رأي

أي نظام سياسي في “سوريا الجديدة”؟

في واحدة من المفارقات التي يعيشها السوريون منذ استلام هيئة تحرير الشام للسلطة في دمشق، أنها على الرغم من تعريف نفسها بأنها انتقالية، خصوصاً بعد صدور الإعلان الدستوري، فهي تمارس الحكم بوصفها سلطة دائمة، ويقوم الإعلام الداعم لها بتثبيت صورتها كسلطة دائمة من خلال الترويج لمصطلح سوريا الجديدة، أو الدولة الجديدة، وكأن السوريات والسوريون اتفقوا على ماهية سوريا الجديدة، أو كأنهم فوّضوا هذه السلطة بتطبيق “رؤيتها” لبناء الدولة.

إن أبسط أشكال التعريف لمفهوم النظام السياسي يقوم على تعريف وظيفة هذا النظام، والمهام التي يزعم أنه يتصدى لها، والأدوات التي يستخدمها، والآليات التي يعتمدها، والقوانين المرجعية لهذه المهام، لكننا في الواقع السوري الذي نعيشه منذ أكثر من عام ونصف العام، لا نجد أمامنا نظاماً سياسياً بهذا المعنى، أو حتى يشبه بشكل من الأشكال هذه المعنى، فلا سلطة الأمر الواقع ملتزمة بكونها سلطة انتقالية، بحسب ما يقتضيه مفهوم السلطة الانتقالية، أي إدارة الدولة والمؤسسات إلى حين كتابة دستور جديد، يمنحه الشعب الشرعية من خلال الاستفتاء عليه، ولا هي تقدم للمواطنين مشروعها السياسي والاقتصادي والخدمي، والنموذج الذي تسعى إلى بنائه.

هل على السوريين أن يضربوا بالمندل لفهم النموذج السياسي القابع في رأس هذه السلطة لتخمين المستقبل الذي تقودهم إليه؟

ليس هناك ما هو أكثر مدعاة للألم والسخرية في آن معاً من أن يعيش السوريون في حالة انعدام أي رؤية لما يجري في بلادهم وأي مستقبل ينتظرهم، خصوصاً أن السوريين أنهكتهم الحرب والفقر والجوع والتشرد والموت، وذاق معظمهم صنوفاً من الألم تفوق قدرتهم وإمكاناتهم على الاحتمال أو حتى التكيف، ومع ذلك، لا تبدو السلطة معنية بشرح أي شيء لهم، وكأنهم متروكون في عراء كامل، لتنهشهم طبقة سلطوية منتفعة أتيحت لها الفرصة أن تتحكم اليوم بالقرار، وأن تعيد بناء نموذج لسلطة منفصمة عن الواقع، همها الوحيد منذ استلامها الحكم الحصول على شرعية الخارج، وإظهار مدى قبول العالم لها، وحنكتها في بناء العلاقات الخارجية!

هل ستذهب سوريا نحو نظام استبدادي؟

من عجائب التاريخ أن بعض رموز هذه السلطة يتحدثون عن الحرية، التي تعني التخلص من نظام الأسد، لكن ماذا عن النظام السياسي الجديد: هل سيكون هناك دستور يقرّ بالديمقراطية والتعددية السياسية وصون الحقوق والحريات، أم أن سوريا ستعود إلى نظام الفرد والقائد الواحد وجماعته الأيديولوجية؟

لا يحتاج السوريون إلى انتظار دستور جديد حتى يبدأوا بالإجابة عن هذا السؤال، فطبيعة أي نظام سياسي لا تُعرف فقط من النصوص التي يضعها لنفسه، وإنما من الطريقة التي يمارس بها السلطة: من يتخذ القرار؟ ومن يراقبه؟ ومن يستطيع محاسبته؟ ومن يعيّن المسؤولين؟ وهل يستطيع القضاء مساءلة أصحاب السلطة والنفوذ؟ وهل يستطيع المواطنون تأسيس أحزابهم ومنظماتهم بحرية؟ وهل يستطيع صحفي أن ينتقد رأس السلطة من دون خوف؟ وهل يمكن للسوريين، في نهاية المطاف، أن يغيّروا حكامهم عبر انتخابات حرة ونزيهة؟

هذه الأسئلة تمس حياة كل مواطن سوري، فالنظام السياسي هو الذي يحدد إن كان المواطن صاحب حق أم مجرد متلقٍ لقرارات السلطة، وإن كان المسؤول موظفاً عاماً يمكن محاسبته أم صاحب نفوذ لا يُسأل عما يفعل.

وإذا نظرنا إلى ما يجري اليوم من هذه الزاوية، فإن أسباب معارضة هذه السلطة، تصبح أكثر من مشروعة، فالسلطة التي تصف نفسها بالانتقالية تتصرف في قضايا كثيرة كما لو أنها حصلت على تفويض دائم، تعيّن وتعيد تشكيل مؤسسات الدولة، وتصدر القوانين والقرارات، وتحدد شكل المرحلة المقبلة، من دون وجود حياة سياسية حقيقية تسمح للسوريين بالتأثير في هذه الخيارات أو حتى مناقشتها على قدم المساواة.

المشكلة، هنا، ليست في اسم الحاكم ولا في سيرته فقط، وليست في استبدال بشار الأسد بأحمد الشرع، وإنما في السؤال الذي دفع السوريون ثمناً باهظاً لعدم طرحه طوال عقود: كيف تُبنى السلطة، وكيف تُقيّد، ومن يحاسبها، وكيف يمكن تغييرها؟

لقد كانت واحدة من أكبر كوارث نظام الأسد أنه جعل الدولة امتداداً للسلطة، والسلطة امتداداً للرئيس، والرئيس فوق المؤسسات والقانون. ولهذا فإن الخروج من ذلك النظام لا يتحقق بمجرد رحيل الأسد، ولا بتغيير العلم أو أسماء المؤسسات والمسؤولين، وإنما ببناء نظام يمنع، من الأساس، إمكانية أن يحتكر فرد أو جماعة الدولة والقرار العام مرة أخرى.

“سوريا الجديدة” لمن؟

يبدو هذا السؤال ضرورياً كلما تكرر أمام السوريين تعبير “سوريا الجديدة”. فمن الذي قرر شكل هذه الـ “سوريا الجديدة”؟ وأين ناقش السوريون عقدها السياسي والاجتماعي؟ ومتى اختاروا طبيعة نظامها السياسي؟ ومن فوّض جماعة بعينها، مهما كانت ظروف وصولها إلى دمشق، بأن تحدد نيابة عن ملايين السوريين شكل الدولة التي سيعيشون فيها؟

لا ينبغي أن تكون سوريا ملكاً لمن وصل إلى القصر الجمهوري، ولا لجماعة أيديولوجية أو عسكرية، ولا لأكثرية عددية تدّعي أن كثرتها تمنحها حق تقرير مصير الآخرين. إنها بلد السوريين جميعاً، مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، بصرف النظر عن أصولهم ومعتقداتهم وانتماءاتهم وخياراتهم السياسية وأنماط حياتهم، سواء كانوا مقيمين في البلاد أو لاجئين ومهجّرين، وسواء عارضوا نظام الأسد أم لم يكونوا جزءاً من المعارضة. فالدولة التي نريدها لا تسأل السوري عن الجماعة التي ينتمي إليها لتحدد مكانه وحقوقه، وإنما تعترف به مواطناً كامل الحقوق بصفته الفردية.

ولذلك، فإن السؤال عن النظام السياسي أمر لا يمكن تأجيله تحت أي ذريعة إلى أن تتحسن الأوضاع الاقتصادية أو تستقر العلاقات الخارجية، فالخبز والوظيفة والأمن والتعليم والصحة والعدالة ليست منفصلة عن السياسة كما يحاول البعض تصويرها، لأن السلطة التي لا تخضع للمحاسبة هي التي تقرر كيف تُوزع الموارد، ومن يحصل على الفرص، وأين تُنفق أموال الدولة، ومن يحاسب الفاسد، ومن يحمي المواطن عندما يقع عليه الظلم.

السلطة الانتقالية، بحكم تعريفها، ليست مالكة للدولة ولا وصية على المجتمع، ومهمتها ليست أن تختار للسوريين نظامهم السياسي ثم تطلب منهم القبول به. المرحلة الانتقالية ينبغي أن تكون جسراً بين نظام سقط ونظام يختاره السوريون، لا فرصة لتحويل سلطة الأمر الواقع إلى أمر دائم.

ليس مطلوباً من السوريين أن يستبدلوا استبداداً باستبداد آخر، ولا أن يقبلوا مقايضة الأمن بالحرية مرة أخرى، ولا أن يمنحوا حاكماً جديداً الصلاحيات نفسها التي دفعوا ثمناً كارثياً للخلاص من صاحبها السابق.

ما يحتاجه السوريون ليس قائداً يخبرهم كيف ستكون “سوريا الجديدة”، وإنما دولة يستطيعون هم تحديد شكلها، دستوراً لا يكتبه المنتصر لنفسه، ومؤسسات لا تكون ملحقة بالحاكم، وقضاء يستطيع محاسبة صاحب السلطة قبل المواطن الضعيف، وإعلاماً لا يحتاج إلى إذن كي ينتقد، وأحزاباً لا تعمل بموافقة السلطة، وانتخابات يستطيع السوري من خلالها أن يقول للحاكم: انتهت ولايتك.

بعد كل ما دفعه السوريون خلال العقود الماضية، لا ينبغي أن يكون السؤال: ما النظام الذي ستختاره لنا السلطة؟

السؤال الذي يسبق ذلك كله هو: متى يستعيد السوريون حقهم في اختيار النظام الذي يريدونه لأنفسهم؟

فـ “سوريا الجديدة”، إذا كان لهذا التعبير أن يحمل معنى حقيقياً، لا تبدأ بحاكم جديد، وإنما تبدأ عندما يصبح السوريون، للمرة الأولى، أصحاب الحق في تقرير كيف يُحكمون.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق