تحقيقات

النساء في سوريا: من زمن الحقوق المنقوصة إلى زمن الوصاية الدينية

على مرّ عقود من تاريخ الدولة السورية، حصلت النساء على الكثير من الحقوق، التي ظلّت مع ذلك منقوصة في بلاد يحكمها الاستبداد. ثم جاءت الحرب لتضيف أعباءً وأدواراً جديدة إلى حياة الكثير منهن، في ظل الانزياحات الاجتماعية والاقتصادية التي أحدثتها، واضطرار أعداد كبيرة من النساء إلى القيام بدور المعيل لأسرهن، وانخراط قسم لا بأس به منهن في سوق العمل.

كان يُفترض أن تتوّج هذه التحولات، مع رحيل نظام بشار الأسد، بإقامة نظام يقوم على المواطنة، وينهي حالة النقصان التي شابت حقوق النساء. لكن ما حدث أفضى إلى عكس ما كان مأمولاً، إذ وصلت إلى الحكم سلطة أمر واقع ذات خلفية سلفية جهادية، تثير مرجعيتها الأيديولوجية مخاوف جدية على ما حققته النساء السوريات من حقوق ومكانة، وهي مخاوف عززتها ممارسات سرعان ما ظهرت في المشهد السوري، خصوصاً مع تصاعد الدعوات الصادرة عن مؤسسات تابعة للسلطة، أو جهات تدور في فلكها، لإخضاع حياة النساء وأدوارهن في المجتمع لوصاية فقهية وذكورية.

وللإضاءة على مختلف الجوانب السياسية والاجتماعية والقانونية لأوضاع النساء اليوم ومستقبلهن، تشارك في هذا التحقيق مجموعة من الكاتبات والباحثات والناشطات الحقوقيات والسياسيات السوريات، في محاولة لتوصيف التحولات الجارية وتحليل مخاطرها، والإجابة عن سؤال أساسي: إلى أين تتجه أوضاع النساء في سوريا؟

إيمان أحمد ونوس: كاتبة متخصصة بشؤون المرأة

لقد ناضلت المرأة السورية طوال عقود لأجل وصول النساء إلى مستويات متقدمة على صعيد حقهن في التعليم والعمل بداية، ومن ثم مشاركتهن في الحياة السياسية، حيث كانت المرأة السورية الأولى على مستوى العالم العربي حين حصلت على بعض الحقوق السياسية، وأهمها حق الانتخاب ومن ثم الترشّح في خمسينيات القرن الماضي. والوحيدة التي كانت متساوية مع الرجل في الحقوق والواجبات (المرتبة الوظيفية والأجر..) في قانون العاملين الأساسي.

وخلال سنوات الصراع التي شهدتها البلاد والتي امتدت ما يقارب العقد ونصف العقد من الزمن، اضطر المشرّعون لتعديل بعض مواد قانون الأحوال الشخصية عام 2019 نتيجة ما طرأ على دور المرأة من متغيّرات جرّاء غياب الرجل عن الحياة الاجتماعية والأسرية بسبب ظروف الحرب من اعتقال واستشهاد … الخ. حيث مُنحت المرأة حقاً مساوياً للرجل في التنقّل والسفر بالأولاد مثلاً. وكذلك اصطحاب المحضون إلى مكان عملها بعد أن كان مشروطاً بموافقة الزوج وفقط في مكان سكنها. إضافة إلى أمر غاية في الأهمية، وهو عدم التعرّض لحريات النساء الشخصية في اللباس وما شابه.

أما اليوم، نجد أن هناك محاولات لإعادة المرأة إلى معتقلات الحرملك وعهد الجواري والسبايا والإماء بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، إذ يتم التضييق على الحريات الشخصية بكل صفاقة في الفضاء العام، والأخطر هو حالات الخطف المتزايدة يوماً بعد آخر لتشمل النساء من كل البيئات والطوائف، وذلك نتيجة انعدام الأمن والأمان في المجتمع، والتغاضي عن المجرمين وعدم محاسبتهم.

صدرت عدة تقارير من منظمات متعددة، منها منظمات دولية، تؤكد بمجملها أنه رغم وعود الحكومة المؤقتة بالإصلاح وتحسين الوضع الأمني، إلاّ أن النساء ما زلن يدفعن الثمن الأكبر في ظل استمرار التراجع على مختلف المستويات. فقد احتلت سوريا المرتبة 178 من أصل 181 دولة في مؤشر المرأة والسلام والأمن خلال عامي 2025/ 2026 الصادر في شهر تموز الفائت، لتصبح رابع أسوأ دولة في العالم من حيث أوضاع النساء متقدمة فقط على أفغانستان واليمن وجمهورية أفريقيا الوسطى، ويضع التقرير أحمد الشرع أمام انتقادات متزايدة، إذ صنّف التقرير سوريا ضمن الدول الهشّة، وسجل لها أدنى نسبة عالمياً لشعور النساء بالأمان عند المشي بمفردهن، والتي لم تتجاوز 17% ويعتمد المؤشر على 13 معياراً لتقييم البلدان حول العالم، تشمل التعليم والعمل والعدالة والأمن والمشاركة السياسية. وبينما تصدّرت الدنمارك التصنيف العالمي، بقيت سوريا في ذيل القائمة في مؤشر يعكس استمرار التدهور واتساع الفجوة بين الوعود والواقع.

ورغم أن الحكومة المؤقتة قدمت خطاباً رسمياً وخارجياً يفيد أنها مع المرأة والمساواة والعدالة، لكنها أطلقت العنان للمجتمع في التصدي للمرأة المطالبة بحقوقها وضرورة مشاركتها، وذلك من خلال التغاضي عما يجري للنساء من خطف وقتل وتعنيف وتقييد لمختلف تحركاتها وأنشطتها. إضافة إلى انتهاكات مجتمعية ومؤسساتية من خلال السماح لدعوات تنقيب وتحجيب النساء بالانتشار على مستوى واسع حتى في الأحياء المسيحية.

ولنأخذ مثال آخر على بعض الانتهاكات التي تتعرّض لها النساء والفتيات في الفضاء العام، وهو محاولة رجل عجوز التحرّش بفتاة صغيرة دخلت دكانه، وانتشار الفيديو على مستوىً واسع على السوشال ميديا، إن سبب انتشار الفيديو هو فقدان الثقة بالحكومة (كمفهوم) ومؤسسة العدالة المطلوبة منها، فلجأ الناس لمحاكمة الجاني افتراضياً وإصدار حكم سريع ومبرم، انطلاقاً من مقولة أن الحكومة لا تحمي الحقوق من جهة الرافضين لهذا الانتهاك، بينما المدافعين عن هذا الرجل لم يعتبروا أن هذا انتهاكاً طالما لم يصل إلى مستوى خطير، وفي هذا تبرير وصك براءة لكل من تسول له نفسه التعرّض للفتيات والنساء في الفضاء العام، بل والأخطر، التشهير بالضحية وشتم أهلها لأنهم نشروا الواقعة.

إن في كل ما ذكرنا مؤشّر خطير على مستقبل النساء السوريات على كافة الصعد، القانوني والتعليمي والأسري وكل ما له علاقة بدور النساء السوريات بالشأن العام وأوضاعهن الصعبة، وخصوصاً بعد أن نصَّ الإعلان الدستوري للسلطة الجديدة في مادته الثالثة أن: “الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيس للتشريع”، بما يترك الباب مفتوحاً للتأويلات والتفسيرات ذات المنطق والمنهج الديني المتشدد جداً حيال دور ومشاركة المرأة في المجتمع، ومعظم تلك التفسيرات والتأويلات تحصر دور المرأة في المنزل والأسرة فقط، يُضاف إلى ذلك وجود أشخاص على رأس السلطة القضائية وضمن هيكليتها القائمة حالياً لهم تاريخ حافل بالانتهاكات ضد النساء وبمقاطع فيديو مصورة.

كما أن تعاطي السلطة القضائية القائمة مع ملفات اختطاف النساء والفتيات والقاصرات، في مختلف المناطق السورية، وتحديداً في مناطق الأقليات الطائفية، يؤكد أن هذه السلطة، والتي من المفترض أن تكون هي الجهة التي تحمي حقوقهن وتحفظ كرامتهن، قد تخلت عن دورها القانوني والوظيفي لصالح بُنى ما قبل وطنية تحتكم لأعراف القبيلة التي لا ترى في النساء سوى ربّات بيوت يجب تغليفهن، ما يدفعنا للقول إننا عدنا إلى الخطوة الأولى التي خطتها النسويات السوريات الرائدات مطلع القرن الماضي للأسف.

سوسن زكزك: باحثة وناشطة سياسية ونسوية

كان واضحاً تأثير وصول السلطة الجديدة على النساء في سوريا، التي لا يمكن اعتبارها سلطة واحدة، بل هي مجموعة سلطات (الرسمية: الرئيس وحكومته، التيار الديني المتشدد، المجموعات العسكرية الجهادية)، تتناحر وتتآلف بحسب مصالحها السياسية، إلاّ أن ما يجمعها هو أنها لم تستطع، وبعبارة أدق: لا تريد، حماية النساء وتمكينهن من حقوقهن الإنسانية ووصولهن إلى المكانة التي يستحققنها! وإن كانت السلطتان غير الرسميتين ليستا مجبورتين على اتباع سياسات تخالف عقيدتهما، إلاّ أن السلطة الرسمية ملزمة، بحسب الإعلان الدستوري الذي وضعته، بتشميل النساء بالمساواة وضمان حقوقهن الواردة في الاتفاقيات الدولية المصادق عليها وبحفظ مكانة المرأة الاجتماعية وكفالة حقها في التعليم والعمل، وضمان حقوقها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وحمايتها من جميع أشكال القهر والظلم والعنف.

وهذه النصوص الدستورية تفرض على السلطة الرسمية حماية النساء من جميع الأفراد والمجموعات، بما فيها التيار الديني المتشدد والمجموعات العسكرية الجهادية.

إلاّ أن التراجع الذي واجهته النساء السوريات في ظل هذه السلطة يبدأ من الإعلان الدستوري الذي يكرس في المادة 21 الدور التقليدي للمرأة في الأسرة، ولم يقف عند فقدان حماية السلطة الرسمية لأولئك النساء فقط، بل تعداه إلى تغاضيها عمن يهدد النساء وحقوقهن، ما يعني تشجيعاً مباشراً لتلك القوى، وآخر دليل على ذلك هو الاتفاق بين وزارة الأوقاف والشيخ الذهبي على التنسيق في حملاته الدعوية، أي إعطائه رخصة مفتوحة لحملات الترويج لارتداء النقاب، الذي سيؤثر على فرص المرأة المنقبة في المشاركة في الحياة العامة، وكذلك في التغاضي عن حملات الشيخ، ذاته، الهادفة إلى جذب الشابات إلى الفكر السلفي، الذي يكرّس دونية المرأة، ويجعلها مستلبة وتابعة لشيخها، الذي يقودها في الاتجاه الذي يريده، وتصبح النساء التابعات له خزاناً من الأصوات الانتخابية، يصبّها حيث يريد!

وساهمت المجازر التي ارتكبها التيار الديني المتشدد والمجموعات العسكرية الجهادية وخمسة فرق من الجيش النظامي مع حملات اختطاف النساء الممنهجة، التي أنكرتها السلطة رغم توثيقها من عدد من المنظمات النسوية والحقوقية، كل هذا ساهم في بث الخوف بين أهالي المناطق المستهدفة، ما أدى إلى الضغط على بناتهن من أجل عدم الالتحاق بالجامعات أو ترك الدراسة الجامعية، وهذا سيدفع العديد من أولئك الفتيات إلى الزواج والانكفاء عن المشاركة في سوق العمل واعتمادهن بشكل كامل على الزوج، ما يمنع استقلالهن الاقتصادي وما ينتج عنه، ويهددهن بالفقر في حال فقدان الزوج.

وعلى الرغم من عدم حدوث تغييرات قانونية خاصة بحقوق النساء إلاّ أن تصريح المفتي الخاص بإلغاء مواد من آخر تعديل على قانون الأحوال الشخصية يدل على أن الاتجاه العام للسلطة الرسمية يسير نحو التقليل من حقوق النساء، خصوصاً في ظل هيمنة الفكر الديني السلفي على مواقع صنع القرار، وحرص رئيس البلاد على الظهور بلبوس ديني، حتى في المناسبات الوطنية، كما حدث في الاحتفال بالذكرى السنوية لسقوط الأسد، كما لم يجرِ الانتهاء من مسودة قانون الحماية من العنف الأسري لإحالته إلى مجلس الشعب، وانتشار إشاعات عن اختلافات كبيرة حول القانون بين الوزارات المشاركة في إعداده.

وتجلى كل ما سبق ذكره بوضوح في ركود حالة المشاركة السياسية للنساء في الفضاء العام، حيث بقيت نسبة تمثيل النساء في مجلس الشعب متقاربة مع النسبة أيام نظام الأسد، بينما انخفضت نسبة تمثيل النساء في الحكومة، ورفضت السلطة الرسمية تبني مبدأ الكوتا لرفع نسبة النساء في مواقع صنع القرار، كما تحرم النساء السوريات من مجال حيوي لممارسة العمل السياسي وهو غياب الأحزاب السياسية، وترداد المؤثرين من مؤيدي النظام لفكرة أنه من الأفضل ألّا يكون هناك أحزاب سياسية!

وفي خلاصة القول، لا يمكن النهوض بأوضاع النساء، في المجالات كافة، إلاّ في ظل وجود دولة ديمقراطية، تضمن حقوق الإنسان، وفي صلبها حقوق النساء، وهذا ما لا تستطيع السلطة الحالية تحقيقه.

سوزان سالمة: صحفية وعضو في الحزب الدستوري

بدايةً، أعتقد أنه لا يمكننا مناقشة مستقبل المرأة السورية بمعزل عما يواجهه الإنسان السوري في ظل الواقع الراهن، الذي يخضع لسلطات أمر واقع أفرزتها مرحلة ما قبل سقوط نظام الأسد، وبشكل رئيس السلطة الحالية القائمة في دمشق، التي لم تستجب حتى الآن للاستحقاق التاريخي في بناء دولة ديمقراطية تضمن حقوق المواطنة المتساوية بين جميع أفراد الشعب وتحترم حقوق الإنسان. فمستقبل المرأة السورية، في تقديري، متصل بشكل بنيوي بمستقبل الدولة السورية نفسها، إذ لا يمكن بناء حقوق حقيقية للنساء في ظل دولة لا تضمن سيادة القانون، وفصل السلطات، والعدالة والمساءلة والشفافية.

فقد اتجهت، منذ توليها إدارة المرحلة الانتقالية، إلى احتكار السلطة من خلال تركيز السلطتين التشريعية والتنفيذية في يد رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، واعتماد مبدأ التعيينات في المؤسسات الحكومية، بما يتنافى مع مبادئ الديمقراطية والمشاركة المتساوية بين النساء والرجال في إدارة مؤسسات ومفاصل الدولة.

تواجه المرأة السورية اليوم تحديات بالغة على أكثر من صعيد. ففي الفضاء العام، تعيش النساء السوريات واقعاً أمنياً متردياً، تجلى على شكل عنف مباشر موجه ضد المرأة عبر تهديد وجودها ومشاركتها في الحياة العامة، من خلال الخطف الذي اتخذ طابعاً طائفياً، خصوصاً في الأماكن التي شهدت مجازر وانتهاكات. وقد وثقت آليات الأمم المتحدة المختصة نمطاً من عمليات الخطف والاختفاء القسري والعنف القائم على النوع الاجتماعي ضد نساء وفتيات علويات منذ شباط/فبراير 2025.

وتشير هذه الانتهاكات إلى استغلال جسد المرأة واستخدامه كأداة إذلال للسيطرة والتحكم في جماعات معينة. وقد ترافق ذلك مع حملات إعلامية وعلى الفضاء الإلكتروني لإسكات الأصوات التي توثق هذه الانتهاكات عبر تكذيبها وتقديم روايات مضادة، والتهجم على الحياة الشخصية للناشطات والصحفيات والحقوقيات بهدف عزلهن وإبعادهن عن الفضاء العام وتقييدهن بأدوار تخدم خطاب السلطة فقط. بينما تنظم حملات علنية دعوية وتحت أعين السلطة، دون أي مضايقة أو حتى انتقاد من السلطة واتباعها، مثال على ذلك ما شهدناه قبل أيام في حملة الشيخ المعروف باسم “الذهبي”. كل ذلك يكرّس خطاباً ذكورياً متسلطاً على حياة المرأة، وينصب نفسه وصياً عليها، ويقيد حريتها الجسدية والفكرية والاجتماعية، ويشكل عوائق كبيرة أمام ممارسة دورها الفاعل في الشأن العام.

أما فيما يتعلق بالمشاركة السياسية، فماذا يمكننا أن نفهم من حكومة مؤلفة من 23 وزيراً، بينهم وزيرة واحدة، ومن تمثيل نسائي محدود في المؤسسات الانتقالية؟ هل يمكننا، بعد ذلك، أن نتوقع أن تتمكن المرأة من الاقتراب من مراكز صنع القرار؟ ما يجري حتى الآن لا يقدّم مؤشرات كافية على وجود إرادة سياسية تضمن مشاركة النساء بصورة متساوية وفاعلة في الحياة السياسية.

على الصعيد القانوني والقضائي، من الصعب توقع مستقبل يضمن حقوق النساء في ظل سلطة يغيب عنها مبدأ فصل السلطات والرقابة الفاعلة على السلطات التنفيذية والتشريعية. ففي وقت كنا نتطلع فيه لتغيير جذري للقوانين التمييزية ضد المرأة المنصوص عليها في قانون الأحوال الشخصية وقانون الجنسية، الذي يحرم المرأة السورية المتزوجة من رجل غير سوري من منح جنسيتها لأولادها، وكذلك قانون الميراث، حيث تكون المرأة هي الحلقة الأضعف في العديد من المناطق وتحرم من حقها في الإرث تحت ضغط العرف والتقاليد الاجتماعية، وسط غياب آليات قانونية فعالة لضمان حقها. هذا فضلاً عن الأعذار المخففة التي ارتبطت تاريخياً بجرائم ما يسمى “الشرف”، والتي تنتهك حق المرأة في الحياة والاختيار، وكذلك القيود المرتبطة بالولاية والوصاية التي تحد من قدرة النساء على اتخاذ قرارات تتعلق بمصلحة أطفالهن. نخشى اليوم من تشريعات أكثر تمييزية ضد المرأة. وما يجدر ذكره أن الأمم المتحدة ما تزال تشير إلى استمرار التمييز في عدد من مجالات قانون الأحوال الشخصية والحقوق القانونية للنساء.

هذه المسألة لا تنفصل أيضاً عن ملف العدالة. فمستقبل النساء اللواتي تعرضن للاعتقال والتعذيب والعنف والاختفاء، وكذلك عائلات المعتقلين والمفقودين والمتضررين، يرتبط بقدرة السلطة على كشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، وضمان التعويض، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ومنع الإفلات من العقاب، التي من المفترض أن تكون إحدى الركائز الأساسية للمرحلة الانتقالية.

فمن السذاجة، برأيي، أن نصدق أن الدولة يمكنها أن تحمي المرأة من العنف بينما تفشل في محاسبة مرتكبي الانتهاكات، كما أنه لا يمكن بناء ثقة بين الدولة ومواطنيها من دون شفافية تكشف حقيقة مصير المعتقلات والمختفيات، وتنصف الناجيات والمتضررات.

على صعيد التعليم، تشهد المرحلة الانتقالية مخاوف من تحول ساحات التعليم والجامعات إلى أدوات للضخ الإيديولوجي، في وقت كان من المفترض أن تشكل ساحات للنقاش والتدرب على التفكير النقدي والالتزام بالحياد العلمي والموضوعية، لتشكيل تجمّعات وحركات ترفد المجتمع السوري بكوادر متنوعة فكرياً ومهنياً. كما أن الواقع الأمني الهش انعكس بشكل مباشر على حركة النساء ووصولهن إلى أماكن التعليم، لا سيما في المناطق التي شهدت انتهاكات وتوترات أمنية، إضافة إلى المخاوف المرتبطة بتغييرات في المناهج التعليمية التي تكرّس صورة نمطية عن المرأة في المجتمع، بالإضافة إلى الواقع المزري لتعليم الفتيات في المخيمات، حيث تعاني نسبة كبيرة من العائلات المهجّرة من غياب الخدمات في قطاعات الصحة والتعليم، في ظل غياب خطة فعّالة واضحة تضمن عودة النازحين والمهجرين إلى مناطقهم بصورة آمنة وكريمة.

كل هذه المجالات تتداخل فيما بينها بحيث تشكل بيئة خانقة لحرية الإنسان، وتبعده عن وضعه على مسار التطور والحداثة لخلق مجتمع صحي تحكمه قوانين لا تميز بين مواطناتها ومواطنيها على أساس جندري أو طائفي أو فئوي. فحقوق المرأة السياسية والقانونية والاجتماعية والأمنية ليست ملفات هامشية، بل هي مقياس فعلي لمدى تقدم الدولة.

لكن بالنسبة لي، وعلى الصعيد الشخصي، أرى أن المستقبل أوسع من أي سلطة فرضتها تغييرات وتحالفات دولية. أؤمن أن المرأة التي لم يثنها استبداد نظام الأسد عن دورها الفاعل في كل مناحي الحياة، في المنافي والوطن والخيام، لن تتمكن سلطة الأمر الواقع الحالية من إخضاعها.

مستقبل المرأة السورية أوسع من ذلك بكثير، فهو جزء من مستقبل سوريا المنشودة، دولة المواطنة والعدالة.

أمل نصر: نقابية سابقة ومعتقلة سياسية

من الصعوبة بمكان النظر إلى واقع المرأة السورية الحالي بمعزل عن راديكالية السلطة المرتبطة بالشركاء المحليين العنفيين الذين تواروا خلف أبوابها لتهيمن من خلالهم على المجتمع والدولة، بقوة العنف، فالإشكال التاريخي الذي مرت به سوريا لعقود لا يرتبط فقط بتبدّل السلطة، بقدر ما يرتبط باستمرار تعزيز هذه القوة بوصفها أداة لتنظيم المجتمع عبر الإخضاع القسري، في ظل ضعف مؤسسات قادرة على ضمان الحماية بسلطة القانون.

وبالمقارنة مع مرحلة النظام السابق، حيث كانت الأجهزة الأمنية والعسكرية تمثل المصدر الرئيسي للسيطرة بالترهيب والخوف، الذي انعكس قهراً على حياة النساء في مختلف أنحاء سوريا. وتُسجَّل في هذا السياق وقائع تعود إلى أواخر السبعينات وأوائل الثمانينيات، من بينها حالات اعتقال لنساء سياسيات ومدنيات في عموم سوريا، وخطف لفتيات في بعض المناطق مثل الساحل، إضافة إلى حالات أُجبرت فيها نساء محجبات في دمشق على نزع الحجاب من قبل عناصر المظليات والمظليين التابعين لسرايا الدفاع حينها.  في حين تسجل مسارات الواقع الحالي للسلطة المؤقتة للسوريات رعباً وإرهاباً وعنفاً مضاعفاً، من خلال مجموعات راديكالية تتبنى ثقافة دينية سلفية متشددة، انعكست في سلوكياتها تجاه لباس المرأة “المحتشم” وحضورها المجتمعي والفكري والسياسي. ورغم اختلاف المرجعيات بين السلطتين، يبقى القاسم المشترك هو توظيف القوة في تنظيم السلوك العام للمجتمع.

ولا يعني ذلك أن البنية الحالية تعيد إنتاج النموذج السابق بصورة مباشرة، إذ إن مصادر القوة اليوم أكثر تعدداً وتعقيداً، وتشمل تشكيلات عسكرية غير مركزية، وميليشيات، وبنى عشائرية ومحلية، إضافة إلى هويات دينية ومناطقية. غير أن هذا التنوع، في ظل ضعف المؤسسات، ينعكس هشاشةً في الحماية العامة، وخاصةً فيما يتعلق بأمن النساء، بحيث يصبح الأمان في بعض السياقات مرتبطاً بالانتماء إلى جماعة محلية أو دينية، أو بشبكة حماية ميليشياوية أو عشائرية، بدل ارتباطه بالقانون ومؤسسات الدولة.

فمن خلال ما شهدته مناطق مختلفة من سوريا منذ استلام السلطة الحالية، لتجاوزات وانتهاكات وتعدي على الحقوق العامة وصولاً إلى الخطف والقتل والاختفاء، طالت نساءً وشابات وصغيرات، في سياقات ارتبطت بتوترات أمنية وميليشياوية وتحت مسميات مختلفة، منها الانتماء إلى النظام السابق أو إلى الجماعات العلوية في الساحل السوري، أو في سياقات ذات طابع طائفي ديني تكفيري في الجنوب، ولا سيما السويداء وجرمانا وصحنايا. كما أشارت تقارير أممية إلى حالات خطف لنساء وفتيات لم يُعرف مصير بعضهن إلى الآن.

ولم يقتصر العنف على هذه السياقات، بل طال أيضاً نساء من الانتماءات الدينية نفسها في مناطق مثل درعا وحلب وريف دمشق، ومنها الضمير، ولم يقتصر على الخطف والقتل، بل شمل العنف المبرح ضد طفلات داخل أسرهن، من دون رقيب أو محاسبة قانونية للجاني، فرداً كان أم جماعة. ويمكن الاستدلال كذلك على اتساع حضور القوة غير المنظمة من خلال استعراضات لبعض العشائر السورية لرجالها في أسواق دمشق العام الماضي، وهم يتجولون حاملين السواطير ويتباهون بتسلحهم الجمعي. وهذا يؤكد أن العنف لا يرتبط حصراً بانتماء أو هوية، بل يمكن أن يتوسع في سياقات يغيب فيها التنظيم المؤسسي للقوة بالقانون، ويتحول فيها منطق الحماية إلى منطق جماعات محلية أو مسلحة تتنافس على هذه القوة، فتتحول المرأة إلى ساحة صراع وورقة ضغط، وينغلق المجتمع على نفسه ويصبح هو الرقيب الراديكالي من دون تدخل فعّال من سلطة الدولة.

وتظهر هذه التحولات في الحياة اليومية للنساء من خلال مخاطر وقنوات غير رسمية، يصعب ضبطها قانونياً. فتختلف هنا خيارات التنقل والدراسة والعمل والزواج عملياً بين شاب وفتاة في السياق المجتمعي نفسه، وليس بالضرورة نتيجة نص قانوني مباشر تفرضه السلطة، بل نتيجة تقديرات اجتماعية وأمنية مرتبطة بالخوف من المخاطر المحتملة التي تتعرض لها النساء خصوصاً. وهنا يبدأ التفاوت بالظهور بين النساء في المدينة والريف، بسبب الحضور الأكبر للسلطة الذكورية العائلية أو العشائرية أو الميليشياوية في بعض المناطق لتصبح القوانين المحلية طوق نجاة للمرأة ولأمنها، كبديل عن قانون الدولة.

وبالتدقيق بكل ذلك في المنعكس السياسي  في وصول النساء إلى موقع صنع  القرار، يظهر وجه التشابه مع النظام السابق، في المحاصصة سواء عبر التعيين بقرار سياسي، أو عبر شبكات النفوذ المحلية والعائلية والدينية والعشائرية، لتصبح هيمنة الرئيس بوصفه السلطة السياسية الأعلى لقرارات تعيين النساء، هي الحل لإظهار  السلطة بصورة حضارية، تضمن  فيها حضوراً للنساء غير المحجبات (سافرات) في مناصب قيادية عليا، ومثال ذلك تعيين وزيرة من أقلية دينية، إضافة إلى تشكيلات مجلس الشعب الأخيرة التي اعتمدت بعض آلياتها على اختيار مباشر من الرئيس للمشاركة النسائية.

ويبقى من المهم الإشارة إلى ما تلعبه الميديا، سواءً عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو من خلال تداول صور لنساء سوريات عائدات من الخارج لزيارة سوريا، في فضاءات اجتماعية غير مقيدة باللباس أو الحركة أو التنقل داخل المدن السورية، باعتبارها مؤشراً على تحسن الوضع الأمني. غير أن هذه الصور لا تعكس حقيقة التجربة اليومية للنساء المقيمات، اللواتي تتحدد حياتهن بعوامل أكثر تعقيداً تتعلق بالأمن والأمان، وبالقيود على الحركة والتنقل، في ظل تفاوت كبير في مستويات الحماية.

برأيي الشخصي، تبدو تجربة المرأة السورية الآن عند مفترق طرق وعرة جداً، مرتبطة بتوازنات غير مستقرة لأشكال متنوعة من الهيمنة بالقوة. فمن جهة، هناك خطر استمرار أنماط حكم لا تعتمد بصورة قانونية على أدوات ضبط اجتماعي وأمني من خلال مؤسساتها، بل تسعى إلى الهيمنة المجتمعية بالقوة. ومن جهة أخرى، هناك خطر تفكك الهوية الجمعية لصالح هويات محلية وجماعات متنافسة.

وبين هذين المسارين، يبقى خيارنا النضالي التاريخي هو نموذج الدولة القادر على الانتقال من منطق القوة إلى منطق القانون. وهذا المسار لا يتحقق بتغيير الأشخاص أو العناوين السياسية فقط، بل بإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع على أساس المواطنة المتساوية والمتكاملة، وتنظيم الحياة العامة عبر القانون والمؤسسات، فطريقنا النضالي لا زال طويلاً ومحفوفاً بالمخاطر، في ظل هيمنة سلطة الأمر الواقع، واستمرار خطاب الكراهية، ليصبح من أولويات مسؤولياتنا كتجمعات نسوية ومنظمات مدنية ونقابية وسياسية مجتمعة، كسر حلقة هذا العنف وتحدي هذا الواقع ككتلة منظمة قادرة على السير نحو التغيير.

هوازن خداج: باحثة في قضايا النساء وحقوق الإنسان

شكل الانتقال من سلطة ديكتاتورية إلى سلطة بديلة تحاول إعادة تنظيم الدولة والمجتمع، منعطفاً حاداً ومقلقاً فيما يخص واقع حقوق النساء ومستقبلهن، حيث تواجه النساء ظروفاً بالغة التعقيد جرّاء تداعيات سنوات النزاع الطويلة والتحولات السياسية والأمنية والاقتصادية الأخيرة، إذ يبين مؤشر المرأة والسلام والأمن 2025/2026، أن سوريا احتلت المرتبة 178 من أصل 181 دولة، لتكون رابع أسوأ دولة في العالم من حيث أوضاع النساء، متقدمة فقط على جمهورية أفريقيا الوسطى واليمن وأفغانستان. إلاّ أن هذا التراجع في أوضاع النساء لا يمكن اعتباره نتيجة للحرب فقط، بقدر ما يمكن اعتباره نتيجة لممارسات السلطة الحالية التي تدفع النساء للعودة قسراً إلى “بيوت الطاعة” وتسحب منهن كافة الحقوق التي نلنها أو التي ناضلن لنيلها.

ورغم أن ديماغوجية السلطة وديكتاتوريتها في زمن الأسد لم تكن تقرّ بالمساواة التامة بين الجنسين، غير أن استخدامها لحقوق النساء كواجهة للظهور بمظهر متحضر، وجزءاً من الدعاية الرسمية لتحرير المرأة ومحاربة التخلف، سهل على النساء الدخول إلى مواقع متعددة في الدولة والمجتمع. والحصول على حقوق أساسية مثل التعليم والصحة والعمل. فقد شهدت سوريا التحاقاً متكافئاً تقريباً بين الجنسين، مع تفوق النساء في التخرج من عدة كليات وانخراطهن في الطب والهندسة، والحق في الوصول المجاني للصحة. كما التحقت النساء بقطاعات العمل والوظائف الحكومية، بنسبة 16%، ودخلن السلكين الدبلوماسي والعسكري، إضافة للدخول إلى البرلمان بنسبة مشاركة بلغت نحو 12%.

ويُضاف إلى ذلك ما نالته النساء بسبب ظروف الحرب وخروجهن إلى الفضاء العام والتحول في الأدوار الأسرية، إذ تحولت المرأة من مشارك ثانوي في سوق العمل إلى المسؤول المالي الأول لأكثر من ثلث الأسر السورية بسبب الفقد أو الاعتقال أو الإعاقة، والأوضاع الاقتصادية وإن كان من دون وجود غطاء قانوني أو حماية اجتماعية كافية.

ورغم أن هذا التوصيف لا يعني أن الدكتاتورية مؤهلة للدفاع عن هذه المكاسب، ولا يبرئ صفحتها في ترسيخ التهميش والانتقاص من الحقوق، فإنه يقدم دلالة على أن حقوق النساء يجري التعامل معها كمكاسب قابلة للتراجع في ظل السلطة الحالية وتوجهها الديني المتشدد. فمنذ استلامها الحكم، برزت النساء كدائرة أولى لتمتين السيطرة على المجتمع عبر تعزيز التمييز والإقصاء والحملات الممنهجة ضدهن، بما يجعل مشاركتهن في المجال العام أكثر صعوبة. وتزيد حرمانهن على كافة الأصعدة.

فعلى الصعيد القانوني، يستمر التمييز وغياب قوانين الحماية من العنف الأسري وآليات الحماية عند اللجوء إلى القانون. وبات تطبيق القانون التمييزي بيد السلطة القضائية الجديدة، التي تتجه لتفعيل إجراءات تجرد النساء من المزيد من الحقوق، كالتعميم رقم (17) في أواخر 2025، وحصر الولاية على النفس بذكور العائلة واستثناء دور الأم القانوني في حال غياب الأب، وتجريد آلاف الأمهات المعيلات فعلياً لأطفالهن من متابعة شؤون أولادهن. كما سهلت الفجوات القانونية مثل ترك بعض الحقوق متعلقة بتقدير القضاة “الشيوخ”، والفوضى القانونية الحالية، وبروز العديد من التجاوزات في الحضانة والميراث وتزايد العنف الأسري. يُضاف له إنكار السلطة خطف النساء والعنف الجندري الموجه ضدهن، وصولاً إلى القتل العمد، ما يجعلها شريكا في التستر على الجرائم.

وعلى صعيد الحقوق الأساسية مثل التعليم والصحة يستمر تدهور البنية التعليمية والطبية مترافقاً مع إعادتهن إلى القوالب التقليدية. ويُضاف له تراجع فرص العمل الآمنة للنساء خارج منازلهن، وسط حالات التعبئة المستمرة ضدهن في إطار العمل والتقيد باللباس والسلوك والوصول إلى المناصب التي يديرها الشيوخ.

وتبرز لعبة تجميل وجه السلطة الحالية من خلال وجود النساء في مجلس الشعب المؤقت التي بلغت نحو 10.48%، بواقع 22 عضوة من إجمالي 210 أعضاء بعد اكتمال تشكيله، أكثر انكشافاً مما سبق، فالحفاظ على نسبة مقاربة لما كان سابقاً استدعى استخدام “الثلث المكمل” لتعيين 15 امرأة، بعد أن أفرزت الانتخابات غير المباشرة في أواخر 2025 ست نساء فقط، أي قرابة 4%.

وأمام جملة هذه المعطيات يبدو مستقبل المرأة أكثر ظلاماً، فتحديات الفجوة الجندرية التقليدية في زيادة التمثيل السياسي والاقتصادي التي كانت تواجهها قبل الحرب، انقلبت إلى تحديات البقاء والحماية في ظل الاعتداءات المتكررة على حقوق النساء في الدولة وفي المجتمع.

منى مهدية الفريج: ناشطة لا عنفية ومدافعة عن حقوق الإنسان

لا أملك كثيراً من التفاؤل تجاه مستقبل النساء في سوريا في ظل سلطة الأمر الواقع الحالية، ليس رغبة في استباق الأحداث، وإنما لأن المؤشرات التي نراها اليوم لا تبعث على الاطمئنان، سواء على المستوى السياسي والقانوني أو التعليمي والأسري وفي الفضاء العام.

سياسياً، لا أرى أن هناك بيئة تسمح للنساء بأن يكن شريكات حقيقيات في صناعة القرار. فغياب الحياة الحزبية، ومحدودية استقلال مجلس الشعب في ظل آلية التعيين، ووصول قيادات النقابات أيضاً عبر التعيين، كلها تضعف المساحات التي يمكن للنساء والمجتمع المدني من خلالها الوصول والتأثير والمساءلة. وعندما نُضيف إلى ذلك ضعف تمثيل النساء في الحكومة، حيث عينت امرأة واحدة في الوزارة، ومجلس الشعب 22 امرأة من أصل 210 يعني بنسبة حوالي 10% وهو أقل بكثير من الكوتا 30% التي كنا نأملها، وهذا ما يجعل الحديث عن مشاركة سياسية حقيقية للنساء أكثر صعوبة.

وعلى المستوى القانوني، فإن ما ظهر من مسودة الدستور، وطبيعة الحضور الديني والتداخل المتزايد بين المؤسسات الدينية ومؤسسات الدولة وجود شيخ كمرجعية في الدوائر والوزارات حسب ما نسمع، لا يعطينا مؤشرات على أن مبدأ المواطنة المتساوية سيكون هو الأساس في بناء الدولة. المشكلة بالنسبة لي ليست في الدين فأنا امرأة مسلمة، وإنما في تحويل تفسير ديني معين إلى مرجعية تتحكم بالقانون والحياة العامة والحريات الشخصية.

وفي الفضاء العام، نشهد تدخلاً متزايداً في حياة الناس الخاصة، وخصوصاً فيما يتعلق بالنساء ولباسهن وسلوكهن. الحملات الدينية والتعميمات التي تتناول لباس النساء، إلى جانب التداخل بين مؤسسات الأوقاف ومؤسسات الثقافة والتعليم، تجعلني أخشى من أن يتحول المجال العام إلى مساحة تفرض فيها رؤية واحدة على المجتمع، وتدفع النساء تحديداً إلى الانسحاب منه.

أما في التعليم، فإن ربط المدرسة والمؤسسات التعليمية بالمؤسسة الدينية والمحاضرات التي تلقى في الجامعات، إذا استمر هذا الأمر وتوسع، لن يؤثر فقط على المناهج التي لا نعرف حتى اليوم كيف ستكون، وهو الأمر الذي يقلقني بشدة كمربية سابقة ومدافعة عن حقوق الإنسان، وإنما على مفهوم التربية نفسه وعلى ما سيتعلمه الأطفال عن أدوار النساء والرجال والعلاقة بينهما. وهذا قد يعيد إنتاج الأدوار التقليدية للمرأة بدلاً من بناء جيل يؤمن بالمساواة وربما يتراجع أكثر، فأنا كابنة منطقة عاشت مع “داعش” ورأت كيف اختفت النساء من أي مجال، كثيراً ما ينتابني الخوف من وجود أي سلطة دينية متحكمة في البلاد.

أما داخل الأسرة، فالخطر الأكبر هو استمرار النظر إلى العنف باعتباره شأناً عائلياً أو وسيلة للتربية. فعندما تقول جهة قضائية يفترض أن تحمي طفلة من العنف أن أباها “عم يربيها” (قضية الطفلة في درعا) فنحن أمام مشكلة تتجاوز حادثة فردية إلى ثقافة قانونية واجتماعية قد تشرعن العنف وتترك النساء والأطفال بلا حماية حقيقية.

لذلك لا أرى أن مستقبل النساء سيكون مرتبطاً فقط بما ستكتبه السلطة في القوانين، وإنما بمدى قدرة المجتمع السوري على الدفاع عن دولة مدنية تضمن المساواة وتحمي الحريات الفردية، وتفصل بين الحق الديني والسلطة السياسية. وإذا لم يحدث ذلك، أخشى أن تكون السنوات المقبلة مرحلة تراجع للنساء، لا مرحلة استكمال لما ناضلنا من أجله خلال العقود الماضية.

جنان الحسين: كاتبة وشاعرة

حين نتحدث عن مستقبل سوريا لا يمكن أن نتحدث عن مستقبلها من دون أن نسأل: أين ستكون المرأة السورية في المرحلة القادمة وما هو دورها في سورية الجديدة.

فالمرأة السورية لم تكن مجرد شاهدة على سنوات الحرب. بل كانت أماً ومعيلة وطالبة وطبيبة ومعلمة وناشطة وعاملة، وحملت في كثير من الأحيان عبء الأسرة والمجتمع في أصعب الظروف. ولهذا فإن موقعها في سوريا الجديدة سيكون أحد أهم الاختبارات الحقيقية لطبيعة المرحلة المقبلة.

على المستوى القانوني سيكون السؤال الأهم: هل ستتمتع المرأة بالمساواة الكاملة أمام القانون؟ وستكون قوانين الزواج والطلاق والحضانة والميراث والجنسية والحماية من العنف من أكثر الملفات حساسية. فالاعتراف بحقوق المرأة في النصوص لا يكفي إذا لم يتحول إلى حقوق تستطيع المرأة ممارستها فعلياً وتحميها مؤسسات الدولة والقضاء.

أما التعليم فأملي أن يبقى مفتوحاً أمام كل فتاة سورية في المدينة والريف وفي المناطق الغنية والفقيرة على حد سواء. لكن الفقر والنزوح وآثار الحرب قد تجعل استمرار تعليم الفتيات تحدياً حقيقياً. إن حرمان الفتاة من التعليم لا يعني خسارة مستقبلها وحدها بل خسارة مستقبل أسرة ومجتمع بأكمله.

وفي الأسرة أتوقع أن تبقى المرأة أمام تحديات كبيرة من العنف الأسري إلى الزواج المبكر والاعتماد الاقتصادي على الرجل!! لذلك فإن تمكين المرأة اقتصادياً وحمايتها قانونياً يجب ألّا يُنظر إليهما باعتبارهما مطلبان نسويان فقط، بل باعتبارهما جزءاً من إعادة بناء المجتمع السوري.

أما الفضاء العام فهو ربما أكثر ما يثير قلقي. لا أريد أن تعود المرأة السورية إلى البيت بعد أن أثبتت خلال سنوات الحرب أنها قادرة على تحمل المسؤولية والمشاركة والعطاء. إن وجود النساء في البرلمان والحكومة والإدارة المحلية والمجتمع المدني ليس ترفاً بل ضرورة لبناء دولة تمثل جميع مواطنيها.

وأنا أنظر إلى السنوات القادمة أن مستقبل المرأة السورية سيعتمد بدرجة كبيرة على الخيار الذي ستتخذه سورية: هل ستبني دولة تقوم على المواطنة والقانون والمساواة أم دولة تحدد للمرأة مساحة ضيقة في الحياة العامة؟

لا أريد أن أستبق المستقبل بالتشاؤم كما لا أريد أن أبني آمالي على الوعود وحدها. ما أتمناه هو أن تكون المرأة السورية حاضرة عندما تُكتب القوانين وعندما يكتب الدستور وعندما تُتخذ القرارات التي سترسم مستقبل البلاد.

فالسؤال الحقيقي ليس ماذا ستمنح سوريا للمرأة وإنما هل ستعترف سوريا الجديدة بأن المرأة شريكة كاملة في صناعة مستقبلها؟

إن مستقبل النساء في سوريا ليس ملفاً جانبياً يمكن تأجيله. إنه جزء من مستقبل سوريا نفسها.

سلوى زكزك: كاتبة وصحفية ومدافعة عن حقوق النساء

في الحقيقة هذه الوقائع لا تحتاج لتوقعات، لأنها نتاج واقعي وكل بداية ستؤدي حتماً إلى مسار يشابهها، أي أنه قد فات قطار التوقع وبدأ موسم الحصاد الذي لا يُبشر بالخير لسبب أساسي وهو متعلق بمحاولة فرض تبدو خفية لكنها واضحة.

ما يجري بخصوص النساء السوريات، هو عملية ضبط محكمة وفي أطر ضيقة تمتلك الفضاء العام وتحاول تثبيت سلطتها عليه، وهنا يمكن القول أن الإحكام مردود لتضافر السلطات الدينية، كقوة أمر واقع، مع شعبوية حادة ومتطرفة تتحرك بعنف تحت شعار حان الآن دورنا، وتحت شعار الاستحقاق الحصري، بالإضافة إلى سلوك أصيل يجري في الفترات الانتقالية، وهو تسويف قضايا وحقوق النساء.

وفي الحالة السورية يترافق ذلك مع ما يشبه إزاحة ثقل أو مسؤولية عن السلطة السياسية، ومنح الصلاحيات كجائزة ترضية للسلطة الدينية والشعبوية، لتخفيف الضغط التفصيلي عنها، ولمحاولة منح هاتين السلطتين شرف قوة الوجود والتأثير عبر طريقة لكم الشارع، وأوله النساء تصرفوا به كما تريدون إن أفلحتم كسبتم وإن لم تفلحوا فهذا خطأكم، وكل ما يجري من اعتراضات على هذا التفويض يتم إما تجاهلها أو تدويرها أو تركها لمنطق من يغلب وإن بحكم الوقت يكسب.

يرتبط الواقع التعليمي بثلاثة عوامل مهمة: وهي غياب الاهتمام الحقيقي بالتعليم الرسمي وهو المتاح لغالبية السوريين والسوريات، مثال لم ترمم الجهات المختصة بالتعليم أي مدرسة وإن تم فالعدد قليل جداً، وتم عبر جهات مدنية وأهلية أو دولية. كما لم يتم إصدار أي تعليمات خاصة ناظمة لردم الفاقد التعليمي وخاصة للفتيات، دون نسيان تسريح عدد كبير من المعلمين والمعلمات تحت ذرائع متعددة، كما أن الوضع الاقتصادي المتردي جداً والذي عصف بالأمن المعيشي والغذائي وسيطال التعليمي حكماً، والذي يزداد سوءاً وتراجعاً، لأنه سيزيد من أعداد الطلاب المتسربين وخاصة من الفتيات خارج قطار التعليم.

ولابدَّ من الإشارة إلى تراجع التحاق الطالبات بالمدارس وخاصة الثانوية والجامعات والمعاهد حتى لو كنَّ متفوقات في سنوات الدراسة الأخيرة، خوفاً من الخطف الذي صار فعلاً يومياً دون أي محاولة جادة لوقفه أو محاسبة مرتكبيه. ولا ننسى طلاب وطالبات السويداء المحرومين من التقدم للشهادتين الاعدادية والثانوية كإسلوب لمعاقبة المدينة برمتها.

يتداخل الملف القانوني مع الملفات الأخرى وتصبح الحاجة إلى تشريعات وقوانين ملزمة وفعالة ضرورة قصوى وخاصة قانون لوقف كل أشكال العنف الواقعة على النساء والفتيات على أساس النوع الاجتماعي. كما تزيد الحاجة لتعديلات قانونية تراعي مصلحة الطفل الفضلى مثل الوصاية والحضانة، كما يجب أن تكون كل هذه التعديلات ناتجة عن حلقات تشاورية ودراسات إحصائية واجتماعية، تشارك بها النساء صاحبات المصلحة في التعديل، وكقائدات مجتمعيات يقدن زمام إدارة العائلة والمجتمع.

لكن الحلقة الأكثر تراجعاً والتي تحتاج سعياً جدياً للمعالجة هي حضور السوريات في الفضاء العام. الذي تحول إلى إ جراء تزييني مفرغ من جدواه وحيوتيه، يتم الاغتيال المعنوي لناشطات معروفات لم تقبلن الصمت ولا التوقف عن المطالبة بالعدالة، كما يتم ربط هذا الحضور بتقسيم طائفي ركيك، يُقدم على أنه سعي لإرضاء الجميع وتحقيق المصالحة بين السوريات على أساس طوائفهن للأسف، وليس على أساس الحقوق والقضايا التي يزداد قضمها أو التلاعب بها شكلانياً على حساب الأهداف.

إن وجود السوريات في الفضاء العام هو حق أصيل. كما أنه اختبار فعلي لمكامن القوة والضعف التي تشوب الحضور في الفضاء العام، بدءاً من لجان الأبنية وصولاً إلى المشاركة في رسم السياسات، وهنا يبرز بقوة الغياب الكامل للنساء السوريات في النقابات والاتحادات، وإن وجد فهو رمزي وشكلي، كما تغيب السوريات عن الحيوية السياسية لغياب الأحزاب من أصلها وغياب أو تغييب لمنظمات المجتمع المدني، التي بقيت معلقة بلا ترخيص لغياب قانون يرخص عملها، وبلا تساهل شكلي بذريعة الضبط.

إن رسم مسارات التغيير ليس قضية نسوية وحسب بل هو قضية وطنية، مطلوب من الجميع التفاعل معها وفيها، ولكن ضمن مناخ من التشارك، وهذا التشارك مفقود في بعض المفاصل وإن وجد في مفاصل أخرى فهو مُعتم عليه أو يتعرض للاتهامات والتخوين.

يبدو المسار القانوني هو الأكثر أهمية لأنه قاعدة تشريع وعمل وآليات حماية وضمان استمرارية، لكن تداخل المعنيين فيه جهات وأشخاص نافذين، وتشعب المتدخلين والمغيرين بالقوة وربما الفارضين لقواعد جديدة، يُضعف هذا المسار الذي يحتاج إلى مسار اختصاصي يستند إلى الحيادية والمهنية والاستقلالية والاختصاص والخبرة، وهذه الشراكة تكون ضمن توافقات عامة وفي إطار فضاء لا تسيطر فيه غلبة المنتصر حتى على القوانين وعلى نمط الحياة اليومي للنساء والفتيات.

إن الوصول إلى قوانين عادلة وضمان حقوق النساء في بعض التفاصيل والأماكن، يتطلب كف يد فعلي لكل المتلاعبين بهذه الحقوق بذرائع الولاء وسلامة العائلة وضبط النظام العام والأخلاق.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق