة” هذا هو ما يولّد حالة التّمركز حول الذّات التي تعجز عن رؤية الظّلم الذي وقع على باقي الجماعات، ما يُفسّر ضعف التّضامن مع آلامهم وأوجاعهم، وتُصبح مظالم الآخرين بالنسبة لسردية المظلومية مجرّد ادعاءات أو مبالغات.

عندما تغيب الدّولة تسعى “السردية المظلومية” للجماعة دوماً إلى التنافس مع سرديات باقي الجماعات في محاولة لإقصاء إمكانية الشّراكة في الوطن بين كافة المواطنين. لذلك ينظر من يتبنّى هذه السّردية من الأكثرية الدّيمغرافية السّنية إلى باقي المواطنين على أنّهم مواطنو درجة ثانية في بلدٍ يتكوّن من أكثرية دينية/قومية وعدّة أقليات. هناك لهجة منّة وتفضّل ملحوظة في خطابات إعلاميين ومؤثري وسائل التّواصل، وحتّى على الإعلام الرّسمي، فلغة من قبيل “لا نريد…” و “لا نقبل…” و “نحن من حرّر..” منتشرة جداً وسط تساهلٍ كبير من قبل السّلطة الحاكمة التي تعتبر نفسها ممثّلة للأغلبية الدّينية لا لكل السّوريين. يُقابل هذه اللهجة من نخب الأكثرية خطابٌ أقلوي يدعو صراحةً إلى الانفصال، أو على الأقل إلى ترك أموره لممثليه الدّينيين والسّياسيين كي يديروها. في الخطابيْن تغيب المواطنة، ويغيب الإنسان الفرد، ويغيب معنى الوطن.

إقصاء الشّريك يستوجب استدعاء الصّدمات التّاريخية دوماً، خصوصاً أنّ المجرم في خطاب المظلومية هو “الكل”، كلّ من ينتمي إلى الجماعة الأخرى هو متّهم إلى أن يثبت العكس، بل وفي بعض الأحيان حتّى لو ثبت العكس. ففي خطاب المظلوميات لا وجود لكلمة “ولكن”، عليك أن تتبنّى خطاب الضّحايا كما يُصدّره ممثلوه وإلّا فإن تضامنك مشكوكٌ فيه، ذلك أنّ التّاريخ أضحى سلاحاً أيديولوجياً لصياغة سردية الإقصاء، فنحن “كلنا” ضحايا، وهم “كلهم” جناة، وإشاعة جو الرّيبة والشّك هذا هو ما سيؤدي إلى تغليب الهُويات الفرعية وإعاقة بناء الدّولة الوطنية الجامعة.

تتغذى هذه السّردية التّنافسية على تحويل كلّ جماعة لخصمها إلى كائن نمطي كلّي شامل ومتجانس، فالآخر ليس مواطناً له متطلّبات وحقوق، بلْ هو “مجرم مفترض”. إنّ استمرار هذا النمط من السّرد يُحوّل المظلوميات الأربع الكبرى في سوريا إلى سواتر دفاعية تمنع الالتقاء، وتُشعر كلّ طرف بأن التنازل عن جزء من سرديته هو خيانة لدماء ضحاياه.

ترتهن الجماعة بفعل فاعليها الدّينيين والسّياسيين لسردية مظلوميتها، فتصبح كلّ تصرّفاتها عبارة عن ردود أفعال على ما يفعله الآخرون، فيشيع منطق إلقاء اللّوم على الآخرين على حساب منطق البناء والنّقد الذّاتي، ما يكرّس “عقدة المظلومية” التي تهدم أي مشروع لـ “الفاعلية الذّاتية”، وهو الأمر الذي يُبقي المجتمع مشلولاً أمام استحقاقات بناء الدولة والمواطنة الجامعة، ويُعطّل إنتاج قادة أو حركات سياسية قادرة على طرح مشاريع وطنية عابرة للهويات الضيقة وقادرة على معالجة نتائج الظّلم الذي وقع والتعامل بإيجابية مع أي مبادرة وطنية.

-3-

إنّ معالجة المظلوميات السّورية الأربع الكبرى (السّنية، والكردية، والعلوية، والدّرزية) ومحاولة تفكيكها والتعامل معها بتحليلٍ نقدي لا يجب أنْ يُفهم على أنّه محاولة لإنكار المعاناة والمجازر أو طمساً لوقائع حدثت فعلًا في التّاريخ القريب، بل على العكس، هو عملية فصل نقدية بين الظّلم وبين استغلاله كأيديولوجيا مغلقة، تمييزٌ ضروريٌّ برأينا بيْن الضّحية وبين من يدّعي تمثيلها ويستثمر في ألمها لتحقيق مكاسب سياسية. ولتجاوز هذا الأفق المسدود يحتاج المجتمع السّوري إلى الاستعاضة عن “شعبوية الضّحية” بمنظومة عمل تتأسّس على الفاعلية الأخلاقية، والعدالة الانتقالية، والمواطنة الجامعة.

الأمر يبدأ من “تفكيك السّرديات” الدّاعمة للمظلوميات عبر قيام النّشطاء الدّيمقراطيين داخل كلّ جماعة بإنتاج خطابٍ مضاد لخطاب المظلومية، خطابٌ ينتقل، وبشكلٍ واضحٍ لا لبس فيه، من اختزال الجماعات في مواقف سياسية نمطية إلى تثبيت مبدأ “الفردانية الجنائية والأخلاقية”. فقانوناً لا يجوز تجريم جماعة أو طائفة بأكملها. لا يمكن تحميل كلّ السّنة جريرة المجازر التي تعرّض لها العلويون والدّروز العام الماضي، ولا يمكن أن يكون كلّ العرب مسؤولين عن الاضطهاد المجتمعي والثّقافي والسّياسي الذي تعرّض له الكُرد، ومن غير العملي بالطّبع الطّلب من كلّ العلويين الاعتذار عن المجازر التي لحقت بالسّنة منذ الثمانينات لمجرّد أنّ رؤوس الأجهزة الأمنية للنّظام السّابق تنتمي بمعظمها إلى الطّائفة العلوية.

تفكيك السّرديات المغلقة يتطلّب مراجعة القراءات التاريخية السّطحية، وهي في الحقيقة قراءات غربية في الأصل، تُصوّر التّاريخ السّوري وكأنّه تاريخ صراعٍ أبدي بين جماعات متناحرة، بيْن “ضحايا مطلقي النقاء” و”جناة مطلقي الشرّ”. يتيح هذا التفكيك التّمييز بين الحقوق المشروعة اللّازمة لمعالجة آثار الظّلم، وبين تحويل الظّلم إلى مظلومية تنافسية هدفها الأوّل هو إقصاء الشّريك الوطني، أو الانفصال عنه.

-4-

لا يمكن نكران فضل التّسامح في معالجة الآثار المجتمعية النّاتجة عن المظالم، ولكنّ تفكيك المظلوميات لا يمكن أن يمرّ كذلك عبر الدّعوات العاطفية للتسامح من دون معالجة الجراح. لذا فإنّ مسار العدالة الشاملة يقتضي تفعيل آليات موضوعية تتجاوز المنطق الثأري، وذلك ضمن آليات تهدف إلى كشف الحقيقة والاعتراف المتبادل بالآلام، والتّأكيد على مبدأ المحاسبة الفردية العادلة من دون انتقام جماعي، وجبر الضّرر المادي والمعنوي للضّحايا، والإصلاح المؤسّسي والدّستوري لضمان عدم التّكرار.

إنّ المصلحة الوطنية الآن، وأكثر من أي وقتٍ مضى، تتطلّب البدء في بناء “هيئة وطنية لكشف الحقيقة والمصالحة” تُوثّق جراح جميع المكوّنات بشرعية متساوية، وتكسر احتكار أي طرف للمعاناة، وتحوّل الذّاكرة التّنافسية إلى ذاكرة مشتركة تحمي المستقبل. وهناك العديد من التّجارب العالمية التي يُمكن الاهتداء بها.

إنّ التّعددية هي قدر سوريا والسّوريين، وهي نعمة عُظمى فيما لو أُحسن استغلالها، ولا ينبغي لهذا القدر أنْ يبقى رهيناً لمرارات الماضي أو أسيراً لتنافس السّرديات المغلقة. فالمظلومية حين تتحوّل إلى هوية مغلقة لا تُنتج إلاّ إعادة تدوير الخوف وتأبيد العجز المكتسب. فالمظلومية لا تستطيع سوى إنتاج مظلومية مقابلة، وتجاوز هذا الانسداد التاريخي لا يعني بحالٍ التغاضي عن العدالة أو طمس حقيقة المعاناة، بل يعني امتلاك الشجاعة الأخلاقية لفصل الجراح عن استحقاقات بناء المستقبل.

إنّ الأفق الوطني السّوري المأمول يقتضي القطع الحاسم مع منطق المحاصصة والارتهان لخوف الجماعات، واتخاذ القرار الشّجاع بالانتقال نحو دولة المواطنة المتساوية وسيادة القانون. دولةٌ تعترف بخصوصيات أبنائها وتصون حقوقهم من دون أن تفرّط بفيض هويتها الجامعة، وتضمن ألّا يُحرم كرديٌّ من لغته، ولا يُظلم سنيٌّ في حقه، ولا يُستعدى علويٌّ أو درزيٌّ بجريرة متخيّلة واهية لا جريرة له فيها.

إن التفاف السّوريين حول مشروع وطني يتأسّس على العدالة الانتقالية هو الطّريق الوحيد لكسر طوق التّفتت. وبذلك فقط، تتحول المعاناة من قيدٍ يكبّل الإرادة إلى درسٍ صلبٍ يمنع تكرار المأساة، ويُعيد إطلاق الطّاقات السّورية لبناء دولة ديمقراطية، دولة مواطنة متساوية تتسع لكل مواطنيها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق