التقرير السياسي لشهر سبتمبر/ أيلول 2026 ….. من صراع الممرات إلى احتجاجات سوريا: الحروب الخارجية تفاقم أزمات الداخل

تتسع خلال الشهر الجاري دائرة الاضطراب الدولي والإقليمي، مع تعثر المسارات التفاوضية في الحرب الروسية الأوكرانية، وعودة التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران بعد انهيار التفاهمات المؤقتة بينهما، وانتقال الحوثيين إلى مستوى جديد من النفوذ العسكري في باب المندب والبحر الأحمر. ويضع ذلك اثنين من أهم الممرات البحرية في العالم، مضيق هرمز وباب المندب، تحت تأثير إيران والحوثيين.
وتنعكس هذه الصراعات مباشرة على أسعار الطاقة وحركة التجارة، وعلى الأوضاع السياسية والاقتصادية في دول بعيدة عن ساحات الحرب، ففي الولايات المتحدة، أصبحت الحرب ضد إيران وارتفاع تكاليف الطاقة جزءاً من المعركة الانتخابية قبل انتخابات التجديد النصفي، بينما تشهد ألمانيا صعوداً غير مسبوق لحزب «البديل من أجل ألمانيا»، في ظل تراجع الأحزاب التقليدية واتساع القلق من الأوضاع الاقتصادية والهجرة والحرب.
وفي سوريا، فجّر رفع أسعار المحروقات أكبر موجة احتجاجات مطلبية منذ سقوط نظام بشار الأسد، وانتقلت المطالب من الاعتراض على الأسعار إلى تحميل السلطة ومسؤوليها مسؤولية التدهور المعيشي وسوء إدارة الموارد. وتكشف هذه التطورات أن الأزمات الدولية والإقليمية لم تعد منفصلة عن الداخل السوري، بل أصبحت آثارها تنتقل إليه مباشرة عبر أسعار الطاقة والنقل والغذاء.
أولاً- الحرب الروسية الأوكرانية: هجوم مضاد وحرب متصاعدة على الطاقة
شهدت الجبهات الأوكرانية خلال الشهر الجاري تطورات عسكرية لافتة، مع انتقال القوات الأوكرانية إلى شن عمليات هجومية في عدد من المحاور، وأعلنت القيادة العسكرية الأوكرانية أن قواتها استعادت قرى ومساحات كانت القوات الروسية قد تسللت إليها، في عملية عسكرية أُطلق عليها اسم «فيفالدي».
وفي موازاة معارك الجبهات، دخل الطرفان مرحلة أكثر كثافة في استهداف منشآت الطاقة والوقود. فقد واصلت روسيا ضرب محطات الطاقة والموانئ والسكك الحديدية ومستودعات الوقود داخل أوكرانيا، بينما وسّعت كييف عملياتها ضد المصافي والمنشآت الصناعية والعسكرية الروسية، ووصلت بعض ضرباتها إلى منشآت للغاز تبعد نحو ثلاثة آلاف كيلومتر عن الحدود الأوكرانية.
وقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التوصل إلى تفاهم يقضي بوقف الهجمات على منشآت الطاقة، لكن الضربات استمرت من الجانبين، ما أظهر غياب آلية واضحة لتنفيذ هذا التفاهم، وعدم استعداد أي طرف لوقف عملياته قبل الحصول على ضمانات متبادلة. وتظهر هذه التطورات أن الحرب تتجه إلى الاستمرار بوصفها حرب استنزاف طويلة، وأن الجهود الأمريكية لم تنجح حتى الآن في تحويل الاتصالات السياسية إلى تسوية قابلة للتطبيق. كما أن انتقال الحرب بصورة متزايدة إلى منشآت الطاقة يرفع آثارها عن المستوى الروسي الأوكراني، ويحولها إلى عامل إضافي في اضطراب أسواق الطاقة العالمية.
ثانياً- الحرب الأمريكية ضد إيران: انهيار التفاهمات واستمرار أزمة هرمز
دخلت الحرب الأمريكية ضد إيران شهرها السابع من دون أن يتمكن أي من الطرفين من تحقيق حسم عسكري أو سياسي. وقد انهار التفاهم الذي توصل إليه الجانبان في يونيو/ حزيران الماضي، والذي كان يفترض أن تزيل إيران الألغام من مضيق هرمز وتسمح بمرور السفن، مقابل إنهاء الحصار البحري الأمريكي، وتخفيف بعض العقوبات، ومنح إعفاءات لصادرات النفط الإيرانية، وبدء مفاوضات حول برنامج إعادة إعمار.
وكان الخلاف الأساسي متعلقاً بتفسير كل طرف لمسألة السيطرة على المضيق، إضافة إلى العقوبات والبرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين. ومع انهيار التفاهم، عادت الولايات المتحدة إلى تنفيذ ضربات داخل إيران، من بينها استهداف جزيرة لارك، بينما ردت طهران باستهداف قواعد أمريكية في المنطقة، خصوصاً في الأردن.
وتراجعت حركة الملاحة في مضيق هرمز إلى مستويات شديدة الانخفاض، ففي أحد أيام الشهر لم تعبر المضيق سوى أربع سفن تجارية، مقارنة بمتوسط بلغ نحو 125 سفينة يومياً قبل الحرب. كما تعرضت سفن لهجمات وحوادث مرتبطة بالألغام والمقذوفات، في وقت تعثرت فيه مساعي سلطنة عُمان ودول الخليج لاستئناف المفاوضات حول أمن الملاحة.
وتشير هذه التطورات إلى أن إيران تحاول تحويل موقعها الجغرافي في مضيق هرمز إلى ورقة تفاوض استراتيجية تعوض بها اختلال ميزان القوة العسكرية التقليدي لمصلحة الولايات المتحدة. في المقابل، تجد واشنطن نفسها أمام معضلة واضحة، فهي قادرة على توجيه ضربات واسعة، لكنها لم تتمكن من ضمان الملاحة أو فرض تسوية على إيران، في حين يؤدي استمرار الحرب إلى ارتفاع أسعار الوقود وتزايد الأعباء الاقتصادية والسياسية على إدارة ترامب.
وبذلك، انتقلت الحرب من محاولة تحقيق نصر عسكري سريع إلى صراع طويل على التجارة والطاقة والممرات البحرية، يتجاوز تأثيره الطرفين إلى اقتصادات الخليج وأوروبا وآسيا، ويضغط بصورة مباشرة على الدول المستوردة للطاقة، ومنها سوريا.
ثالثاً- الحوثيون وباب المندب: اكتمال الضغط على الممرات البحرية
حققت قوات الحوثيين خلال الشهر الجاري تقدماً عسكرياً واسعاً على الساحل الغربي لليمن، وسيطرت على مدينة المخا ذات الموقع الاستراتيجي، ثم وسعت انتشارها باتجاه مضيق باب المندب وجزيرة ميون. ويمنحها ذلك قدرة أكبر على التأثير في حركة السفن بين البحر الأحمر وخليج عدن.
ولا يعني الوصول إلى باب المندب بالضرورة امتلاك القدرة على إغلاق المضيق بصورة كاملة ودائمة، لكنه يمنح الحوثيين إمكانات أكبر لاستهداف السفن أو تهديدها، ورفع كلفة التأمين والنقل، وإجبار شركات الملاحة على تغيير مساراتها. وقد بدأت حركة السفن عبر المضيق بالتراجع، بالتوازي مع انخفاض الحركة في مضيق هرمز.
كما صعّد الحوثيون هجماتهم ضد السعودية، مستهدفين مدناً ومنشآت عسكرية واقتصادية، في وقت عادت فيه الغارات السعودية واليمنية ضد مواقعهم. وأسفر تجدد القتال عن نزوح أكثر من مئة ألف شخص داخل اليمن، بينما فرّ آخرون بحراً إلى جيبوتي.
