أخبار سورية

في درعا والقنيطرة: كيف يغيّر الاحتلال الإسرائيلي حياة السكان؟

(حَدْس) – هيئة التحرير

تجريف الأراضي وتقييد الحركة ومداهمة المنازل والاعتقال تجعل تفاصيل العيش اليومي في مناطق من الجنوب السوري خاضعة للقوات العسكرية للاحتلال الإسرائيلي، فيما يتحمل السكان كلفة غياب الحماية.

كان المزارع محمد الشنّور ينتظر موسم الزيتون ليسدد بعض ديونه، لكنه انتهى إلى نقل حطب أشجاره المقتلعة إلى منزله للتدفئة، فقد جرفت الآليات الإسرائيلية نحو 400 شجرة في أرضه بمنطقة صيدا الحانوت بريف القنيطرة الجنوبي، والأرض التي بدأ العمل فيها عام 2005، وتبلغ مساحتها 11 دونماً، فقدت حصيلة عشرين عاماً من العناية خلال عملية تجريف قصيرة، وبات الوصول إليها نادراً، رغم أنها تبعد نحو كيلومترين ونصف الكيلومتر عن منزله، بسبب الدوريات والقيود الإسرائيلية.

تختصر هذه الخسارة جانباً من التحول الذي يعيشه سكان المناطق التي تشهد انتشاراً إسرائيلياً أو توغلات متكررة في درعا والقنيطرة، فالاحتلال يفرض أثره عبر تفاصيل تتصل بالرزق والتنقل وأمان البيوت، وتتجاوز حدود المواقع العسكرية التي يقيمها. وقد يبقى المنزل قائماً والأرض مسجلة باسم صاحبها، بينما تصبح القدرة على السكن والعمل مرهونة بحركة دورية أو حاجز أو قرار عسكري لا يملك السكان الاعتراض عليه.

الأرض التي يصعب الوصول إليها

تزامنت اعتداءات تشرين الأول مع موسم قطاف الزيتون، حين تحتاج الأسر إلى الوصول المنتظم إلى أراضيها والاستعانة بالعمال ونقل المحصول. وفي 18 تشرين الأول الماضي، جرفت قوات الاحتلال أراضي مزروعة بالزيتون غرب مزرعة الحانوت، وأقامت حاجزاً في منطقة العقربية بين عابدين وجملة بحوض اليرموك، أعاق حركة السكان قبل انسحاب القوة. وفي اليوم نفسه، أُطلق سراح شابين كانا قد احتُجزا أثناء العمل في بساتين قرب طرنجة.

وشهد منتصف الشهر الماضي إطلاق نار باتجاه الأراضي الزراعية المحيطة بكودنة، وباتجاه رعاة أغنام في منطقة مزرعة الحانوت، إلى جانب منع رعاة من دخول محمية جباتا الخشب وتهديدهم بإطلاق النار. وهكذا امتدت القيود من الحقول والبساتين إلى المراعي، لتطاول مصادر رزق متعددة يعتمد عليها السكان.

تعني هذه الممارسات أن الخسارة الزراعية لا تُقاس بالأشجار المقتلعة وحدها، فتعذر الوصول إلى الحقل يهدد القطاف والعناية بالمحصول، وتقييد الرعي يضيّق مصادر دخل الأسر، وتتسع الآثار لتشمل العمال والنقل ومعاصر الزيتون والأسواق المحلية. وفي اقتصاد ريفي مثقل أصلاً بأعباء الحرب، يمكن أن يتحول موسم ضائع إلى ديون جديدة، وأن يصبح استمرار الأسرة في قريتها أكثر صعوبة.

ولا تتوافر حصيلة مستقلة شاملة للخسائر الزراعية خلال الشهر الماضي، لكن الوقائع المتكررة تكشف تعدد أشكال الضرر، مثل إتلاف مباشر للممتلكات، وتعطيل الانتفاع بها، وتعريض العاملين فيها للخطر. ويقوّض اجتماع هذه الأضرار قدرة الأهالي على التخطيط لمواسمهم المقبلة، إذ تصبح زراعة الأرض استثماراً مهدداً بالتجريف أو بمنع الوصول إليها في أي وقت.

الطريق والبيت تحت التهديد

في 22 تشرين الأول، شيّع أهالي جملة بريف درعا معاذ سلامة البعير، وهو شاب من ذوي متلازمة داون، قُتل خلال توغل إسرائيلي. وأكد سكان القرية أنه كان أعزل، بينما قال الجيش الإسرائيلي إن جنوده أطلقوا النار بعد استمرار شخص اعتبروه مشتبهاً به في الاقتراب منهم، وإن الواقعة قيد المراجعة. وتقع جملة خارج المنطقة العازلة التي احتلتها إسرائيل بعد سقوط سلطة الأسد.

تكشف الواقعة اتساع الخطر الذي يواجهه المدنيون خارج مواقع الانتشار الثابتة أيضاً، فالتوغل يضع السكان أمام جنود مسلحين يحددون قواعد الاقتراب والحركة واستخدام القوة داخل قراهم. ويصعب بناء شعور مستقر بالأمان عندما يتكرر دخول القوات إلى الأحياء والطرقات، وتبقى نتائج مواجهة عابرة معها غير قابلة للتوقع.

وتترك المداهمات وعمليات التفتيش أثراً يتجاوز ساعات تنفيذها، فالمنزل الذي يُفترض أن يوفر لأصحابه الأمان يصبح معرضاً للاقتحام، والطريق المعتاد بين قريتين قد يتحول إلى نقطة تفتيش. ومع تكرار هذه الوقائع، يضطر السكان إلى تعديل حركتهم وحساب مخاطرها، فتضيق المساحة التي يستطيعون ممارسة حياتهم فيها بحرية.

وتشير أعمال التحصين إلى أن هذا الضغط قد يطول. ففي 25 تشرين الأول، استؤنفت أعمال الحفر وإنشاء التحصينات جنوب غربي مزرعة الحانوت، بالتزامن مع إقامة حاجز مؤقت على طريق عين البيضة – أوفانيا. وتجمع هذه الممارسات بين منشآت تُرسّخ الوجود العسكري وحواجز متحركة تمد أثره إلى طرق السكان، بما يجعل نطاق السيطرة أوسع من المساحة التي تشغلها المواقع الثابتة.

عائلات تنتظر المعتقلين

يمتد أثر الاعتقال إلى عائلات تبقى منشغلة بمكان احتجاز أبنائها وإمكان التواصل معهم ومصيرهم. وفي 17 تشرين الأول، عرض ذوو محتجزين سوريين لدى إسرائيل معاناتهم خلال لقاء في القنيطرة مع وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام، مطالبين بالإفراج عن أبنائهم.

وسبق توثيق احتجاز سوريين ونقلهم عبر الحدود، مع معلومات عن احتجاز بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، ومخاوف من تعرضهم للتعذيب أو سوء المعاملة. وقد أثارت هذه الممارسات تحذيرات حقوقية من احتمال ارتقاء بعض الأفعال إلى جرائم حرب.

بالنسبة إلى العائلات، يعني غياب المعلومات استمرار الانتظار والقلق، وتعذر معرفة المسار الذي يمكن سلوكه للوصول إلى المعتقل أو الدفاع عنه. وتضاف إلى ذلك الأعباء المعيشية عندما يكون المحتجز أحد العاملين في الأسرة. وهكذا يصبح الاعتقال حدثاً يعيد ترتيب حياة البيت كله، ويترك أثره في علاقته بالمكان وبالجهات التي يُفترض أن تحمي حقوقه.

السيادة من موقع السكان

يقول الاحتلال الإسرائيلي إن وجود قواته العسكري يهدف إلى حماية أمنه، لكن الوقائع اليومية تضع معياراً ملموساً لتقييم الوضع: هل يستطيع المزارع الوصول إلى أرضه؟ وهل يأمن المدني على حياته داخل قريته؟ وهل تعرف الأسرة مكان احتجاز ابنها؟

تتحمل إسرائيل مسؤولية اعتداءاتها والقيود التي تفرضها على السكان. وفي الوقت نفسه، تكشف معاناة الأهالي حدود الحماية التي توفرها سلطة الأمر الواقع في دمشق. فالإدانات، مهما تكررت، لا تعوّض خسارة المحصول ولا تكشف مصير المعتقل ولا تضمن أمان الطريق. وتظهر مسؤولية السلطة تجاه مواطنيها أيضاً في توثيق الأضرار، ومساندة المتضررين، ومتابعة ملفات المحتجزين، وإتاحة معلومات واضحة عن جهود حمايتهم.

وتكتسب هذه المسؤولية أهمية إضافية في مناطق عانت سنوات من الحرب وتراجع الخدمات واستنزاف الموارد. فالأسر التي تواجه خسارة أرض أو مصدر دخل تحتاج إلى دعم يتيح لها الاستمرار، بينما يؤدي تركها تتحمل الأعباء وحدها إلى زيادة الضغط على بقائها، وإضعاف ثقتها بوجود مؤسسات معنية بمصيرها.

لا تخضع درعا والقنيطرة بكامل مساحتيهما لنمط واحد من السيطرة الإسرائيلية، فثمة مناطق انتشار عسكري، وأخرى تصلها التوغلات، لكن وقائع تشرين الأول تكشف أن أثر الاحتلال يمتد عبر الأرض والعمل والحركة والبيت. ومع تكرار الاعتداءات، يصبح البقاء نفسه أكثر كلفة: رزق يتقلص، وأمان يتراجع، وأسر تواجه سؤال الاستمرار في المكان الذي تنتمي إليه، من دون ضمانات تحمي حياتها وحقوقها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق