رأي

في رفض أي تسويق لحرب سورية في لبنان

كرّر الرئيس الأمريكي في أكثر من مناسبة أن خيار تدخل عسكري سوري في لبنان ضد حزب الله ليس مستبعداً، وأن “الشرع وقواته سيتعاملون مع الموضوع بشكل أفضل من إسرائيل”، وعلى الرغم من أن رئيس سلطة الأمر الواقع في دمشق كان قد استبعد مثل هذا الاحتمال، إلا أن الرئيس ترامب أعاد تصريحاته بهذا الشأن، والتي باتت متداولة في عدد من التحليلات.
العلاقات السورية اللبنانية تاريخياً كانت في مجملها علاقات مأزومة، وازدادت حدتها إثر التدخل السوري في لبنان عام 1976، على الرغم من وجود غطاء سياسي عربي، تمثل آنذاك بقمة الرياض السداسية التي عقدت في 16 أكتوبر/ تشرين الأول من العام نفسه، وتلتها قمة القاهرة بعد شهر وبضعة أيام، التي منحت الشرعية للتدخل باسم “قوات الردع العربية”، والتي كان قوامها الأساسي من الجيش السوري.
كانت مبررات التدخل العربي، ومن ضمنه السوري، تعديل ميزان القوى الداخلي في لبنان، بعد انفجار الحرب الأهلية، وإنهاء هذه الحرب، التي استمرت إلى العام 1989، وانتهت باتفاق الطائف، لكن مع بقاء الجيش والهيمنة السوريين قائمين في لبنان، إلى أن انسحب الجيش في عام 2005، بعد تحوّل دولي-إقليمي مفصلي، تمثل بالاحتلال الأمريكي للعراق في عام 2003، وسلسلة الاغتيالات التي طالت زعماء سياسيين في لبنان، في مقدمتهم رفيق الحريري، رئيس الوزراء اللبناني، وجورج حاوي، الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني، وسمير قصير، الصحفي البارز.
في سوريا، انتهت الانتفاضة السورية التي سرعان ما تحولت إلى حرب متعددة الأطراف، إلى تفتيت الدولة الوطنية، وتحويل البلاد إلى مسرح مكشوف أمام القوى الإقليمية والدولية، وبعد سقوط نظام بشار الأسد، استكملت إسرائيل تدمير ما كان قد تبقى من عتاد الجيش السوري، وهيمنت بشكل مباشر وغير مباشر على مساحات واسعة من الجنوب السوري، وأصبحت طرفاً مباشراً في الميدان السوري.
بالنسبة لنا في الحزب الدستوري السوري، كان واضحاً منذ السابع من أكتوبر عام 2023، أن الصراعات في المنطقة ذاهبة نحو احتدام أكبر ومباشر، فإسرائيل وجدت فرصة غير مسبوقة لتوسيع هيمنتها، كما وجدت في عودة الرئيس ترامب إلى الحكم فرصة لدفع الولايات المتحدة نحو إنهاء النظام الإيراني، واستكمال القضاء على نفوذ إيران، الذي تراجع بشكل كبير بسقوط نظام بشار الأسد، وكذلك الإجهاز على حزب الله، وقطع طريق الإمداد من طهران إلى بيروت.
إن السؤال الأبرز بالنسبة لنا كسوريين هو: هل من مصلحة سوريا والسوريين أن يدخل ما يسمى “الجيش السوري” الجديد إلى لبنان، ليسهم في نزع سلاح حزب الله؟
إن موافقة إسرائيل على مثل هكذا أمر، فيما لو وافقت، وهي محتل للجولان، التي صرح ترامب في قمة الناتو، التي عُقدت مؤخراً في العاصمة التركية أنقرة، بأنه يعترف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، كما أنها تهيمن عسكرياً وأمنياً على الجنوب، وبالتالي، فإن موافقتها لن تكون متناقضة مع مصلحتها، والتي لا تتمثل فقط بالقضاء على حزب الله، وإنما إضعاف القوات العسكرية لسلطة الأمر الواقع في دمشق، فمثل هكذا تدخل ستكون كلفته البشرية كبيرة جداً.
لكن، أيضاً، الوضع السوري برمته، والذي يعاني من أزمات وطنية عديدة، ومن أوضاع أمنية هشة، وأوضاع اجتماعية واقتصادية ومعيشية كارثية، سيدخل في نفق جديد من الاحتمالات المرعبة والمعتمة، وقد يدفع مثل هكذا تدخل إلى انفجارات أمنية مرعبة في الداخل السوري، عدا عن ما يمكن أن تستهدفه إيران من بنى عسكرية أو مدنية في الداخل، وهي كانت قد استهدفت مؤخراً قاعدة التنف العسكرية، لكن هذا الرد المحدود على أمريكا في سوريا، قد يتحول إلى ضربات مفتوحة، في الوقت الذي لا تمتلك فيه سوريا منظمات دفاع جوي، وبالتالي، ستكون مكشوفة تماماًُ من هذه الناحية، ناهيك عن احتمالات تدخل فضائل عراقية من شمال شرق سوريا.
بطبيعة الحال، إن أمريكا وإسرائيل غير معنيتين بما يمكن أن تؤول إليه الأحوال في سوريا، أو حجم الكوارث التي ستعانيها فوق ما عانته خلال السنوات الماضية، أو تصاعد الاحتدام الطائفي القائم أصلاً في كل من سوريا ولبنان، وهذا الاحتدام، كان ميدان استثمار لكليهما في الحرب السورية، وقدد خدات كبرى لإسرائيل في تفتيت سوريا ككيان ودولة ومجتمع واقتصاد، وهو ما عبر عته بنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل في أكثر من مناسبة، إذ اعتبر أن ما حصل في سوريا يفوق ما حلم به الإسرائيليون منذ تأسيس دولة الاحتلال.
نحن في الحزب الدستوري السوري، نرى أن مثل هذا التسويق الذي يقوم به الرئيس ترامب، قد يكون مجرد ورقة ضغط إضافية ضد إيران وحزب الله، لكن في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل مثل هذا الاحتمال، خصوصاً أن سلطة الأمر الواقع التي وصلت بموافقة الرئيسين ترامب وأردوغان، قد لا تستطيع أن تتهرب من طلب أمريكي ضاغط للقتال في لبنان، كثمن لاستمرارها وشرعيتها، لكن هذا الثمن سيكون على حساب دماء السوريين، وعلى حساب مزيد من التفتت الداخل في المناحي كافة، وفي فتح صراعات دموية وطائفية لا أحد يعلم متى وكيف يمكن أن تنتهي.
إن مصلحة سوريا اليوم لا تكمن في خوض حروب جديدة بالنيابة عن الآخرين، ولا في أن تتحول دماء السوريين مرة أخرى إلى ثمن لتسويات إقليمية ودولية، أو إلى ورقة تستخدمها سلطة الأمر الواقع للحصول على الشرعية وضمان استمرارها، فسوريا التي خرجت من حرب مدمرة، وفقدت أجزاء من سيادتها، وتفككت مؤسساتها، وانهار اقتصادها ونسيجها الاجتماعي، تحتاج قبل أي شيء آخر إلى استعادة دولتها ووحدتها وسيادتها، وإلى بناء جيش وطني تكون مهمته حماية حدود البلاد وأمن مواطنيها، لا الدخول في صراعات خارجية تخدم أجندات ومصالح لا علاقة لها بالمصلحة الوطنية السورية.
إن قضية سلاح حزب الله هي في جوهرها قضية تتعلق بسيادة الدولة اللبنانية ومسؤولية اللبنانيين ومؤسساتهم الوطنية، كما أن مواجهة الاحتلال الإسرائيلي واستعادة الأراضي السورية المحتلة هي مسؤولية وطنية سورية لا يجوز القفز فوقها أو استبدالها بحروب أخرى. ومن هنا، فإن أي محاولة لدفع السوريين إلى حرب في لبنان، تحت أي ذريعة كانت، يجب أن تواجه بموقف وطني واضح يرفض تحويل سوريا مجدداً إلى ساحة أو أداة في صراعات الآخرين. إن الطريق إلى استعادة سوريا لا يمر عبر بيروت، ولا عبر طهران أو تل أبيب أو واشنطن، وإنما يبدأ من إعادة بناء الدولة السورية على أساس المواطنة والدستور والسيادة الوطنية، واستعادة قرارها المستقل، ووضع حياة السوريين ومستقبلهم فوق مصالح السلطات والمحاور الإقليمية والدولية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق