سيول سوريا: ضحايا على الطرق وفي المخيمات وأسئلة عن جاهزية التصريف

(حَدْس) – هيئة التحرير
خلّفت موجة الأمطار والسيول التي ضربت مناطق من سوريا في الأيام الأخيرة من أكتوبر/ تشرين الأول خسائر بشرية وأضراراً واسعة، خصوصاً في الرقة ودير الزور والحسكة وأجزاء من حلب. وبحسب حصيلة نشرتها وكالة الأنباء الرسمية في 31 تشرين الأول 2026، نقلاً عن وزير الطوارئ، توفي ثمانية أشخاص، بينهم خمسة أطفال، وبقي أربعة في عداد المفقودين. وتجاوز عدد بلاغات الاستغاثة 900 بلاغ، فيما نفذت فرق الاستجابة أكثر من 550 تدخلاً في عشر محافظات. وشملت عمليات الإخلاء 375 عائلة من مخيمات الرقة ومدرستين تضمان أكثر من 350 طالباً، إضافة إلى شفط المياه من نحو 250 منزلاً ومرفقاً عاماً. وهذه حصيلة مرحلية، مع استمرار البحث وتفاوت الأرقام المنشورة بين المصادر.
تكشف هذه الأرقام أن آثار الهطولات تجاوزت تجمع المياه في الشوارع إلى تهديد سلامة السكان وتعطيل مرافق وطرق حيوية. وأفادت تقارير الاستجابة بخروج سبع عبّارات وطرق ترابية عن الخدمة، وبمحاصرة عائلات بعد انهيار معبر ترابي في منطقة كسرة سرور بريف الرقة. هنا، يصبح السؤال عن قدرة البنية التحتية على تمرير المياه، وسلامة المعابر، واختيار مواقع السكن والمخيمات، جزءاً أساسياً من تفسير الخسائر.
ويقتضي تشخيص المشكلة التمييز بين شبكات الصرف الصحي، المخصصة لنقل المياه العادمة، ومنظومات تصريف الأمطار، التي تشمل المصارف الطرقية والقنوات والعبّارات ومجاري الأودية. وقد تُجمع مياه الأمطار والصرف الصحي في شبكة واحدة في بعض المواقع، لكن السيول القادمة من أحواض واسعة لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد انسداد في مصرف شارع، فلكل حالة أسبابها ومتطلبات معالجتها، من تنظيف الفتحات إلى تأهيل المعابر وحماية مجاري السيول.
وتأتي هذه المخاطر ضمن واقع خدمي شديد الهشاشة، فقد أشار تقرير اليونيسف عن عام 2025، المنشور في يوليو/ تموز 2026، إلى احتياج 13.6 مليون شخص في سوريا إلى خدمات المياه والصرف الصحي، وإلى تصريف أكثر من 70 في المئة من مياه الصرف الصحي من دون معالجة. ولا تقيس هذه الأرقام كفاءة تصريف الأمطار مباشرة، لكنها توضح حجم الأزمة البيئية والخدمية التي تستقبل فيها البلاد الموسم المطري، وما قد يرافق الفيضانات من مخاطر تلوث عند طفح الشبكات واختلاط المياه.
كما أن التفاوت في الخدمات سابق للحرب، إذ تشير اليونيسف إلى أن المدن الكبرى كانت الأكثر استفادة من شبكات المجاري ومحطات المعالجة، بينما بقيت المناطق الطرفية أقل خدمة. ثم أضيفت إلى ذلك أضرار النزاع وتراجع الصيانة ونقص الطاقة والكوادر الفنية، وهي عوامل أوردها التقييم الإنساني الأوروبي لعام 2026 ضمن أسباب تدهور منظومات المياه والصرف الصحي، وبذلك تتراكم هشاشة الشبكات مع ضعف القدرة على تشغيلها وإصلاحها.
وعملياً، تبدأ الوقاية من تفاصيل تبدو صغيرة، مثل إزالة الأتربة والنفايات من فتحات التصريف، وفحص خطوطها ومخارجها، والتأكد من سلامة العبّارات وعدم تضييق المجاري المائية. لكن تنظيف المصرف وحده لا يكفي إذا كانت سعته غير مناسبة، أو كان مخرجه مسدوداً، أو كانت المياه تتدفق نحوه من مساحة تفوق قدرته التصميمية. كذلك، قد تزيد الطرق والمنشآت التي تعترض مسارات الجريان من خطورة تجمع المياه، ما يجعل التخطيط العمراني وإدارة النفايات وصيانة الطرق أجزاء مترابطة من الوقاية.
