افتتاحية العدد 11… حقّ السوريين في تقرير مصيرهم
لا يعرف السوريون بعد ما يقارب العامين من انهيار سلطة بشار الأسد إلى أين تمضي البلاد على كل المستويات، ابتداءً من شكل نظام الحكم المقبل، مروراً بالجغرافيا، والاقتصاد والمعيشة، وشكل العلاقة بين سوريا ومحيطها الإقليمي، وغيرها الكثير من القضايا، التي تمسّ بشكل مباشر حياتهم ومستقبلهم.
المشهد العام في سوريا أقرب إلى فوضى عارمة، تحاول سلطة الأمر الواقع في دمشق، الإيحاء بأنها ممسكة بزمام الأمور، خصوصاً أمام المجتمع الدولي، في محاولة لا تتوقف لكسب الشرعية، والحصول على ما يمكن الحصول عليه من أموال لتشغيل بنى السلطة نفسها، وليس للنهوض بالبلاد من الحالة الكارثية التي وصلت إليها.
لقد عرضنا في الحزب الدستوري السوري (حَدْس) رؤيتنا منذ بداية انهيار سلطة بشار الأسد، والتي تتضمن رؤيتنا للمرحلة الانتقالية، المبنية على مشاركة السوريين من قوى سياسية ومدنية وأهلية، فمن دون مشاركة السوريين في تقرير مصيرهم، وممارستهم لهذا الحق، لا يمكن أن تكون سوريا أمام انتقال حقيقي، يشعر جميع السوريين أنهم معنيون بالمشاركة في إنجاحه، ولهم مصلحة حقيقية في تحقيق النجاح.
إن تقرير أي شعب لمصيره مرتبط بالدرجة الأولى بالجهات أو الفئات التي تقف وراء اتخاذ القرارات الكبرى، وفي حالتنا السورية، آثرت “السلطة” الحالية منذ استلامها للحكم أن تنفرد باتخاذ القرارات الكبرى، وقد أعلنت ذلك بشكل واضح في رفعها لشعار “من يحرّر يقرّر”، معتبرة أنها قامت بتحرير السوريين من سلطة بشار الأسد، وبالتالي فإنها تمتلك الحق في تقرير مصير البلاد والعباد، وبغض النظر عن عدم صحة مزاعمها في مسألة “التحرير”، فإن الواقع الموضوعي لبلاد خارجة من حرب لحوالي العقد ونصف العقد، يجعل من غير الممكن عملياً لأي فئة أن تقرر بالنيابة عن الجميع، أو أن تكون قادرة لوحدها على إدارة بلاد منهارة ومنقسمة اجتماعياً وشبه مفلسة مالياً.
اختارت “السلطة” تغييب السوريين عن المشاركة في صناعة المرحلة الانتقالية، والاتفاق على شكل هذه المرحلة وطريقة إدارتها والأهداف المرجوّة منها، وبالتالي غيبتهم فعلياً عن المشاركة في صناعة المرحلة ما بعد الانتقالية، والتي تكون فيها القضايا الأساسية محددة، مثل نظام الحكم وهوية الدولة وطبيعة العلاقة بين السلطات الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية)، والتعدد السياسي، والحقوق والحريات، والمسائل المتعلقة بالعدالة الاجتماعية، والفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع.
منذ اللحظة الأولى التي أقرت فيها “هيئة تحرير الشام” استلامها للحكم، واعتمادها إعلاناً دستورياً، يتجاوز في مبناه ومبتغاه ومواده صلاحيات المرحلة الانتقالية، ويمنح رئيس السلطة الانتقالية صلاحيات شبه مطلقة، كان واضحاً أن هذه السلطة قد قررت شطب حق السوريين في تقرير مصيرهم، أي شطب الشعب بشكل كامل، واعتماد مبدأ السلطة المطلقة، في نسخ ومسخ لمفهوم السلطة المطلقة الذي اعتمدته سلطة بشار الأسد، والذي أودى بالدولة والمجتمع والاقتصاد إلى الدمار.
وللاستعاضة عن الشرعية الشعبية، التي هي أساس استقرار أي نظام حكم، ذهبت “السلطة” نحو الخارج للحصول على الشرعية والاعتراف من قبل الدول في الإقليم وخارجه، خصوصاً أن بنيتها الصلبة ورموزها كانوا مصنفين على قوائم الإرهاب الأممية، كما أن مجيئها بصفقة إقليمية ودولية، برعاية أمريكية، وضعها في موضع الخاضع لتلك القوى، لتمرير أجنداتهم، ولعب دور وظيفي فيها، بعيداً عن أي اهتمام بالتدهور السريع للأوضاع الداخلية.
أما المثال الأبرز لغياب مقولة الشعب في ذهن هذه السلطة، وهي المقولة التي يفترض أنها متلازمة مع مفهوم المواطنة، فكان في ارتكابها مجازر طائفية في الساحل والسويداء، راح ضحيتها آلاف المدنيين، بالإضافة إلى ما ترتب عليها من نتائج وطنية ومواطنية، ففي هذا المثال، لم تنظر السلطة إلى أهالي الساحل والسويداء بوصفهم جزءاً من الشعب السوري، أو كمواطنين، وإنما تعاملت معهم على أساس انتمائهم الطائفي، وعلى أساس الإخضاع، وكأنها سلطة احتلال تريد إخضاع من تحتلهم بالقوة، من دون أي اعتبار للتكاليف الإنسانية والوطنية والسياسية والاجتماعية.
في هذا المثال، ثمة نقطة جوهرية، ينبغي تثبيتها في وعي سلوك هذه السلطة، فهي لا تريد عملياً أن تكون مقولة الشعب حاضرة في تعاملها مع السوريين، فقد سعت منذ اللحظة الأولى إلى التعامل مع السوريين كمكونات عرقية ودينية ومذهبية ومناطقية وعشائرية، ما يساعدها على بناء تحالفات مع بعض هذه المكونات، قابلة للاستبدال بغيرها حين تكون هناك حاجة لهذا الاستبدال.
في تغييب الشعب هناك تغييب متعمد للسياسة من التداول، وتقسيم للقضايا، وتفتيت للتضامن، وبدلاً من أن تكون سوريا ساحة واحدة للقضايا، نكون أمام أجزاء مقسمة لكل واحدة منها قضيتها، ففي الساحل، على سبيل المثال لا الحصر، أصبحت القضية هي الأمن والأمان، فبعد أن تعرض العلويون للقتل على أساس الهوية، أصبح هاجسهم الوحيد الحفاظ على أمنهم العام والخاص، وبعد أن أصبحت تهمة الفلول موجهة لهم عبر إعلام السلطة، وذريعة يمكن استخدامها ضدّ أي شخص من الطائفة العلوية، وضع العلويون في موضع الدفاع عن النفس، لكن الأنكى والأسوأ أن العلويين باتوا مستعدين للتضحية بكل القضايا الاجتماعية، بما فيها الحق في الحصول على وظيفة في مؤسسات الدولة، من أجل عدم التعرّض إلى مجازر جديدة، أو حتى استهدافهم على أساس تهمة جاهزة، وهي الانتماء للفلول.
إن استعادة حق السوريين في تقرير مصيرهم تبدأ من استعادة قدرتهم على العمل السياسي المشترك، وتجاوز العزل الذي يجعل كل فئة تواجه وحدها ما تتعرض له من انتهاكات وحرمان. وهذه مسؤولية تقع على عاتق القوى السياسية والمدنية والنقابية والأهلية، لبناء تضامن وطني يقوم على اعتبار أمن السوريين وحرياتهم وحقوقهم المعيشية قضية واحدة، يكون الاعتداء على أي منها اعتداءً على المجتمع بأكمله. ومن موقعنا في المعارضة الوطنية المواطنية، نرى أن مواجهة الاستبداد تقتضي بناء بديل ديمقراطي مستقل، يرفض الاصطفافات الطائفية والارتهان للخارج، ويمنح السوريين أدوات فعلية للدفاع عن حقوقهم والتأثير في مستقبلهم، من خلال التنظيم المستقل والعمل السلمي، وصوغ مشروع سياسي تتسع قاعدته بقدر ما يعبّر عن مصالحهم المشتركة. استمرار احتكار سلطة الأمر الواقع للقرار يؤدي إلى تفكك البلاد، ويدفع الفئات المهددة إلى البحث عن خلاص منفرد، ويمنح القوى الخارجية فرصاً أوسع للتحكم بمستقبل سوريا. ومن هنا، فإن المهمة الأساسية أمام المعارضة الوطنية المواطنية هي بناء قوة سياسية واجتماعية منظمة، قادرة على تغيير موازين القوى التي يقوم عليها هذا الاحتكار، وفرض حضور السوريين في تقرير شؤونهم. ويقتضي ذلك وصل النضالات من أجل الأمن والعدالة والعمل والحريات في حركة وطنية ديمقراطية، تمتلك برنامجاً مشتركاً وأدوات عمل سلمية مستقلة، وتحاصر سياسات التفتيت والإخضاع. فحق السوريين في تقرير مصيرهم يصبح واقعاً بقدرتهم على تنظيم أنفسهم، وانتزاع المجال العام، وإخضاع السلطة للمساءلة والمحاسبة، وصولاً إلى تأسيس دولة تكون فيها المواطنة مصدر الحقوق، والإرادة الشعبية مصدر شرعية الحكم.