لاقتصاد السوري … تحولات علاقات الإنتاج ومسارات التنمية من الاستقلال إلى المرحلة الراهنة

مصطفى الدروبي
تمهيد
تقتضي قراءة تطور الاقتصاد السوري الحديث، العودة إلى مرحلة الاستقلال عن الانتداب الفرنسي، حين وجدت الدولة السورية الناشئة نفسها أمام اقتصاد هشّ، وبنية تحتية محدودة، وقطاع صناعي ما يزال في طوّر التكوين، واقتصاد زراعي يعاني ضعف المكننة وبدائية وسائل الإنتاج، فضلاً عن استمرار أنماط اجتماعية واقتصادية موروثة من العهد العثماني، وفي مقدمتها نفوذ كبار ملاك الأراضي والبنى شبه الإقطاعية.
وفي ظل هذه المعطيات، انصبّ اهتمام صانع القرار الاقتصادي في سوريا على بناء مقومات الدولة الحديثة وتحقيق تنمية وطنية مستقلة، بعيداً عن الارتهان للمساعدات الخارجية المشروطة. وقد ارتبط هذا التوجه بما عُرف آنذاك بسياسة الاستقلال الاقتصادي، التي رأت أن المساعدات الغربية لا يمكن فصلها عن محاولة إبقاء سوريا ضمن دوائر النفوذ الاقتصادي والسياسي للدول الغربية.
أولاً: مرحلة الاستقلال ومحاولة بناء اقتصاد وطني:
شهدت السنوات الأولى للاستقلال محاولات لتكوين اقتصاد وطني يستند إلى تنمية الموارد المحلية وتوسيع قاعدة الإنتاج، مع إدراك النخب السياسية والاقتصادية السورية أن بناء الاستقلال السياسي لا يكتمل من دون استقلال اقتصادي.
وفي هذا السياق، برز دور المرحوم خالد العظم بوصفه أحد أبرز ممثلي البرجوازية الوطنية السورية، وأحد السياسيين الذين حاولوا صياغة سياسة اقتصادية تقوم على توسيع قاعدة الإنتاج الوطني وتنويع علاقات سوريا الاقتصادية الدولية. ففي السابع من آب/أغسطس 1957، أُبرمت مجموعة من الاتفاقيات الاقتصادية مع الاتحاد السوفييتي في سياق البحث عن مصادر بديلة للتمويل والتعاون الاقتصادي بعيداً عن الهيمنة الغربية، حيث قام بالتوقيع عليها العظم نفسه حين كان وزيراً للدولة ووزيراً للدفاع.
وقد عكست هذه السياسة تصوراً يرى أن التنمية السورية ينبغي أن تكون مرتبطة بالمصلحة الوطنية، وأن الدولة مُطالبة بتوفير البيئة التي تسمح بتراكم رأس المال الوطني وتطوير الصناعة والزراعة والبنية التحتية.
وسجّل الناتج المحلي خلال هذا العهد، وخاصة خلال الخمسينيات التي تميزت بالدور الاقتصادي البارز للزعيم السوري الرائد خالد العظم، نمواً سريعاً وملحوظاً، إذ قفز الدخل الوطني السوري من 488 مليون دولار عام 1953 إلى 632 مليون دولار عام 1957.
وتوزعت مساهمة القطاعات الاقتصادية المختلفة في تكوين الناتج المحلي والدخل الوطني في تلك المرحلة على النحو التالي:
قطاع الزراعة: حلّ في المرتبة الأولى بحصة بلغت نحو 44%.
قطاع التجارة: جاء في المرتبة الثانية بنسبة 16%.
قطاع الصناعة التحويلية: ساهم بنسبة 7.15%، حيث نمت الصناعة بنسبة 25% بين عامي 1953 و1957.
قطاعات أخرى: أسهمت بنسب متفاوتة، ومنها قطاعات النقل والإنشاءات والخدمات.
عُرف خالد العظم بلقب “صانع النهضة الاقتصادية السورية”، نظراً إلى إصلاحاته البراغماتية الجريئة، ومنها:
– استقلال النقد السوري: حيث تم فك ارتباط الليرة السورية بالفرنك الفرنسي، وحصر حق إصدار النقد بمؤسسة وطنية سورية، ما رفع قيمة الليرة لتعادل 405 مليغرامات من الذهب.
– الاستقلال الاقتصادي عن لبنان: حيث أصدر قرار القطيعة الاقتصادية والجمركية مع لبنان عام 1950.
– تأسيس البنية التحتية السيادية: أسس مرفأ اللاذقية بديلاً من مرفأ بيروت لحماية التجارة السورية، وبنى صوامع الحبوب، وكذلك مشروع اليرموك الكهربائي.
– تحقيق التوازن الدولي: حيث نجح في جلب قروض وعقد اتفاقيات اقتصادية كبرى مع الاتحاد السوفييتي من دون التنازل عن ليبرالية الاقتصاد السوري.
غير أن هذا المسار تعرض لانتكاسة كبيرة مع قيام الوحدة المصرية – السورية في شباط/فبراير 1958. فقد اتجهت دولة الوحدة إلى تطبيق سياسات اقتصادية واجتماعية راديكالية، كان من أبرزها قوانين تأميم الشركات والمصانع والمعامل التي تعود ملكيتها إلى رواد الصناعة السورية، وتوسيع الملكية العامة، الأمر الذي أدى إلى تراجع دور قطاعات واسعة من رأس المال الخاص، وأحدث تحولات عميقة في بنية الاقتصاد السوري وعلاقاته الإنتاجية. وشكّلت هذه الممارسة إجهازاً على المشروع الوطني السوري برمته، والذي كان واعداً بالكثير، فخسرت سوريا فرصة تاريخية لتحقيق نهضة مأمولة كان من الممكن أن تجعل من دمشق “سويسرا الشرق” لو قُيّض لهذه التجربة الواعدة النجاح.
ثانياً: من قيام البعث إلى ترسيخ اقتصاد الدولة:
مع وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، اتجه الاقتصاد السوري بصورة أكثر وضوحاً نحو توسيع دور الدولة في النشاط الاقتصادي. وتكرست تدريجياً مكانة القطاع العام باعتباره الأداة الأساسية لتحقيق التنمية، في حين تراجع هامش القطاع الخاص وتعرضت بعض أنشطته لقيود متزايدة.
وأصبحت الدولة تسيطر على قطاعات استراتيجية وأساسية، وتوسعت ملكيتها للمؤسسات الصناعية والخدمية والمرافق العامة. كما اعتمدت سوريا نمط التخطيط الاقتصادي المركزي، ولا سيما من خلال الخطط الخمسية، في محاولة لتوجيه الموارد والاستثمارات وفق أولويات تحددها الدولة.
وقد حققت هذه السياسة بعض النتائج المهمة، خصوصاً في مجال بناء المؤسسات العامة وتوسيع الخدمات الأساسية، لكنها أنتجت في الوقت نفسه جهازاً بيروقراطياً متضخماً، وأدت إلى ضعف الكفاءة الاقتصادية في قطاعات واسعة نتيجة غياب المنافسة، وتداخل الاعتبارات الاقتصادية مع الاعتبارات الإدارية والسياسية، وتراجع دور المبادرة الخاصة.
وهكذا انتقلت سوريا تدريجياً من اقتصاد مختلط، كانت فيه المبادرة الخاصة تحتل موقعاً مهماً، إلى نموذج أكثر اعتماداً على الدولة بوصفها المنتج والمستثمر والمنظم الرئيس للنشاط الاقتصادي.
ومع وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970، دخل الاقتصاد السوري مرحلة جديدة اتسمت بمحاولة الجمع بين هيمنة الدولة على القطاعات الأساسية وإتاحة هامش محدود للمبادرة الخاصة.
وقد ساهمت المساعدات والتدفقات المالية العربية، ولا سيما القادمة من دول الخليج العربي، في تحسين قدرة الدولة على تمويل مشاريع التنمية وتوسيع الإنفاق العام. وشهدت سوريا خلال السبعينيات والثمانينيات توسعاً ملحوظاً في قطاعات التعليم والصحة والإسكان والبنية التحتية.
فأُنشئت جامعات جديدة ومؤسسات تعليمية وصحية، وتوسعت شبكة المدارس، وأقيمت مشاريع إسكانية في دمشق وحلب ومدن أخرى، كما توسعت شبكات الطرق والكهرباء والمياه والخدمات العامة.
وفي الوقت نفسه، ظهرت منذ أواخر السبعينيات مؤشرات على انفتاح اقتصادي محدود شملت النقل والاستثمار وبعض الصناعات، ومنها الغزل والنسيج والصناعات الدوائية، كما توسع دور غرف التجارة والصناعة في الحياة الاقتصادية.
إلاّ أن هذا التطور الاقتصادي والاجتماعي تزامن مع تصاعد الصراع السياسي بين السلطة وجماعة الإخوان المسلمين، ولا سيما الجناح المسلح المعروف بـ “الطليعة المقاتلة”، وانتهى الصراع إلى موجة واسعة من العنف والقمع تركت آثاراً عميقة على الحياة السياسية والاجتماعية السورية، ورسخت دور الأجهزة الأمنية في إدارة الدولة والمجتمع.
ومع مرور الوقت، أدى ضعف الرقابة المؤسسية وغياب الشفافية إلى اتساع شبكات الفساد والمحسوبية، وبدأت العلاقة بين السلطة والاقتصاد تأخذ شكلاً أكثر تعقيداً، إذ تداخل النفوذ السياسي والأمني مع المصالح الاقتصادية.
لقد بدأت حقبة حافظ الأسد عام 1970 بناتج محلي إجمالي بلغ نحو 2.14 مليار دولار، وشهد الاقتصاد تقلبات حادة نتيجة الأزمات والحروب، لينتهي عام 2000 بناتج محلي إجمالي قُدّر بحوالي 19.86 مليار دولار.
وتوزعت نسب المساهمة القطاعية في الناتج المحلي الإجمالي خلال هذه الحقبة، وفقاً لتقديرات البنك الدولي والبيانات الرسمية، على النحو التالي:
– قطاع الخدمات: شكّل المساهم الأكبر بنسبة تراوحت بين 40% و50%، مدفوعاً بالإنفاق الحكومي والتجارة الداخلية والنقل.
– قطاع الزراعة: تراوحت حصته بين 22% و28%، وكان الركيزة الأساسية للأمن الغذائي والتشغيل، واعتمدت عليه الدولة لإنتاج القمح والقطن والتبغ.
– قطاع الصناعة والتعدين: تراوحت نسبته بين 20% و28%، وشهد هذا القطاع تحولاً كبيراً بعد نمو إنتاج النفط بدءاً من الثمانينيات والتسعينيات، حيث أصبحت عائدات النفط تشكّل دعامة رئيسة للموازنة العامة والصادرات.
ثالثاً: عهد بشار الأسد واقتصاد السوق الاجتماعي:
مع توريث السلطة وانتقالها إلى بشار الأسد عام 2000، ارتفعت التوقعات بإمكان إطلاق إصلاحات سياسية واقتصادية تعيد بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتفتح المجال أمام القطاع الخاص، وتُحدّث مؤسسات الدولة والاقتصاد. وشهدت السنوات الأولى بعض الإجراءات التي حملت طابعاً إصلاحياً وانفتاحياً، غير أن هذا المسار لم يتحول إلى إصلاح مؤسسي شامل.
بل تزايد، مع مرور الوقت، ارتباط النشاط الاقتصادي بشبكات النفوذ السياسي والأمني، وبرزت طبقة من رجال الأعمال المرتبطين بمراكز السلطة، وهو ما أسهم في إعادة تشكيل البنية الطبقية والاقتصادية للمجتمع السوري.
وفي هذه المرحلة، بدأت سوريا بالانتقال تدريجياً من النموذج الاقتصادي المركزي إلى ما أُطلق عليه رسمياً “اقتصاد السوق الاجتماعي”. وكان الهدف المعلن هو الجمع بين آليات السوق ودور الدولة الاجتماعي، إلاّ أن التطبيق العملي أدى، في جوانب عديدة، إلى تحرير بعض الأسعار والأسواق وتراجع الدعم الحكومي، دون أن تترافق هذه التحولات مع بناء مؤسسات قوية قادرة على حماية المنافسة أو ضمان العدالة الاجتماعية.
وكان القطاع الزراعي من أكثر القطاعات تأثراً بهذه التحولات. فقد ارتفعت تكاليف مستلزمات الإنتاج الزراعي، بما فيها الأسمدة والمحروقات، وأصبح صغار المنتجين أكثر عرضة للضغط الاقتصادي، الأمر الذي ساهم، إلى جانب عوامل أخرى، في تزايد الهجرة من الريف إلى المدن.
وأدت الهجرة الداخلية المتسارعة إلى ظهور أحزمة الفقر وتوسعها حول المدن الكبرى، في ظل ضعف التخطيط العمراني وعدم التوازن التنموي بين الريف والمدينة.
وهكذا أخذت الفوارق الاجتماعية بالاتساع، في الوقت الذي تركزت فيه الثروة بصورة متزايدة لدى شرائح مرتبطة بمراكز النفوذ الاقتصادي والسياسي، حيث تؤكد بعض الدراسات أن كل ذلك كان إرهاصاً لانفجار اجتماعي تمثل لاحقاً بالانتفاضة السورية في آذار/مارس 2011.
رابعاً: الحرب السورية وتدمير البنية الاقتصادية
شكّل عام 2011 نقطة تحول حاسمة في التاريخ السوري الحديث، فقد انطلقت الاحتجاجات مطالبة بالإصلاح السياسي والحرية والكرامة، لكن السلطة اختارت التعامل معها أساساً عبر المقاربة الأمنية والعسكرية، قبل أن تدخل البلاد في صراع مسلح واسع النطاق أعقبته تدخلات إقليمية ودولية متعددة، وكانت النتائج الاقتصادية والاجتماعية كارثية.
فقد تعرضت المدن والمنشآت الصناعية والزراعية وشبكات النقل والطاقة والمياه لأضرار واسعة، وتراجعت القدرة الإنتاجية، وانكمش الاستثمار، وانهارت أجزاء كبيرة من البنية الاقتصادية. كما أدت الحرب إلى نزوح وتهجير ملايين السوريين داخل البلاد وخارجها، وفقد الاقتصاد جزءاً كبيراً من رأس ماله البشري، سواء بسبب الهجرة أو القتل أو تدمير فرص العمل.
وبذلك، لم تعد الأزمة السورية مجرد أزمة نمو أو اختلال في السياسات الاقتصادية، بل أصبحت أزمة شاملة طالت الدولة والمجتمع والموارد البشرية والبنية التحتية وعلاقات الإنتاج نفسها.
لقد بلغ الناتج المحلي الإجمالي لسوريا في بداية عهد بشار الأسد عام 2000 نحو 18 مليار دولار، ليصل إلى ذروته بنحو 67.5 مليار دولار عام 2011. وبسبب الحرب والدمار، انخفض الحجم الاسمي للناتج تدريجياً ليُقدّر بنحو 21.4 مليار دولار بحلول نهاية عام 2024، وسط غياب البيانات الرسمية الدقيقة وتراجع واسع للقطاعات الإنتاجية.
أما مساهمة القطاعات الاقتصادية في هذا الناتج، فهي على النحو التالي:
– قطاع الخدمات والتجارة: شكّل النسبة الأكبر من الناتج، إذ تراوحت مساهمته بين 55% و60%، وشهد نمواً ملحوظاً في العقد الأول من حكم بشار الأسد، تركز في المصارف والتجارة الخارجية.
– قطاع الزراعة: بلغت مساهمته التاريخية نحو 20% إلى 25% من الناتج، واعتُبر ركيزة غذائية وتصديرية، رغم تعرضه لهزات وموجات جفاف.
– قطاع الصناعة والتعدين، بما فيه النفط: ساهم بنحو 20% إلى 25% قبل عام 2011، قبل أن يتراجع بشدة إلى أقل من 8% في سنوات الحرب العنيفة بسبب خروج حقول نفط ومنشآت كبرى عن الخدمة.
خامساً: المرحلة الراهنة وتحديات إعادة بناء الاقتصاد السوري:
دخلت سوريا، بعد ترحيل النظام السابق وفق إرادة دولية نافذة وانتقال السلطة إلى قوى جديدة، مرحلة مختلفة تماماً، لكنها لا تزال تواجه إرثاً اقتصادياً بالغ الثقل. فالفقر والبطالة وتراجع الإنتاج وضعف الخدمات والبنية التحتية تشكل جميعها تحديات لا يمكن تجاوزها بمجرد الإعلان عن مشاريع استثمارية أو توقيع مذكرات تفاهم واتفاقيات اقتصادية.
فالاستثمار، سواء كان محلياً أم أجنبياً، يحتاج قبل كل شيء إلى بيئة سياسية وأمنية مستقرة، وإلى تشريعات واضحة، وقضاء مستقل وفعّال، ونظام مصرفي قادر على التعامل مع الاقتصاد العالمي، فضلاً عن بنية تحتية تسمح بتشغيل المشاريع ونقل السلع والأموال والطاقة.
وتحتاج سوريا، بصورة خاصة، إلى إعادة بناء منظومتها المالية والمصرفية واستعادة قدرتها على الاندماج التدريجي في النظام المالي العالمي، بما في ذلك معالجة متطلبات الامتثال المالي ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بما يتيح للمصارف السورية استعادة علاقاتها مع المؤسسات المالية الدولية.
ومن هنا، فإن توقيع مذكرات تفاهم أو الإعلان عن استثمارات بمليارات الدولارات لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه دليلاً كافياً على التعافي الاقتصادي. فالفارق كبير بين الإعلان عن الاستثمار وتنفيذه فعلياً، وبين توقيع العقد وقدرة الدولة على توفير البيئة القانونية والأمنية واللوجستية التي تضمن نجاح المشروع واستمراره.
وهذا غير متوفر حتى الآن في سوريا بسبب سطوة سلطة الأمر الواقع، التي استأثرت بالسلطة وهمّشت النخب السورية كافة، وأبعدت الكفاءات السورية عن إدارة الشأن العام بسبب اعتمادها على اللون الواحد، المتمثل في فصيل هيئة تحرير الشام، الذي يفتقر إلى آليات إدارة الشأن العام، بل ألحق أشد الضرر بدولة عمرها أكثر من مئة عام.
إن السلطة القائمة اليوم، وبعد عشرين شهراً من حكمها، زادت الأوضاع سوءاً، فغدت الأوضاع عموماً أكثر كارثية، إذ تنفق هذه السلطة الأموال الطائلة على نفقاتها الترفية، وتقوم بخصخصة الأصول العامة، وتعقد اتفاقات التفاهم من خلف ظهر الشعب السوري، وتعمل وفق نهج عَقَدي غريب عن السوريين وثقافتهم.
وقد أدى كل ذلك إلى زيادة معدلات الفقر المدقع، فأكثر من 90% من السكان هم تحت خط الفقر، مع تجاوز البطالة حدود 80% من مجموع طالبي العمل، في ظل اتخاذ حكومة هذه السلطة إجراءات صارمة لتصفية ما يُعرف بـ “الموظفين الأشباح” والتخلص من البطالة المقنّعة، تحت عنوان أن قرابة 400 ألف موظف غير فاعلين من أصل 1.3 مليون موظف، ما أدى إلى تسريح أو إحالة مئات الآلاف إلى إجازات قسرية لتوفير النفقات، وهو ما أضاف ضغوطاً معيشية على فئات واسعة من السكان.
إن سوريا، في هذه المرحلة، تتعرض لنهب مقدراتها من قبل سلطة تتعامل معها على أنها غنيمة، ولذا تدخل البلاد عملياً مستقبلاً مجهولاً ينذر بالكثير من المخاطر.
خاتمة: الاقتصاد بوصفه انعكاساً لطبيعة الدولة:
إن التجربة السورية خلال العقود الماضية تكشف أن الأزمة الاقتصادية لم تكن منفصلة عن طبيعة النظام السياسي والمؤسسات التي حكمت الدولة.
ففي مرحلة الاستقلال، كان التحدي يتمثل في بناء اقتصاد وطني قادر على التحرر من التبعية الخارجية، ثم انتقلت سوريا إلى نموذج الدولة الاقتصادية المركزية، قبل أن تنتقل تدريجياً إلى اقتصاد أكثر انفتاحاً، لكنه ظل محكوماً بدرجة كبيرة بشبكات النفوذ السياسي والأمني.
أما الحرب، فقد دمرت جانباً كبيراً من القاعدة المادية والبشرية للاقتصاد السوري، لتجد السلطة الجديدة نفسها أمام مهمة تاريخية تتجاوز مجرد إعادة تشغيل المصانع أو إصلاح الطرق والجسور.
إن إعادة بناء الاقتصاد السوري تتطلب، قبل كل شيء، إعادة بناء الدولة ذاتها: دولة المؤسسات والقانون والمواطنة المتساوية، ودولة الشفافية والمساءلة والحوكمة الرشيدة، القادرة على ضمان تكافؤ الفرص وحماية الملكية الخاصة والعامة وإطلاق المبادرة الاقتصادية وتوفير بيئة مستقرة للاستثمار.
فلا يمكن تحقيق تنمية مستدامة في ظل احتكار القرار السياسي والاقتصادي، كما لا يمكن جذب رأس المال في بيئة يسودها عدم اليقين السياسي والأمني والتشريعي.
ومن ثم، فإن السؤال الحقيقي أمام سوريا اليوم ليس فقط: كم من الأموال يمكن استثمارها في إعادة الإعمار؟ بل: أي دولة ستدير هذه الأموال؟ وأي منظومة مؤسساتية ستضمن توجيهها نحو إعادة بناء الاقتصاد والمجتمع؟
إن الاقتصاد السوري لن يستعيد عافيته بمجرد تدفق الأموال، وإنما من خلال إعادة تأسيس علاقة جديدة بين الدولة والمجتمع والسوق، تقوم على المواطنة وسيادة القانون والتعددية والحوكمة والشفافية وتكافؤ الفرص.
وبغير ذلك، ستظل الاستثمارات والأرقام والوعود الاقتصادية عاجزة عن معالجة الأزمة البنيوية التي تعاني منها سوريا، لأن إعادة بناء الاقتصاد، في جوهرها، ليست عملية مالية فحسب، وإنما هي جزء من عملية إعادة بناء الدولة السورية الحديثة.
إن الاستنتاجات الرئيسة من دراستنا هذه تتمثل، وفق ما نرى، في الآتي:
– لا يمكن لسوريا أن تتعافى من دون تحقيق دولة المواطنة المتساوية، وتحقيق التشاركية بين السوريين لإعادة إعمار سوريا عبر إرادة وطنية جامعة.
-إن حجم الرساميل السورية المهاجرة كبير جداً، ودعوة أصحابها للمشاركة في إعادة بناء سوريا ونهضتها واجب وطني ومهمة وطنية ملحة وعاجلة.
– بعد فشل سلطة الأمر الواقع، منذ الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024 وحتى تاريخه، في تحقيق أي إنجاز ذي قيمة، فإن هذا يتطلب التخلي عن سياسة الإقصاء والاستئثار واللون الواحد، والدعوة من جديد إلى عقد مؤتمر وطني حقيقي وجامع، وتعديل الإعلان الدستوري الاستئثاري، لكي تُفتح الأبواب أمام السوريين والسوريات كافة للمساهمة في إعادة إعمار سوريا.
– فتح الفضاء العام للعمل السياسي وإصدار قانون للأحزاب يتيح لجميع السوريات والسوريين الاشتغال بالسياسة التي حُرموا منها لعقود طويلة.
– إنجاز العدالة الانتقالية بكل شفافية عبر سلطات قانونية مستقلة، والسير لاحقاً نحو إنجاز المصالحة الوطنية.
– التوقف عن العبث بأصول الدولة السورية، التي هي ملك للشعب السوري، والعمل على الانفتاح الاقتصادي المدروس، وإيلاء الأولوية لرأس المال المحلي، وكذلك رأس المال الوطني المهاجر.
– التحضير لكتابة مشروع دستور لسوريا الجديدة يضمن تحقيق الوحدة الوطنية الجامعة وتعزيز النزعة الوطنية لدى السوريين، مع التأكيد على تحقيق السيادة والإرادة الوطنية وعدم التفريط بأي جزء من التراب الوطني السوري، والتحضير لانتخابات برلمانية حقيقية يتمثل فيها السوريون كافة.
من دون تحقيق هذه الأهداف الاستراتيجية، لا يمكن لسوريا أن تنهض. وعلى سلطة “التريند” القائمة اليوم أن تستمد شرعيتها من الشعب السوري أولاً وقبل كل شيء، وعليها أن تكف عن تخبطها وتيهها وتفريطها بالثوابت الوطنية.