ثقافة

هاني الراهب …الرواية في مساءلة الواقع تاريخياً واجتماعياً وتراثياً

حدْس – هيئة التحرير: 

قبل هزيمة عام 1967 بست سنوات، نشر هاني الراهب (1938-2000) روايته الأولى “المهزومون” التي فازت حينها بجائزة الرواية في مجلة الآداب اللبنانية، والتي كتبها خلال ثلاثين يوماً، كاشفاً في عمله الفني عن الأسباب الاجتماعية العميقة للهزيمة، هزيمة الثقافة العامة والإرث الثقيل للعادات والتقاليد، في اشتباك مع البنية العميقة للمجتمع وليس فقط مع ظاهره السياسي، وقد بقي الراهب خلال مسيرته الإبداعية أميناً لهذه الرؤية التي تغوص فيما هو أبعد من السطح، في معالجتها للواقع.

من قرية مشقيتا في ريف اللاذقية إلى دمشق التي درس فيها الأدب الإنجليزي إلى بريطانيا حيث نال شهادة الدكتوراه، ومن ثم مسيرته في التعليم الأكاديمي، منحته الكثير من الحساسيات والمعارف والأدوات، ففي الوقت الذي كانت فيه الرواية السورية تراوح بين الواقعية وبين الأيديولوجيا والتاريخ، طور الراهب تقنياته الروائية من حيث الاهتمام ببنية العمل الفني واللغة وتعدد الأصوات في الرواية، بالإضافة إلى البعد الملحمي الذي سيظهر بشكل جلي في واحدة من رواياته “الوباء” التي عُدت من بين أهم مئة رواية عربية.

في مسيرته الروائية، هناك مشروع تبلور من عمل إلى آخر، وفي عمق هذا المشروع الروائي هناك مشروع نقدي متعدد الطبقات: نقد المجتمع، ونقد المثقف العربي، ونقد التاريخ، فبعد “المهزومون” أصدر الراهب روايته “شرخ في تاريخ طويل” في عام 1970، ثم “ألف ليلة وليلتان” في عام 1977، حيث يتضح مشروع الراهب الكشفي حول استمرارية الماضي في الحاضر، وهيمنة التاريخ عليه، وكأننا أمام حلقة مفرغة تستهلك حيوات الناس عبر الأجيال.

لكن تجربة هاني الراهب، دخلت مع ثمانينيات القرن الماضي منعطفاً جديداً، ليس بالقطع مع مشروعه السابق وإنما بفتح هذا المشروع على آفاق إنسانية أوسع، حيث ستحضر أسئلة الانتماء والمنفى والفردية بقوة في روايته “بلد واحد هو العالم” في عام 1985، و”التلال” في عام 1989، حيث لا تعود أزمات الفرد العربي أزمات محلية وتاريخية فقط، وإنما جزء من أزمات تمتد إلى ما وراء الجغرافيا والتاريخ، إلى المأزق الوجودي للإنسان نفسه.

رواية الراهب “ورسمت خطاً في الرمال”، الصادرة في عام 1999، حازت على تقدير نقدي كبير، ووضعته بحسب عدد من النقاد في مصاف أهم كتاب الرواية السوريين، وقد مزج الراهب في روايته بين تقنيات الكتابة وبين تقنيات السينما، ليضع القارئ أمام مشهديات متعددة، في عمل يتسم بالجرأة والبنية الفنية المتماسكة والخيال والتراث، مستثمراً في التاريخ والواقع والأسطورة، خصوصاً أن الرواية في عمقها تغوص في التاريخ الإسلامي من جهة، وبين مآلاته الحاضرة، خصوصاً في دول الخليج العربي، بعد اكتشاف النفط.

تناول الراهب في هذه الرواية شخصيات وعصور إسلامية مختلفة، كاشفاً عن تناقضات تاريخية عديدة، في مقدمتها التناقض بين الانطلاقة الأولى للإسلام وبين تحولاته اللاحقة من جهة، وتحويل أنماط الفهم والعبادة إلى حالة صنمية، معيقة للتطور العربي والإسلامي، وقد أوضح الراهب في حوار أجراه مع الصحفية ماري عيسى لموقع الحوار المتمدن، بعد الغزو الأمريكي للعراق، أن روايته “رسمت خطاً في الرمال” هي شكل من أشكال المساءلة للتاريخ والواقع والسياسة، خصوصاً في منطقتنا العربية.

يقول الراهب: ” الرواية فعلاً صرخة،  لقد عشت هذه الأحداث و المرحلة، و أحسست أن إنسانيتي قد هدرت , واردت ان أصرخ بأنني أريد أن أسترد إنسانيتي التي هدرت لأسباب تذكرها الرواية و أهمها ظهور النفط، فظهور النفط تعتبره الرواية مثل ظهور الإسلام، وكان يمكن أن ينتج حضارة عظمى،  لكن الذي حدث أنه فعلاً مثلما قال تشرشل صار على رأس كل بئر نفط (وليس حقل) حكومة عربية،  فالنخب العربية التي كان من المفروض منها أن تؤسس لمجتمع جديد وإنسانية جديدة وحضارة جديدة، اكتفت بالموقع الصغير الذي تمكنت أن تحتله وتقتطعه من جسد الوطن العربي وتقيم عليه دولة، وكانت النتيجة أننا الآن كلنا ضائعون مذلون مهانون تائهون أو متخمون و في كل الأحوال فاقدون إنسانيتنا، ليتني أستطيع الآن استحضار أمثلة عن هدر كرامة الإنسان في مجتمعات النفط في هذا الحوار”.

ونحن نستعيد هاني الراهب ومشروعه الروائي الإبداعي، لا يمكننا القفز فوق مشروع المساءلة التاريخية والاجتماعية والتراثية والإنسانية الذي انطوى عليه مشروعه الروائي، خصوصاً بعد ما آلت إليه البلاد، وما وصلت إليه سياسياً واقتصادياً وثقافياً، وهيمنة النسخة السلفية على الحكم والفضاء العام، وكأنها تأكيد على فكرة الهزيمة واستمرارها في واقعنا السوري.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق