التقرير السياسي لشهر يوليو/ تموز 2026 …… تجدد الحرب الأمريكية الإيرانية ومخاطر فتح جبهات جديدة واحتمالات انزلاق سوريا “الهشة” إلى الصراع

مقدمة:
توقفت عملية التفاوض الأمريكية الإيرانية قبل أن تصل إلى نهاية المدة المحددة في مذكرة التفاهم الموقعة من قبل الطرفين، والتي كان من المفترض أن تستمر لمدة 60 يوماً، فبعد أن استهدفت إيران ثلاث سفن حاولت عبور مضيق هرمز من دون تنسيق مع إيران، جددت القوات الأمريكية ضرباتها على مواقع عديدة في إيران، بما في ذلك بنى تحتية، من بينها جسور ومحطات للطاقة، وهو ما ردت عليه إيران باستهداف قواعد عسكرية في عدد من دول المنطقة، وقع جرّاءها قتلى من الجيش الأمريكي في الأردن، كما طالت الضربات الإيرانية أهدافاً مدنية في الكويت.
هذا التطور الميداني طرح أسئلة استراتيجية كبرى، ليس فقط حول مستقبل الاتفاق بين واشنطن وطهران، وإنما حول دول المنطقة كافة، وما يمكن أن تنزلق إليه الأمور أبعد من الضربات المتبادلة بين الطرفين.
في الوقت نفسه، عاد التصعيد بقوة بين روسيا وأوكرانيا، مع تكثيف كلا الطرفين ضرباتهما العسكرية، واستهداف أهداف متنوعة، بينها بنى تحتية، كما في الضربات الروسية التي أصابت محطات للطاقة الكهربائية في العاصمة كييف.
وفي أنقرة، عقد حلف الناتو قمته الدورية، والتي شهدت عودة اللغة التصعيدية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه حلفائه الأوروبيين، مذكراً إياهم بعدم دعمهم له في حربه على إيران، بالإضافة إلى تجديد دعوته لهم لرفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج القومي لكل دولة منهم، وخلال القمة وعد ترامب أنقرة ببحث تزويدها بطائرات إف 15، بحسب صفقة سابقة بين أنقرة وواشنطن، كانت قد جُمّدت بعد تزوّد تركيا بمنظومة إس 400 الروسية في عام 2019.
أولاً- لماذا تجددت الحرب الأمريكية الإيرانية؟
على الرغم من شيوع أجواء تفاؤل عقب توقيع الرئيسين الأمريكي والإيراني مذكرة تفاهم لوقف العمليات العسكرية، خصوصاً بعد الأضرار الكبيرة التي لحقت بأسواق الطاقة العالمية وارتفاع أسعار النفط، إلا أن تجدد العمليات العسكرية أظهر هشاشة مذكرة التفاهم نفسها، ووجود تأويلين متناقضين لها من قبل واشنطن وطهران، وسرعان ما بدا أن الوسيطين الباكستاني والقطري غير قادرين على دفع الطرفين نحو مقاربة موحدة للمذكرة.
ترى طهران أن أهداف واشنطن وتل أبيب من حربهما عليها لم تتحقق، على الرغم مما ألحقته هذه الحرب بها من خسائر على مختلف الصعد، لكن الهدف الأكبر والأهم، وهو إسقاط النظام، لم يتحقق، وأن النظام تمكن خلال فترة وجيزة من ترميم هيكل القيادة، وأن إحكام قبضة طهران على مضيق هرمز ينبغي أن يُترجم من خلال القبول بإدارتها للمضيق، وهو ما سيساعدها سياسياً ومالياً واستراتيجياً، ويمد نفوذها إلى مساحات أوسع من مياهها الإقليمية، فالتحكم بحركة عبور حوالي 20% من النفط العالمي سيسهم في التأثير في مختلف دول المنطقة، وخصوصاً دول الخليج.