ويكشف وصول الحوثيين إلى باب المندب عن تحول مهم في موازين القوة الإقليمية؛ فالقوى المرتبطة بإيران أصبحت قادرة على الضغط، بدرجات مختلفة، على مضيقي هرمز وباب المندب في وقت واحد. وهذا يضع جزءاً كبيراً من تجارة الطاقة الدولية بين نقطتي اختناق بحريتين، ويمنح طهران أوراقاً غير مباشرة يمكن استخدامها في صراعها مع الولايات المتحدة ودول الخليج.
رابعاً- الانتخابات النصفية الأمريكية: الحرب والاقتصاد في مواجهة الجمهوريين
تقترب الولايات المتحدة من انتخابات التجديد النصفي المقررة في الثالث من نوفمبر/ تشرين الثاني، حيث يجري التنافس على جميع مقاعد مجلس النواب، إضافة إلى 35 مقعداً في مجلس الشيوخ.
وتظهر استطلاعات الرأي تقدماً عاماً للديمقراطيين في نيات التصويت للكونغرس، مع تراجع الثقة بأداء الرئيس ترامب في عدد من الملفات، وفي مقدمتها الاقتصاد وارتفاع تكاليف المعيشة والطاقة. وأظهر استطلاع حديث أجرته «الإيكونوميست» تقدم الديمقراطيين بين الناخبين المحتملين بنسبة 49% مقابل 38% للجمهوريين، مع بقاء النتائج الفعلية مرتبطة بتوزيع الأصوات بين الدوائر الانتخابية، وليس بالفارق الوطني وحده.
وتتحول الحرب ضد إيران إلى عبء متزايد على الجمهوريين، بعد فشل الإدارة في فتح مضيق هرمز أو إنهاء القتال، وارتفاع أسعار الوقود والنقل، كما أن استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، واستهداف منشآت الطاقة الروسية والأوكرانية، واضطراب باب المندب، تضيف جميعها ضغوطاً إلى السوق الأمريكية.
وتحاول إدارة ترامب الانتقال في خطابها من أهداف الحرب العسكرية، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني، إلى التركيز على خفض أسعار النفط وضمان الملاحة، ويعكس ذلك تأثير الحسابات الانتخابية في إدارة الحرب، إذ يدرك الجمهوريون أن الناخب الأمريكي يقيس نجاح الإدارة من خلال الأسعار والدخل والاستقرار الاقتصادي، أكثر مما يقيسه من خلال عدد الأهداف العسكرية التي جرى استهدافها داخل إيران.
وإذا تمكن الديمقراطيون من استعادة مجلس النواب، فستواجه إدارة ترامب رقابة سياسية وتشريعية أشد، وقد تتعطل أجزاء أساسية من برنامجها الداخلي والخارجي، أما خسارة الجمهوريين مجلسي النواب والشيوخ معاً، فستحوّل العامين المتبقيين من ولاية ترامب إلى مرحلة صدام سياسي ومؤسساتي مفتوح.
خامساً- لبنان: تفجير تلة علي الطاهر وتكريس المنطقة الأمنية الإسرائيلية
شهد جنوب لبنان خلال الشهر الجاري تطوراً عسكرياً بالغ الدلالة، تمثل في إعلان إسرائيل فرض «سيطرة عملياتية» على تلة علي الطاهر، التي تبعد نحو 15 كيلومتراً عن الحدود، ثم تنفيذ تفجير واسع في العاشر من الشهر الجاري استهدف شبكة من الأنفاق والمنشآت تحت الأرض.
