السيادة السورية المنقوصة بين تدخلات الخارج وانقسامات الداخل و”سلطة” تكرّس استبدادها

(حَدْس) – هيئة التحرير
منذ عام 2012، شهدت سوريا تدخلات أجنبية مباشرة وغير مباشرة، مع غياب الحلّ السياسي في سوريا، ومع مرور الوقت باتت تلك التدخلات أمراً واقعاً، خصوصاً مع عسكرة الصراع الوطني من أجل التغيير، ووجود قوات أجنبية نظامية وميليشياوية وجهادية في الميدان، بالإضافة إلى جهات استخبارية إقليمية ودولية، وكل هذه الوقائع جعلت من السيادة الوطنية شبه غائبة، تحت تأثيرات الخارج من جهة وانقسامات الداخل من جهة ثانية، انقسامات ضربت التوافقات الوطنية، وجعلتها موضع خلاف ونزاع.
وبعد ما يقرب من العامين من انهيار سلطة بشار الأسد، نحاول في “حَدْس” رصد الواقع الفعلي لهذه السيادة، وتفحّص مدى وعي سلطة الأمر الواقع بالحاجة الكبرى إلى مسار استعادة السيادة الوطنية وتفاعلها معها.
وفي هذا الملف الخاص حول السيادة الوطنية، توجهت هيئة تحرير “حَدْس” إلى عدد من السياسيين والكتّاب للوقوف على تقييمهم لواقع السيادة الوطنية الراهن في البلاد.
في ضعف سيادتنا الوطنية
راتب شعبو- كاتب وسياسي سوري:
يمكن الكلام عن نوعين من ضعف السيادة الوطنية، الأول ناجم عن الضعف العسكري الذي يضع البلاد تحت ضغوط الأقوى بشكل يؤثر على سيادتها بدرجات مختلفة، ويمكن أن يطال هذا حتى حق استفادة الدولة من مواردها الطبيعية تحت الضغط العسكري، أو أن يتخذ شكل وجود عسكري مباشر (احتلال أو شبه احتلال) يفرض إرادته على البلد. والثاني ناجم عن التفكك الوطني، أي أن تكون العلاقة بين السلطة والمجتمع سيئة إلى حدّ يسمح لأطراف خارجية بأن تجد لها محلاً مرحّباً به من فئات محلية، الأمر الذي يجعل من الخارج عنصراً مؤثراً في علاقات القوة الداخلية عبر أشكال تدخل مختلفة. النوع الأول شائع، تمارسه الدول القوية على الدول الضعيفة بصورة متكررة، وما يميزه عن النمط الثاني هو أنه مفروض بالقوة ولا يحوز رضا فئات شعبية محلية.
خلال صراع نظام الأسد على البقاء، تحولت سوريا إلى بلد بلا سيادة، اجتمع فيه النوعان السابقان. وانتهى الصراع الطويل الذي شهدته سوريا، إلى نتيجة ليس فيها ما هو جيد سوى سقوط نظام الأسد، لأنها نتيجة تمتلك كل العناصر اللازمة لتكرار المأساة السورية (تأسيس حكم مغلق، ثم خروج على الحكم، يقود إلى دمار واسع). أسوأ عنصر في النتيجة المذكورة، ليس وصول جهاديين إسلاميين إلى الحكم بكل ما في فكرهم من عداء لفكرة الشعب وإرادة الشعب، بل وضع السلطة كاملة في يد طرف واحد من أطراف الصراع، ذلك أنه ليس من بين هذه الأطراف من يمكنه ادعاء تمثيل الشعب السوري. لذلك فإن هذه النتيجة لا تؤسس فقط لدورة العنف نفسها التي استهلكت طاقة السوريين وأرواحهم، بل تنطوي أيضاً على ضعضعة السيادة الوطنية، لسببين أساسيين، الأول هو أن الطرف الجديد الحاكم (هيئة تحرير الشام وحلفاؤها في السلطة) سيجد نفسه بحاجة إلى “رعاية” خارجية، ليس فقط لأن البلاد مدمرة والسلطة الجديدة بحاجة إلى معونات، بل أيضاً لأن الطرف الذي سُلِّم الحكم أضعف من أن يقود دولة، هذا فضلاً عن حاجته إلى مساندة سياسية في عالم معقد. كان يمكن للوضع أن يكون أفضل فيما لو تولّت الحكم نخبة واسعة التمثيل تصون وحدة السوريين وتعبّر عنهم. السبب الثاني هو أن سيطرة طرف على السلطة كاملة تعني أن علاقات القوة اختلفت، ولكن لا تعني أن أطراف الصراع الأخرى اختفت. لذلك فإن تفرّد الهيئة بالحكم، كما هو واضح، وتحويلها ما يسمى (المرحلة الانتقالية) إلى مرحلة تأسيس حكم منفرد معزز بجيش وجهاز أمن ذوي بنية تمييزية وولاء كامل للسلطة، يعني تأسيس علاقة سيئة مع المجتمع تسمح بوجود النوع الثاني من ضعف السيادة الوطنية.
هذا دون أن نتكلم عن ضعضعة السيادة الوطنية السورية من خلال تدمير علاقة سلطة “الهيئة” مع العلويين والدروز عبر ارتكاب مجزرتين طائفيتين صريحتين بحقهم، لم تعتذر عنهما السلطة إلى اليوم ولم تتقدم للمنكوبين بكلمة طيبة واحدة، كي تقول مثلاً إن ما جرى كان انفلاتاً له ظروفه، ولم تكن له علاقة بتوجهاتها التمييزية، أو لم يكن نوعاً من “إدارة التوحش”.
يتساءل المرء، كيف نتكلم عن سيادة وطنية في ظل سلطة لا وجود لمفهوم الوطن ولا لمفهوم الشعب لديها؟ السيادة الوطنية بالنسبة لبلد ضعيف مثل سوريا، تقوم بالدرجة الأولى على وحدة الشعب، وعلى غلبة تصور عام بأن السلطة تمثل عموم الشعب. ليس هذا هو الحال في سوريا، وليست سوريا على الطريق الموصل إلى هذا الحال. هذا ما يوجب مواجهة تفرّد السلطة ونزوعها التمييزي، وعدم دفن الرأس برمال الكلام عديم المعنى عن “مرحلة انتقالية”. يذكر السوريون أن أحد أبناء السلطة الحالية قال، في حديث عام، إن تعبير “الرئيس الانتقالي” هو إساءة يفضّل الموت على أن يسمعها. لا ينبغي الشك في أن هذا هو التصور الحقيقي لسلطة اليوم، ففي السياسة يكشف أغبياء كل طرف حقيقة المواقف التي يعمل الأذكياء فيه على إخفائها.
السيادة الوطنية السورية: بين احتكار السلطة واستمرار التدخلات الخارجية
هشام المسالمة – محامٍ ومسؤول العلاقات الخارجية في الحزب الدستوري السوري:
منذ تدويل الصراع السوري عام 2012، تحولت سوريا تدريجياً إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح القوى الإقليمية والدولية، على حساب إرادة السوريين وحقهم في تقرير مستقبل بلادهم. ومع سقوط سلطة بشار الأسد في 8 كانون الأول 2024، كان يُفترض أن تبدأ مرحلة جديدة لاستعادة السيادة الوطنية وبناء دولة تستمد شرعيتها من الشعب. لكن تغيير السلطة لم يؤدِّ تلقائياً إلى استعادة الدولة وقرارها المستقل.
فالسيادة الوطنية ليست مجرد اعتراف دولي بالسلطة القائمة، ولا تقتصر على العلاقات الدبلوماسية أو الخطاب الوطني. إنها قدرة الدولة على اتخاذ قراراتها باستقلالية، وحماية حدودها، وإدارة مواردها، واحتكار القوة المسلحة ضمن مؤسسات وطنية خاضعة للقانون، بما يعبّر عن إرادة المواطنين ومصالحهم.
من هنا يبرز السؤال: هل تسير سوريا نحو استعادة سيادتها، أم أن احتكار السلطة داخلياً واستمرار التدخلات الخارجية يعيدان إنتاج أزمتها بأشكال جديدة؟
داخلياً، تكمن إحدى أبرز العقبات في غياب الشرعية الشعبية الناتجة عن عملية سياسية ديمقراطية وتوافق وطني شامل. فقد منح الإعلان الدستوري الصادر في 13 آذار 2025 الرئيس الانتقالي صلاحيات واسعة، تشمل تعيين أعضاء المحكمة الدستورية العليا، والمشاركة في تشكيل مجلس الشعب عبر تعيين ثلث أعضائه واختيار الآلية التي تنتخب الثلثين الآخرين. ويطرح هذا النموذج أسئلة جدية حول استقلال المؤسسات والتوازن بين السلطات، في مرحلة يُفترض أن تؤسس لدولة القانون والمساءلة.
إن احتكار القرار السياسي والأمني والعسكري، في غياب رقابة مستقلة وتفويض شعبي مباشر، لا يعزز الدولة بقدر ما يربط مؤسساتها بإرادة السلطة. كما أن إقصاء القوى السياسية والاجتماعية عن المشاركة الفعلية في صياغة المستقبل الوطني يضعف الثقة الداخلية، ويجعل بناء السيادة مشروع سلطة بدلاً من أن يكون مشروعاً وطنياً جامعاً.
أما خارجياً، فتقدم الوقائع الميدانية دليلاً أكثر وضوحاً على هشاشة السيادة السورية. فقد وثقت تقارير أممية استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي داخل منطقة الفصل وعلى أراضٍ سورية مجاورة بعد سقوط الأسد، خلافاً لاتفاق فض الاشتباك لعام 1974. كما سجلت وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء أكثر من 900 توغل إسرائيلي في محافظة القنيطرة خلال عام 2025. وهذه الوقائع تكشف أن حماية الأرض والقرار الوطني لا تزال تحدياً قائماً، يتطلب موقفاً وطنياً مستقلاً وأدوات دبلوماسية وقانونية فاعلة.
ولا يمكن فصل السيادة عن الحقوق والحريات والعدالة. فالتمييز والإقصاء والانتهاكات، وضعف المساءلة، تقوّض الثقة بالدولة، وتفتح المجال أمام الولاءات الفرعية والتدخلات الخارجية. ولا تُبنى دولة مستقلة فيما يشعر مواطنوها بأن كرامتهم وحقوقهم ليست مصونة بالتساوي.
إن استعادة السيادة تتطلب حواراً وطنياً شاملاً، وعملية تأسيسية سورية مستقلة، ودستوراً ديمقراطياً، وانتخابات حرة، وفصلاً حقيقياً بين السلطات، وجيشاً وطنياً موحداً، وسياسة خارجية متوازنة تقوم على المصالح المتبادلة، لا على التبعية أو المقايضات.
إن التحدي الحقيقي ليس تثبيت سلطة جديدة، بل استعادة الدولة بوصفها ملكاً لجميع السوريين. فالسيادة ليست امتيازاً تمنحه السلطة لنفسها، بل حق للشعب يمارسه عبر مؤسسات ديمقراطية مستقلة. ومن دون ذلك، قد تتغير السلطة، فيما تبقى السيادة مؤجلة.
سوريا وفقدان السيادة
هوازن خداج – صحفية وباحثة وعضو في الحزب الدستوري السوري
شكّل الانتقال من المجتمعات القديمة والوسيطة أساساً في تطور مفهوم السيادة، والانتقال من سيادة الشخص (السلطان أو الخليفة أو الملك أو العاهل souverain) في الملكيات التقليدية إلى سيادة الدولة Souveraineté التي وضعت حداً لمسألة السلطة العليا والحاكم المقدس، وأتاحت لاحقاً للدولة – الأمة أن تعبّر عن حقها في تقرير مصيرها بنفسها ووفق إرادتها الحرة، ما أسهم في وضع حد للحروب الدينية والصراعات بين الملوك والقوى الإقطاعية والسلطات الدينية. ويُطلق اسم “صلح وستفاليا” على معاهدتي السلام اللتين أثمرت عنهما مفاوضات أوسنابروك ومونستر في العام 1648، ويُعتبر أول اتفاقية دبلوماسية في العصر الحديث تعتمد نظاماً جديداً مبنياً على مبدأ السيادة الحصرية لكل دولة على أراضيها وشعبها.
ومع تطور الدولة الحديثة أصبح مفهوم السيادة ببُعديه الداخلي والخارجي، اللذين يتكاملان نظرياً، أساساً في بناء الدولة. فالسيادة الداخلية تتعلق بمصدر السلطة داخل حدودها، وكيفية ممارسة هذه السلطة. ويُعبَّر عنها بمجموعة من القوانين والمؤسسات التي تعطي الحكم مشروعيته في الدول الديمقراطية الحديثة. وتُعرَّف باعتبارها حق الدولة، في صورة ممثليها الشرعيين، في احتكار القرار السياسي وإجبار جميع من يوجد على أراضيها على الخضوع لسلطاتها. وتعني السيادة الخارجية استقلال الدولة عن إرادة الآخرين في تقرير خياراتها السياسية وإدارة علاقاتها الدولية، والدفاع عن أراضيها، وألّا تخضع لإرادة دولة أخرى تفرض عليها قراراتها بالقوة أو الإكراه.
وبالنسبة للدولة السورية فسؤال السيادة لا يتعلق بالاعتراف الدولي بها كدولة مستقلة ذات سيادة، إنما بمدى قدرة الدولة على ممارسة سيادتها فعلياً، ومن يملك القرار باسمها، وما موقع السوريين أنفسهم من هذا القرار؟ فمفهوم السيادة تتداخل فيه الشرعية القانونية مع القدرة السياسية، والاستقلال الخارجي مع طبيعة الحكم الداخلي.
ومنذ قيام الدولة بُنيت السيادة كسيادة منقوصة، جعلت العلاقة بين الدولة السورية واستقلال قرارها موضع اختبار متكرر لقدرتها على التحكم بأراضيها وأجوائها وقراراتها الأمنية والعسكرية. فالضغوط الخارجية والصراعات الداخلية والإقليمية والتنافس الدولي على النفوذ، وارتباط السياسة السورية بالصراع العربي الإسرائيلي منذ حرب 1948 واحتلال الجولان في حرب 1967، بما يعنيه من مساس بالسيادة الإقليمية السورية ومن آثار على التوازنات الداخلية، تجلّت في تربّع المؤسسة العسكرية على السلطة بالمعنى الواسع للكلمة، وفي حالة الطوارئ.
أما عقب 2011 فقد تجاوزت سوريا مرحلة السيادة المنقوصة، مع اتساع نطاق التدخلات الخارجية، وتعدد القوى العسكرية (الاحتلالات) الموجودة على الأراضي السورية أو المنخرطة في الصراع، وصولاً إلى فقدان السيادة بعد ديسمبر 2024، ويمكن تبيّن ذلك من خلال مجموعة أسئلة: من يقرر؟ هل القرار الوطني مستقل عن الإملاءات الخارجية؟ وباسم من يُتخذ القرار؟ هل تستند السلطة إلى شرعية سياسية ومؤسسات تمثيلية، أم تحتكر الحديث باسم الشعب؟ ولمن تُمارَس السيادة؟ هل تحمي الدولة المجتمع وحقوق مواطنيها؟
ووفقاً لآليات تنصيب السلطة الحاكمة المفروض خارجياً، وآليات احتكارها القرار لصالح فئة، وتدميرها ما تبقى من مؤسسات الدولة، واستمرار القتل والمجازر، والتدخلات الخارجية بموافقة السلطة، والتوسع العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، وغيرها من الممارسات، فإننا نتجاوز الحديث عن أزمة السيادة إلى أزمة فقدان السيادة نفسها لصالح استمرار السلطة الحاكمة. فالسيادة قضية تتصل ببناء دولة مستقلة في علاقاتها الخارجية وقادرة على حماية أراضيها، وخاضعة في الداخل للقانون والمساءلة، ويكون مواطنوها شركاء فعليين في تقرير مصيرهم. وهذه الشروط جميعها إما أن تمتلكها الدولة كاملة أو تفقدها كاملة، فهي ليست تفصيلاً يمكن الاستغناء عنه في الحديث عن السيادة في الخطاب العام الذي تستدعيه السلطة لحماية نفسها من المساءلة! ولا يمكن بناء دولة مستقلة إذا كانت إرادتها مرهونة بالقوى الخارجية، كما لا يمكن اعتبار الشعب صاحب السيادة إذا بقي خارج عملية صنع القرار، ويُقاد من قبل سلطة تسلطية شمولية تلغي معنى المواطنة والدولة معاً.
فاقد الشيء لا يعطيه!!!
د. هيثم مناع – مفكر وحقوقي، عضو الكتلة الوطنية السورية
شارك كثير من السوريين في تحوّل الصراع في سوريا إلى صراع على سوريا. غرف العمليات العسكرية (الموك والموم) قادها جنرالات من دول “أصدقاء” الشعب السوري، والعديد من العمليات العسكرية على امتداد نهر الفرات وفي القلمون والمدن الأربع تقرر مصيرها ونتائجها من قبل حلفاء السلطة السورية (إيران وحزب الله).. محاولة حسان عبود الاستقلال بالقرار العسكري – السياسي ولو نسبياً، تسببت باغتيال قادة حركة “أحرار الشام” وتصدّر التابعين للمخابرات العسكرية التركية (هتش والحكومة المؤقتة) المشهد في الشمال الغربي. كان التدخل الخارجي في شؤون الفصائل المسلحة الإسلامية أوضح من الشمس، والمدّ بالسلاح والمال والمقاتلين هو الذي خلق الفارق العسكري حتى مع الفصائل المعتدلة التي سُحقت تباعاً. ولكن كما يقول المثل الفرنسي qui donne ordonne (من يعطي.. يأمر)، جرى التعامل مع القضية السورية كما اعترف حمد بن جاسم باعتبارها “صيدة”. وقد شارك في إضعاف الدولة السورية والاقتصاد السوري كل من تدخّل في الشأن السوري. ولعل في تغيير موازين القوى مع الانشغال الروسي بالحرب الأوكرانية وتأجج نيران المعارك في غزة وجنوب لبنان وتصفية الخبراء الإيرانيين في دمشق ما سمح للمخابرات التركية والبريطانية والأمريكية بحسم عسكري سريع عبر “هيئة تحرير الشام”.
من الضروري استذكار البدايات لمعرفة المسارات والمآلات!
لو لم يكن من الواضح تماماً عجز مجموعة من الأمنيين والشرعيين عن بناء اقتصاد ومؤسسات دولة، لما غامرت وقامرت MI6 وMIT بتسليم دمشق لـ “هيئة تحرير الشام”. ولما قبل الإسرائيلي أصلاً بدخول أبي محمد الجولاني القصر الجمهوري. فليس “الجهاديون” وحدهم من يعتبر سوريا غنيمة!! وحديث الجولاني من اليوم الأول عن “الاقتصاد الحر” بعد دروس تلقاها بعناية، كان يعني نقل التجربة الإدلبية إلى عموم سوريا. فلا جيش وطني، ولا اقتصاد سوري مستقل ولا قرار سيادي ممكن أو محتمل.
بوصول “غرفة العمليات العسكرية” إلى دمشق تحولت قضية السيادة من مسألة وطنية إلى قضية شعائرية، الصالح فيها من يفكر بتفاصيل المذهب والدين لا بمكانة المواطن والدولة، وبفرض المناسك الوهابية عوضاً عن بناء مرتكزات دولة مستقلة القرار والإرادة. من المضحك استنفار “طاقات” المشايخ لتحريم السفور والخمور والموسيقا في وقت لا يجد الناس فيه قوت يومهم، وأن يخرج علينا الذهبي والنحاسي بحملات لطمس ما تبقى من ظهور نسائي في الحياة العامة. أما المسائل الأساسية لاستقلال البلدان، كالطاقة والإنتاج الصناعي والزراعي وصيانة ما تبقى من الثروة المائية والمنجمية، فقد جرى بيعها بالمزاد العلني.
هل تملك “هتش” ما يمكن أن يضمن للناس الحد الأدنى من احتياجات البقاء على قيد الحياة الكريمة؟
ضمن النظرة الطائفية والمذهبية الضيقة، والحرص على إرضاء من أوصل هذه الجماعة للسلطة، والإبعاد المتعمد للكفاءات والطاقات، واعتبار طول اللحية ونقاب النساء معياراً لنجاة البلاد والعباد، لا يمكن الحديث عن مشروع بناء دولة. حتى الدولتان الوهابيتان الأخيرتان في كوكبنا فهمتا هذا الموضوع، فمتى ستدرك “عصابة الأمنيين والشرعيين” الحاكمة في دمشق ذلك؟
السيادة الوطنية لا تُستعاد بالشعارات أو بالاعتراف الدولي وحده
علاء الخطيب- كاتب وباحث
مع سقوط نظام الأسد في نهاية 2024، تجدد أمل السوريين في استعادة سيادتهم الوطنية، بوصفها استقلال الدولة في قرارها، وقدرتها على ممارسة سلطتها على أراضيها، وحماية مواطنيها ومؤسساتها، من دون الخضوع لإرادة أجنبية. لكن تحقيق ذلك كان يتطلب السير في مسارات مترابطة ترسخ أسس السيادة الوطنية.
أول هذه الأسس هو السيطرة على كامل الأراضي السورية، وإنهاء الوجود العسكري الأجنبي. لكن واقع الحال يقول إن إسرائيل وسعت سيطرتها العسكرية في الجنوب، واستمر الوجود العسكري التركي في الشمال، وبقي الحضور العسكري الروسي قائماً، بل حتى الانسحاب الأمريكي، الذي اكتمل في نيسان/أبريل 2026، جاء أساساً نتيجة حسابات أمريكية بحتة. والأخطر أن انتهاك المجال السوري بات أحياناً خياراً سهلاً حتى أمام دول الجوار، كما أظهرت الضربات الأردنية الأخيرة التي أوقعت ضحايا مدنيين في جنوب سوريا.
ثاني هذه الأسس هو الترابط البنيوي والقانوني بين شرعية السلطة وحقوق المواطنة المتساوية. لذلك فإن غياب الشرعية المستندة إلى الإرادة الحرة للمواطنين، وعدم تأسيس دولة المواطنة، يجعلان السيادة الوطنية أقرب إلى الشعار السياسي منها إلى الواقع الفعلي، على نحو يشبه ما ادعاه نظام الأسدين. فاستعادة السيطرة على الأرض لا تكفي إذا لم يشعر المواطنون بأن الدولة تمثلهم جميعاً، وإذا لم تصبح مؤسساتها أقوى من الأشخاص والفصائل والجماعات التي تتولى إدارتها.
ثالث هذه الأسس هو بناء الوحدة والهوية الوطنية الجامعة. لكن المجتمع السوري الذي خرج من 54 سنة من الحكم الديكتاتوري، محملاً بانقسامات شاقولية عميقة طائفية وقومية وسياسية، زادت شقوقه عمقاً خلال السنتين الماضيتين من حكم السلطة المؤقتة. فيما لم تتبلور الهوية الوطنية الجامعة، بل تجري محاولة إعادة تلوينها بتصور عربي إسلامي سني من قبل السلطة. وبالتالي فإن الوحدة الوطنية ما زالت بعيدة عن التحقق المعنوي والقانوني. فالوحدة الوطنية لا تُفرض بالتجانس، وإنما تُبنى بالاعتراف بالاختلاف، والعدالة بين المواطنين، والمشاركة المجتمعية.
رابع هذه الأسس هو بناء الدولة مؤسساتياً وقانونياً واقتصادياً. فالمؤسسات المستقلة، وسيادة القانون وحداثته، والقضاء الفاعل، والاقتصاد المنتج، تشكل البنية التي تمنح القرار الوطني استقلاله الفعلي. ورغم بعض الخطوات الانتقالية، لم تتبلور بعد خارطة طريق متكاملة لإعادة البناء المؤسسي والاقتصادي. ولا يزال التعافي الاقتصادي معلقاً إلى حد بعيد على الاستثمارات والمساعدات الخارجية، التي تحتاج بدورها إلى بيئة قانونية ومؤسساتية مستقرة وجاذبة.
أخيراً، يأتي تأسيس جيش وطني وأجهزة أمنية مهنية ومحترفة. فالقوات المسلحة يجب أن تحمي الحدود والسيادة، وأن تعكس الانتماء الوطني الجامع، بينما تتمثل وظيفة أجهزة الأمن في حماية المواطنين والقانون والمؤسسات. لكن إعادة التشكيل العسكري والأمني ما زالت تتسم بغلبة الخلفيات الفصائلية والإسلامية السنية، وضعف التمثيل الوطني، واستمرار مشكلات الانضباط ووحدة القيادة، وضعف خضوع هذه التشكيلات للقيادة المركزية والمساءلة القانونية الفاعلة.
وبالطبع، لا تعني استعادة السيادة تحقيق استقلال مطلق، فالعولمة والمنظمات الدولية وموازين القوى تجعل سيادة جميع الدول نسبية، بدرجات متفاوتة. لكن هذه النسبية لا تلغي مسؤولية الدولة عن تعزيز قدرتها على اتخاذ قراراتها وحماية مصالح مواطنيها.
بالمحصلة وبعد سنتين تقريباً، ما زالت السيادة الوطنية في سوريا، للأسف، في مهب رياح التجاذبات الداخلية والصراعات الجيوسياسية الإقليمية والدولية، والشعب السوري هو الذي ما زال يدفع الثمن المرّ. السيادة الوطنية لا تُستعاد بالشعارات أو بالاعتراف الدولي وحده، ولا يكفي لاستعادتها تغيير السلطة. إنها عملية بناء داخلي وخارجي متكاملة، تبدأ بدولة لجميع مواطنيها، وتكتمل بمؤسسات قادرة على حماية استقلالها.