من جهتها، اعتبرت واشنطن أن مذكرة التفاهم قدمت العديد من المكاسب لطهران، لكن من دون أن تصل تلك المكاسب إلى منح إيران حق فرض نظام ملاحة جديد في مضيق هرمز، وأن حرية الملاحة ينبغي أن تعود إلى سابق عهدها قبل بدء الحرب، وهو ما يعكس اختلافاً جوهرياً في رؤية الطرفين للترجمة الواقعية لمذكرة التفاهم، والتي، على الرغم من شمولها مختلف القضايا محل الخلاف، إلا أنها كانت ذات صيغة عمومية، وقابلة لتأويلات متباينة.
أما العامل الثاني الذي أسهم في تجدد الحرب، فيتمثل في أن الطرفين دخلا مذكرة التفاهم من دون أن يكون أي منهما قد توصل إلى قناعة استراتيجية بضرورة إنهاء المواجهة. فقد كانت الهدنة بالنسبة إليهما أقرب إلى استراحة لإعادة ترتيب الأولويات وامتصاص التداعيات الاقتصادية والعسكرية منها إلى تسوية لأسباب الحرب، فالولايات المتحدة احتفظت بهدف منع إيران من إعادة بناء قدراتها الاستراتيجية، ولا سيما في المجالين النووي والصاروخي، في حين رفضت طهران التعامل مع وقف الحرب باعتباره مقدمة لنزع عناصر قوتها الأساسية.
أما العامل الثالث، فهو أن نتيجة الجولة الأولى من الحرب خلقت مفارقة استراتيجية لدى الطرفين، فقد خرجت الولايات المتحدة وإسرائيل وهما مقتنعتان بأن تفوقهما العسكري يسمح لهما بإلحاق أضرار هائلة بإيران، لكنهما في الوقت نفسه لم تستطيعا تحويل ذلك التفوق إلى نصر سياسي حاسم.
وفي المقابل، لحقت بإيران خسائر عسكرية واقتصادية، لكنها أصبحت أكثر اقتناعاً بأن قدرتها على الصمود وإيذاء المصالح الأمريكية وحلفاء واشنطن ومنظومة الطاقة العالمية تمنع خصومها من تحقيق انتصار كامل عليها.
ومن هنا نشأ ما يمكن وصفه بـ”فجوة النصر” بين الطرفين، فواشنطن ترى أنها تملك القدرة العسكرية على فرض شروط أفضل مما حصلت عليه في مذكرة التفاهم، وطهران ترى أن صمودها وقدرتها على تعطيل هرمز منحاها أوراقاً لم تُترجم بعد إلى مكاسب سياسية تتناسب مع ما تعتبره نتيجة الحرب.
وعليه، فإن تجدد الحرب لا يرتبط فقط بفشل مذكرة تفاهم، وإنما يعكس صراعاً أعمق على شكل النظام الإقليمي الذي سيخرج من الحرب، فإيران تريد تحويل قدرتها على الصمود وتعطيل مضيق هرمز إلى اعتراف بدور إقليمي أكبر وبحقها في أن تكون طرفاً أساسياً في ترتيبات أمن الخليج، بينما تريد الولايات المتحدة منع تحول هذه القدرة إلى سابقة تسمح لطهران بفرض قواعد جديدة بالقوة.
ثانياً- العودة إلى التصعيد الروسي الأوكراني وغياب مسار التفاوض
على الرغم من تصريح الرئيسين الروسي والأوكراني خلال هذا العام بضرورة وجود مسار للتفاوض، إلا أن هذه التصريحات بقيت في إطار النوايا، في ضوء غياب مناخ دولي وأوروبي يسمح بدفع الطرفين إلى طاولة المفاوضات، خصوصاً مع تمسك روسيا بمكتسباتها على الأرض في شرق أوكرانيا.
ومع تجديد الأوروبيين دعمهم لأوكرانيا، صعّدت روسيا عملياتها العسكرية، حيث شنت هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على المدن والمنشآت والبنى التحتية الأوكرانية، في مقابل توسيع أوكرانيا نطاق ضرباتها في العمق الروسي، ولا سيما ضد المنشآت النفطية والعسكرية وشبكات النقل والموانئ.
وعلى الرغم من إعلان موسكو وكييف، في مناسبات مختلفة، استعدادهما للحوار، وطرح مبادرات واتصالات تتعلق بوقف إطلاق النار واستئناف المحادثات، فإن الخلافات الجوهرية بين الطرفين بقيت أكبر من أن تسمح بتحويل هذه الاتصالات إلى مفاوضات فعلية ومستدامة. فقد دعت كييف إلى وقف شامل لإطلاق النار يسبق البحث في التسوية السياسية، في حين رفضت موسكو وقفاً غير مشروط للعمليات العسكرية من دون معالجة القضايا التي تعدها أساساً للصراع، وفي مقدمتها وضع الأراضي التي ضمتها أو تطالب بالسيطرة الكاملة عليها، ومستقبل القدرات العسكرية الأوكرانية، وطبيعة علاقة أوكرانيا الأمنية والعسكرية بالغرب.
ومع تراجع فرص التوصل إلى وقف قريب لإطلاق النار، عاد العامل العسكري ليحتل موقعاً مركزياً في حسابات الطرفين. فروسيا لا تزال تعتقد أن لديها القدرة على مواصلة الحرب واستثمار تفوقها في الموارد البشرية والعسكرية لإضعاف أوكرانيا تدريجياً، كما لم تتخل عن أهدافها الإقليمية، وخصوصاً استكمال السيطرة على المناطق التي تطالب بها في شرق أوكرانيا، وعلى الرغم من بطء تقدم قواتها وارتفاع الكلفة البشرية والمادية للحرب، لا توجد مؤشرات كافية حتى الآن على أن القيادة الروسية وصلت إلى قناعة بأن استمرار العمليات العسكرية أصبح أقل فائدة من وقفها.
في المقابل، شهدت الاستراتيجية العسكرية الأوكرانية تحولاً مهماً، فمع صعوبة تحقيق اختراقات برية واسعة في مواجهة التحصينات والقوة البشرية الروسية، اتجهت كييف بصورة أكبر نحو توسيع حرب الاستنزاف بعيدة المدى، مستفيدة من التطور الكبير في صناعة الطائرات المسيّرة وقدراتها على تنفيذ ضربات في العمق الروسي. ولم يعد الهدف الأوكراني مقتصراً على مواجهة القوات الروسية على خطوط الجبهة، وإنما امتد إلى ضرب البنية التي تسمح لموسكو بإدامة الحرب، بما في ذلك منشآت الطاقة والمصافي ومستودعات الذخيرة والموانئ وشبكات النقل والإمداد.
وتراهن كييف من خلال هذه الاستراتيجية على جعل استمرار الحرب أكثر كلفة بالنسبة إلى روسيا، اقتصادياً وعسكرياً، وعلى تقليص الفارق الكبير في الموارد بين الطرفين من خلال استهداف مصادر القوة الروسية بعيداً عن خطوط المواجهة المباشرة. كما تسعى إلى إظهار أن التفوق الروسي في حجم القوات والموارد لا يعني أن الأراضي والمنشآت الروسية ستبقى بمنأى عن تداعيات الحرب.
لكن العامل الأهم في تفسير التصعيد الراهن هو أن أياً من الطرفين لم يصل بعد إلى قناعة بأن ميزان القوى العسكري قد استنفد إمكانات تغييره. فروسيا لا تزال تعتقد أن استمرار الضغط يمكن أن يؤدي إلى إنهاك أوكرانيا وإضعاف قدرتها على المقاومة، خصوصاً إذا تراجعت المساعدات الخارجية أو ازدادت الضغوط الاقتصادية والبشرية على كييف. وفي المقابل، ترى أوكرانيا أن بطء التقدم الروسي وارتفاع خسائر موسكو، إلى جانب تطور قدراتها في مجال المسيّرات والضربات بعيدة المدى واستمرار الدعم الأوروبي، يمكن أن يؤدي مع مرور الوقت إلى رفع كلفة الحرب على روسيا وإضعاف قدرتها على تحقيق أهدافها.
ثالثاً- قمة الناتو في أنقرة وإعادة توزيع الأعباء
عُقدت قمة حلف شمال الأطلسي “الناتو” في العاصمة التركية أنقرة يومي 7 و8 يوليو/تموز 2026، في ظرف دولي شديد التعقيد، تداخلت فيه الحرب الروسية الأوكرانية مع تجدد المواجهة الأمريكية الإيرانية، وتصاعد الخلافات داخل المعسكر الغربي حول تقاسم أعباء الأمن والدفاع، وعلى الرغم من أن البيان الختامي للقمة أعاد التأكيد على الالتزام بالدفاع الجماعي وفق المادة الخامسة، ودعم أوكرانيا، وزيادة الإنفاق والقدرات الصناعية العسكرية، فإن الأهمية السياسية للقمة تمثلت بصورة أكبر في ثلاثة ملفات: مستقبل العلاقة الأمريكية الأوروبية داخل الحلف، والتحول في العلاقات الأمريكية التركية، والدور المتزايد لأنقرة في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، ولا سيما في سوريا.
1- الولايات المتحدة وأوروبا: في الوقت الذي تشهد فيه العلاقات بين أمريكا وأوروبا تباينات عديدة، جاءت قمة أنقرة لتؤكد من جديد أن الانفكاك السريع عن المظلة العسكرية والأمنية غير ممكن، لكن أعباء استمرار هذه المظلة أصبحت كبيرة، فبيان القمة أكد التزام أوروبا برفع نفقاتها الدفاعية، وتعهدها مع كندا بتقديم دعم مالي لأوكرانيا بقيمة 70 مليار يورو هذا العام، لكن هذه التعهدات، ولئن كانت تعني نجاحاً للرئيس ترامب في دفع الأوروبيين نحو تحمل أعباء مالية أكبر في الحلف، إلا أنها، وفق مسار أوروبي موازٍ، خصوصاً ألماني فرنسي، تؤكد أن أوروبا ماضية نحو تعزيز استقلالها التدريجي عسكرياً وأمنياً.
2- تركيا من شريك إشكالي لأمريكا إلى قوة إقليمية مستقلة نسبياً
عكس لقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس التركي رجب طيب أردوغان تحولاً واضحاً في العلاقات بين البلدين، فقد أعلن ترامب عزمه رفع العقوبات الأمريكية المفروضة على تركيا بسبب شرائها منظومة الدفاع الجوي الروسية “إس-400″، كما أبدى انفتاحاً على إمكانية عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات “إف-35″، رغم استمرار وجود عقبات قانونية واعتراضات داخل الكونغرس الأمريكي.
وقد تعززت أهمية تركيا بالنسبة إلى واشنطن نتيجة مجموعة من التحولات المتزامنة، فهي تمتلك ثاني أكبر جيش في الناتو، وطورت خلال السنوات الماضية صناعة دفاعية متقدمة نسبياً، كما تحتفظ بعلاقات مع روسيا وأوكرانيا في الوقت نفسه، وتسيطر جغرافياً على المضائق التي تربط البحر الأسود بالبحر المتوسط، وأصبحت لاعباً رئيسياً في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، إضافة إلى امتلاكها نفوذاً متزايداً في الشرق الأوسط والقوقاز والبحر الأسود.
وبهذا المعنى، فإن أهم تحول في العلاقة الأمريكية التركية قد يكون انتقال واشنطن تدريجياً من النظر إلى تركيا باعتبارها “جناحاً جنوبياً” للناتو إلى التعامل معها بوصفها قوة إقليمية مستقلة نسبياً، لكنها ضرورية لتحقيق عدد من المصالح الأمريكية والغربية.
3- لقاء ترامب وأحمد الشرع
في خطوة بدت في ظاهرها محاولة ترامبية لتسريع إدماج سلطة الأمر الواقع في سوريا في النظامين الإقليمي والدولي، التقى ترامب الرئيس الانتقالي أحمد الشرع على هامش القمة، وأعاد التذكير بأنه هو من عينه في سوريا، كما أبلغ ترامب الشرع بإلغاء سوريا من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، لكن في الواقع، فإن ترامب يريد قبض الثمن عبر دور لقوات “الجيش السوري” في لبنان، وهو ما أعلنه بعد القمة، في إشارته إلى إمكانية أن تلعب “قوات الشرع” هذا الدور، بطريقة أفضل مما تفعله إسرائيل.
ثالثاً- سوريا بين أزمات الخارج وأزمات الداخل
زار الرئيس الفرنسي، ووفد اقتصادي مرافق له، سوريا، والتقى برئيس سلطة الأمر الواقع وعدد من منظمات المجتمع المدني، وقد وقع أثناء الزيارة انفجاران في المنطقة المحيطة بإقامة الرئيس الفرنسي، وكان تفجير آخر قد وقع قبل الزيارة في مقهى للمحامين قريب من القصر العدلي، وقُتل في هذه التفجيرات عدد من المواطنين، بالإضافة إلى عدد من الجرحى.
على الرغم من الأهمية السياسية الرمزية لهذه الزيارة، بوصفها أول زيارة لرئيس دولة أوروبية كبرى إلى سوريا، إلا أن جدول الزيارة نفسه بدا فرصة للاستثمار السياسي بالنسبة إلى الطرفين، أكثر من كونه مقدمة لتعاون فعلي، فالرئيس الفرنسي يعلم جيداً حجم التعقيدات الموجودة في سوريا، حيث لا تزال روسيا في الساحل، وإسرائيل جعلت من الجنوب السوري منطقة منزوعة السلاح، مع هيمنة واسعة لها، وأمريكا موجودة في التنف، وهناك هيمنة تركية واسعة على “السلطة”، لكنه يريد استثمار الزيارة سياسياً بالتأكيد على أن فرنسا لا تزال قادرة على الوجود والتأثير في المشرق العربي، خصوصاً بعد تراجع كبير لدورها التاريخي في لبنان، وبالنسبة إلى رئيس “السلطة”، فإنه يسعى أيضاً لتأكيد تطبيع المجتمع الدولي معه.
ومع ازدياد الحديث عن تدخل لـ”الجيش السوري” في لبنان، لا يزال موقف “السلطة” يؤكد غياب هذا الاحتمال، وهو الموقف الذي نقله وزير الخارجية أسعد الشيباني لعدد من الأطراف اللبنانية الرسمية وغير الرسمية التي التقاها في زيارته إلى لبنان، كما تلقى نصائح تركية مشددة بعدم الانزلاق في هكذا مسار، وتهديدات إيرانية عبر الوسطاء، وهو ما أكدته إيران عملياً باستهداف القاعدة الأمريكية في التنف.
كما عقد ما يسمى “مجلس الشعب” جلسته الأولى، التي افتتحها الشرع، وكان قد سبقها لقاء جمعه بأعضائه للتأكيد على رفضه لأي تكتلات داخل المجلس، ودفعهم لتبني الاسم الذي يراه مناسباً لرئاسة المجلس، وهو عبد الحميد العواك، وكان عضواً في لجنة صياغة الإعلان الدستوري.
وقد أعادت هذه الجلسة النقاش حول طبيعة المجلس نفسه، حيث لا يتمتع بأية صلاحيات لمساءلة السلطة التنفيذية، ومستوى تمثيله الفعلي لمختلف فئات المجتمع السوري، خصوصاً أنه لم يُنتخب مباشرة من قبل الشعب، وقد وصل ثلثا أعضائه عبر لجان انتخاب فرعية، وعيّن الشرع ثلثه الباقي.
أوضاع الطاقة والخدمات والأسعار في تدهور كبير، حيث يوجد شح في مادة البنزين، بالإضافة إلى رفع جديد في أسعار المحروقات بنسبة 12%، وهو ما برره المسؤولون بارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، وعلى الرغم من رفع الأسعار، فإن الكميات المتوفرة لا تسد حاجة المستهلكين.
كما تفاقمت أزمة سوء الخدمات العامة، خصوصاً في مجال النظافة، حيث لا تتوفر ميزانيات كافية في البلديات لإدارة هذا الملف، في الوقت الذي تُهدر فيه أموال طائلة على بروتوكولات وشكليات لا علاقة لها بهموم المواطنين.
رابعاً- رأي الحزب
مع تجدد الحرب بين أمريكا وإيران، يدخل الشرق الأوسط مرحلة أشد خطورة من سابقتها، تزداد فيها احتمالات التصعيد على جبهات عدة، بما فيها سوريا، وبناءً على قراءة المستجدات، يخلص الحزب إلى الاستنتاجات التالية:
1- يكشف تجدد الحرب الأمريكية الإيرانية، بالتوازي مع استمرار التصعيد الروسي الأوكراني، أن الاتفاقات الجزئية ووقف إطلاق النار لم تعد كافية لإنهاء الصراعات التي ترتبط بتوازنات استراتيجية أوسع، فالأطراف المتصارعة لا تزال تنظر إلى القوة العسكرية بوصفها وسيلة لتحسين شروطها السياسية، ما يجعل فترات التهدئة أقرب إلى مراحل مؤقتة لإعادة ترتيب الأوراق منها إلى مقدمات حقيقية لتسويات مستدامة.
2- تظهر الحربان الأمريكية الإيرانية والروسية الأوكرانية أن التفوق العسكري التقليدي لم يعد كافياً وحده لفرض النتائج السياسية، فقد استطاعت إيران، رغم اختلال ميزان القوة لمصلحة الولايات المتحدة، استخدام موقعها في مضيق هرمز وقدراتها العسكرية لتهديد مصالح تتجاوز ساحة الحرب، كما تحاول أوكرانيا تعويض اختلال ميزان القوة مع روسيا عبر المسيّرات والضربات بعيدة المدى، وهذا يعني أن قدرة الدول الأضعف على رفع كلفة الحرب باتت عنصراً أساسياً في منع القوى الأكبر من تحويل تفوقها العسكري إلى انتصار سياسي حاسم.
3- من مضيق هرمز إلى البحر الأسود والمضائق التركية، يتضح أن الموقع الجغرافي عاد ليشكل مورداً استراتيجياً لا يقل أهمية عن القوة العسكرية والاقتصادية، فإيران تحاول تحويل موقعها على هرمز إلى نفوذ سياسي وأمني، بينما تستمد تركيا جزءاً متزايداً من أهميتها داخل الناتو وفي علاقتها مع واشنطن من موقعها بين أوروبا والشرق الأوسط والبحر الأسود.
4- أظهرت قمة أنقرة أن أوروبا لا تزال غير قادرة، في المدى المنظور، على الاستغناء عن المظلة الأمنية الأمريكية، في الوقت الذي لم تعد فيه واشنطن مستعدة لتحمل الأعباء السابقة للتحالف بالشروط نفسها، لذلك يبدو أن العلاقة عبر الأطلسي تتجه نحو صيغة جديدة يتحمل فيها الأوروبيون مسؤوليات مالية وعسكرية أكبر، بالتوازي مع محاولاتهم بناء قدر أكبر من الاستقلال الدفاعي.
5- على الرغم من المؤشرات الظاهرية لدمج سلطة الأمر الواقع في دمشق بالمجتمعين الإقليمي والدولي، إلا أن ثمن هذا الإدماج يبدو أكبر من قدرة السلطة على دفعه، خصوصاً فيما لو انزلقت كطرف في المواجهة الإقليمية، خصوصاً أن سوريا، كدولة ومؤسسات، تعاني من هشاشة كبيرة، مرجحة للازدياد والتفاقم، ولا تزال مخاطر حدوث موجات من التفجيرات قائمة في بلد مخترق أمنياً منذ سنوات، كما أن السمة العامة التي باتت تطبع علاقة “السلطة” بأزمات المجتمع الخدمية والاقتصادية والمعيشية هي التنصل من هذه الأزمات، ناهيك عن الاستثمار فيها لإغناء طبقة جديدة يمثلها رجال “السلطة” والمقربون من دوائرها.