وبحسب الرواية الإسرائيلية، تمتد الشبكة المستهدفة نحو كيلومترين، وتضم مركز قيادة تابعاً لوحدة «بدر» في «حزب الله»، إلى جانب مستودعات للصواريخ والطائرات المسيّرة والأسلحة المضادة للدروع، ومنشآت تسمح بإقامة المقاتلين تحت الأرض فترات طويلة. وقالت إسرائيل إنها استخدمت نحو 1100 طن من المتفجرات في العملية، فيما سجلت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية هزة بقوة 4.1 درجات تزامناً مع التفجير.
وتكتسب تلة علي الطاهر أهمية استراتيجية بسبب ارتفاعها وإشرافها على مساحات واسعة من جنوب لبنان ومحيط مدينة النبطية، إضافة إلى موقعها ضمن أحد الخطوط الدفاعية الأساسية لـ«حزب الله». ولذلك، فإن السيطرة عليها وتدمير بنيتها التحتيةي عكسان خطوة إسرائيلية تهدف إلى تغيير الجغرافيا العسكرية للجنوب وفرض منطقة أمنية عميقة داخل الأراضي اللبنانية.
كما أن توقيت التفجير يحمل دلالة سياسية؛ فقد نُفذت العملية في ظل تعثر الاتفاق الذي رعته الولايات المتحدة، والذي ينص على انسحاب إسرائيلي تدريجي مقابل نزع سلاح «حزب الله» وانتشار الجيش اللبناني. ومن خلال إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس أن العملية استكملت إنشاء «منطقة آمنة»، تبدو إسرائيل وكأنها تنتقل من الضغط من أجل تنفيذ الاتفاق إلى فرض ترتيبات أمنية أحادية بالقوة.
ويضع ذلك الدولة اللبنانية أمام معضلة شديدة الخطورة، فإسرائيل تربط انسحابها بنزع سلاح «حزب الله»، بينما يرفض الحزب تسليم سلاحه قبل الانسحاب الإسرائيلي. وفي ظل غياب قدرة الدولة والجيش اللبناني على فرض أي من الشرطين، تتحول المواقع التي تتقدم إليها إسرائيل إلى وقائع ميدانية قد يصعب التراجع عنها لاحقاً.
ويكشف تفجير التلة أيضاً حجم الخسارة العسكرية التي تعرض لها «حزب الله»، سواء صحّت جميع التفاصيل الإسرائيلية حول شبكة الأنفاق أم لم تصح. فتمكن إسرائيل من الوصول إلى موقع بهذه الأهمية وتفخيخه وتفجيره، من دون ردعها عسكرياً، يدل على تراجع قدرة الحزب على حماية جزء من بنيته الدفاعية في الجنوب.
ومن الزاوية الإقليمية، لا يمكن فصل العملية عن الحرب الأمريكية الإيرانية. فإسرائيل تعمل على إضعاف أهم أذرع إيران الإقليمية، ومنع طهران من استخدام الجبهة اللبنانية ورقة في مفاوضاتها مع واشنطن. وفي المقابل، فإن أي تصعيد من «حزب الله» لاستعادة الردع قد يمنح إسرائيل ذريعة لتوسيع احتلالها وضرباتها، ويدفع لبنان مجدداً إلى حرب مفتوحة.
سادساً- ألمانيا: صعود حزب «البديل» وأزمة الأحزاب التقليدية
حقق حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف نتيجة غير مسبوقة في انتخابات ولاية ساكسونيا أنهالت، حيث حصل على نحو 44% من الأصوات، مقابل نحو 18.5% للاتحاد المسيحي الديمقراطي، ليصبح الحزب الأكبر في برلمان الولاية ويقترب من الأغلبية المطلقة.
وتعد النتيجة تحولاً سياسياً مهماً، لأنها تتجاوز نمط التصويت الاحتجاجي المحدود، وتكشف عن تشكل قاعدة انتخابية أكثر ثباتاً للحزب، خصوصاً في شرق ألمانيا. كما أظهرت استطلاعات الرأي على المستوى الاتحادي تقدم «البديل» على تحالف الاتحاد المسيحي الديمقراطي والمسيحي الاجتماعي، الذي تراجعت نسبته إلى ما بين 18% و20%.