وقد أُعلنت بالفعل أعمال استعداد في مناطق مختلفة، ففي طرطوس نُشرت مطلع تشرين الأول معلومات عن تعزيل ثماني كيلومترات من المصارف والمجاري المائية، وفي الحسكة أُعلن تنفيذ أعمال لتحسين جريان الخابور وإزالة العوائق ورفع سواتر في المواقع المعرضة للخطر. وفي الرقة، استمرت عمليات فتح المصارف وتنظيفها بعدما غمرت الأمطار بعض الشوارع. تثبت هذه الوقائع وجود تدخلات، لكنها لا تقدم وحدها تقييماً لشمول التغطية أو كفاية الأعمال مقارنة بحجم المخاطر.
لذلك، لا يكفي قياس الجاهزية بعدد حملات التعزيل أو الآليات المشاركة فيها. المعيار هو تحديد نقاط الاختناق مسبقاً، ونشر ما أُنجز فيها، وفحص المعابر الأكثر عرضة للانهيار، ووجود إجراءات لإغلاق الطرق الخطرة وإخلاء السكان قبل محاصرتهم. وتكشف خسائر المخيمات خصوصاً أن الحماية لا تتحقق بالتحذير من الاقتراب من السيول وحده، فالعائلات التي تعيش في مواقع منخفضة تحتاج إلى بدائل آمنة، ومسارات إخلاء، وتصريف محلي قادر على تخفيف الخطر.
ولا تسمح المعطيات المنشورة بالجزم بأن كل وفاة أو فيضان نتج عن تقصير محدد في الصيانة. فإثبات ذلك يحتاج إلى بيانات شدة الهطول ومدته، وسعة المنشآت وحالتها، وتوقيت التحذيرات والاستجابة، لكن غياب هذه التفاصيل عن المعلومات المتاحة يترك سؤال المسؤولية مفتوحاً، حيث ينبغي أن تكون لدى الجهات المعنية معرفة بالمواقع الأكثر خطورة، وأن تكون هناك خارطة للإجراءات الاستباقية، وعمليات فحص متكررة للمعابر المتضررة.
إن الدمار المتراكم يفسر جانباً من هشاشة البنية التحتية، لكنه لا يعفي الجهات التي تديرها اليوم من مسؤولية ترتيب الأولويات وتقليل المخاطر الممكن تفاديها. وبعد سقوط ضحايا وغمر مساكن ومرافق، تصبح الحاجة ملحّة إلى تقييم علني يحدد أسباب الإخفاق والجهات المسؤولة وخطة الإصلاح ومواعيدها. فحماية السكان تُقاس أيضاً بما يُنجز قبل وصول المياه إلى بيوتهم، وبقدرة الإدارة على تحويل الدروس المتكررة إلى إجراءات تمنع تكرار الخسائر.
وتطرح إدارة هذا الملف مشكلة تداخل الاختصاصات بين البلديات ومؤسسات المياه والصرف الصحي ومديريات الموارد المائية والجهات المسؤولة عن الطرق والجسور. فالمياه تنتقل بين هذه المرافق بوصفها منظومة متصلة، بينما قد تتوزع مسؤولية صيانتها على إدارات متعددة، وقد يفقد تنظيف مصرف داخل حيّ جدواه إذا بقي المجرى الذي يستقبل مياهه مسدوداً، أو تعطلت عبّارة في مسار الجريان. لذلك، فإن تقييم الجاهزية يقتضي مساءلة آليات التنسيق نفسها، فمن يتولى تحديد الخطر ومتابعته؟ ومن يملك قرار التدخل؟ وكيف تُعالج الأعطال التي تتجاوز الحدود الإدارية لبلدية أو محافظة؟ ومن دون وضوح هذه المسؤوليات، يصبح تبادل الإحالات بين المؤسسات عاملاً إضافياً في تأخير الوقاية والاستجابة.
كما أن أولوية الإنفاق العام تشكّل اختباراً مباشراً لجدية التعامل مع سلامة السكان. فأعمال الصيانة الدورية، وتأمين أغطية المصارف، وحماية التجمعات السكنية المنخفضة، وفحص العبّارات، تحتاج إلى تمويل مستمر ورقابة على التنفيذ، ولا يجوز تعليقها جميعاً على انتظار مشاريع إعادة إعمار كبرى، وتبدأ المساءلة هنا بإتاحة بيانات الموازنات المخصصة للتصريف والحماية من السيول، ونسب تنفيذها، والمعايير المعتمدة في توزيعها بين المناطق. ففي ظل محدودية الموارد، يفترض أن تتقدم المواقع التي يتهدد فيها الخطر الأرواح والمساكن والمدارس والمستشفيات، وأي خلل في هذا الترتيب يفتح سؤالاً سياسياً عن موقع الحماية الأساسية للمواطنين في أولويات السلطة.