ولا يمكن تفسير هذا الصعود بعامل واحد، فهو نتيجة تراكم مشاعر التهميش في الولايات الشرقية، وتراجع الثقة بالأحزاب التقليدية، وارتفاع الأسعار، والخوف من فقدان الأمن الاقتصادي، والاعتراض على سياسات الهجرة، إضافة إلى رفض قطاعات واسعة من الناخبين للسياسة الألمانية تجاه الحروب والعقوبات الخارجية.
كما استفاد الحزب من ارتفاع أسعار الطاقة والوقود؛ فقد بلغ متوسط سعر لتر الوقود في ألمانيا نحو 2.286 يورو، ما دفع المستشار فريدريش ميرتس إلى التعهد بإجراءات لتخفيف الأعباء. وأصبحت أزمة الأسعار تهدد موقع حكومته قبل انتخابات ولايات أخرى. وتكمن دلالة صعود «البديل» في أن سياسة عزله حزبياً لم تمنع توسعه شعبياً. وإذا استمر تقدمه، فقد يصبح من الصعب تشكيل حكومات مستقرة من دونه أو من دون تحالفات واسعة تضم أحزاباً متباعدة سياسياً. كما قد يدفع الأحزاب المحافظة إلى تبني مواقف أكثر تشدداً تجاه الهجرة واللجوء، ويؤثر في الموقف الألماني من الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا والعقوبات على روسيا.
سابعاً- سوريا: احتجاجات المحروقات واتساع الغضب الاجتماعي
أصدرت وزارة الطاقة السورية في 13 من الشهر الجاري قراراً برفع أسعار المشتقات النفطية بنسب تراوحت بين 25% و40%. وارتفع سعر لتر المازوت من 125 إلى 175 ليرة سورية جديدة، وسعر بنزين أوكتان 95 من 152 إلى 195 ليرة، بينما ارتفع سعر بنزين أوكتان 90 من 147 إلى 185 ليرة، إضافة إلى رفع سعر أسطوانة الغاز المنزلي.
وجاء القرار بعد زيادة سابقة في الرابع من الشهر نفسه، ما أدى إلى اندلاع أكبر موجة احتجاجات مطلبية منذ سقوط نظام بشار الأسد. وقد رصدت في سوريا 36 تظاهرة في 13 أيلول الجاري وحده، توزعت على ست محافظات، وتركز نحو 80% منها في شمال شرق سوريا. كما وصلت الاحتجاجات إلى إدلب وحماة للمرة الأولى في سياق التحركات المرتبطة بالمحروقات.
وشهدت محافظات الحسكة ودير الزور والرقة وحلب وإدلب ودرعا احتجاجات وقطعاً للطرق، وأُغلقت طرق تستخدمها صهاريج النفط، كما قُطع الطريق المؤدي إلى حقل العمر، وأُغلقت أجزاء من الطريق الدولي «M5». ورفع المحتجون مطالب بإلغاء القرار وإقالة وزير الطاقة محمد البشير.
وبررت الوزارة القرار بارتفاع الأسعار العالمية، وزيادة تكاليف الشحن والتأمين، وتعطل طرق الإمداد بسبب الحرب الأمريكية الإيرانية والتصعيد في البحر الأحمر، إضافة إلى أعمال الصيانة في مصفاة بانياس. وتنتج سوريا، وفق الأرقام الحكومية، نحو 102 ألف برميل يومياً، بينما تبلغ حاجتها قرابة 325 ألف برميل، ما يجعلها تعتمد على الاستيراد لتغطية نحو ثلثي الطلب.
ثامناً- رأي الحزب
بناءً على مجمل التطورات الدولية والإقليمية والسورية، يخلص الحزب إلى الاستنتاجات الآتية:
1- لم تتمكن الولايات المتحدة من تحويل تفوقها العسكري على إيران إلى حسم سياسي أو ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز. وأصبحت الحرب أقرب إلى صراع استنزاف اقتصادي وعسكري، تتراجع فيه الأهداف المعلنة لمصلحة البحث عن تسوية تخفف ارتفاع أسعار الطاقة قبل الانتخابات النصفية.
2- يشكل وصول الحوثيين إلى باب المندب تحولاً استراتيجياً يتجاوز الحرب اليمنية، إذ يضع مضيقي هرمز وباب المندب تحت ضغط قوى متحالفة مع إيران. وقد يدفع ذلك إلى إعادة تشكيل تحالفات أمنية إقليمية، وإلى عودة الحرب اليمنية بصورة أكثر اتساعاً.
3- لا تزال الحرب الروسية الأوكرانية بعيدة عن التسوية؛ فروسيا لم تحقق انهياراً في الخطوط الأوكرانية، بينما لا تمتلك أوكرانيا القدرة على تحقيق حسم شامل. ومع انتقال الحرب إلى منشآت الطاقة، تتزايد آثارها على الاقتصاد العالمي وعلى الدول المستوردة للوقود.
4- تضع انتخابات التجديد النصفي إدارة ترامب أمام تعارض متزايد بين الاستمرار في الحرب ضد إيران وبين حاجتها إلى خفض أسعار الطاقة. وسيحاول الديمقراطيون تحويل ارتفاع تكاليف المعيشة وفشل فتح مضيق هرمز إلى قضية انتخابية مركزية ضد الجمهوريين.
5- يبقى لبنان إحدى أكثر الساحات قابلية للانفجار، بسبب استحالة الفصل بين سلاح «حزب الله» والصراع الأمريكي الإيراني. ولا يمكن التوصل إلى ترتيبات مستقرة في الجنوب من دون انسحاب إسرائيلي واضح.
6- صعود حزب «البديل من أجل ألمانيا» مؤشر على أزمة ثقة واسعة بالأحزاب التقليدية، وعلى تحول التذمر الاقتصادي والاجتماعي إلى قوة سياسية يمينية متطرفة. وقد يؤدي استمراره إلى تشديد سياسات الهجرة واللجوء، وإضعاف التماسك الأوروبي، وتغيير الموقف الألماني من الحروب والعقوبات.
7- تكشف المساحة الواسعة للاحتجاجات الشعبية ضد رفع أسعار الطاقة مدى تراكم الغضب الشعبي من سلطة الأمر الواقع في دمشق التي صدرت منذ استلامها الحكم العديد من الوعود حول تدفق الاستثمارات والمشاريع لإعادة الإعمار، والتي كان الحزب قد أشار منذ البداية إلى أنها مجرد أوهام لتخدير المجتمع، بالإضافة إلى تراكم النقمة الشعبية ضد مظاهر البذخ والهدر في سلوك مسؤولي السلطة، في الوقت الذي يعيش فيه معظم السوريين تحت خط الفقر.
8- إن الأحزاب والقوى الوطنية والديمقراطية، السياسية والمدنية، مطالبة بملاقاة الغضب الشعبي، والوقوف معه، والحراك من داخله، والدعوة إلى المزيد من الوقفات الاحتجاجية، وتحميل سلطة الأمر الواقع المسؤولية عن هدر ما يقارب العامين في إطلاق وعود لا تستنتد إلى مقومات مؤسساتية وقانونية واقتصادية، بالإضافة إلى ما ارتكبته من مجازر في الساحل والسويداء، وما رافقها وتلاها من أجواء شحن طائفي، للتغطية على مشروعها الاستبدادي.
9- وصلت سلطة الأمر الواقع إلى طريق مسدود يكشف عدم أهليتها في إدارة المرحلة الانتقالية، وهو ما يتطلب برامج عمل وطنية ديمقراطية سريعة للتعامل مع المخاطر التي تحدق بالبلاد من النواحي كافة.