أخبار سورية

الصناعة السورية تدفع ثمن الانفتاح غير المدروس

(حَدْس) – هيئة التحرير

توقف مصنع للخيوط قرب دمشق وفقدان 110 عمال وظائفهم في شهر سبتمبر/ أيلول الماضي، يطرحان سؤالاً عن مسؤولية “السلطة” عن فتح السوق أمام المنافسة الخارجية، قبل معالجة اختلال شروط الإنتاج المحلي.

بعد نحو ثلاثة عقود من العمل، توقف مصنع للخيوط الأكريليكية قرب دمشق، وخسر 110 عمال وظائفهم. وبحسب مديره محمد عيطة، دفعت منافسة الخيوط المصرية الأرخص المصنع إلى خفض أسعاره والبيع بخسارة، قبل أن يتوقف عن الإنتاج. وتكشف هذه الحادثة جانباً من المأزق الذي تواجهه الصناعة السورية، حيث فُتحت السوق أمام المستوردات، بينما بقي المنتج المحلي محاصراً بكلفة الطاقة وضعف التمويل وتقادم التجهيزات.

بعد ما يقارب عامين على وصول “السلطة” إلى الحكم، لم يعد توصيف الخراب الاقتصادي الموروث جواباً كافياً عن تعثر الإنتاج، فقد كانت أوضاع الصناعة معروفة عند اتخاذ قرارات فتح السوق، وكان يفترض أن تشكل أساساً لترتيب الإجراءات الاقتصادية وتقدير آثارها، أما المضي في التحرير التجاري قبل تأمين شروط التكيف، فيجعل القرارات الحكومية نفسها جزءاً من أسباب الأزمة.

لا تسمح حالة مصنع واحد بقياس حجم التراجع الصناعي في البلاد، لكنها تقدم واقعة ملموسة لمساءلة السياسة الاقتصادية، فلماذا أُتيح للسلعة الأجنبية دخول السوق سريعاً، بينما تُرك المصنع السوري ينتظر الكهرباء والائتمان والتحديث؟ ومن يتحمل كلفة الفارق الزمني بين تحرير التجارة وإعادة تأهيل الإنتاج؟

قرارات سريعة وأعباء مؤجلة

اختارت “السلطة” الانفتاح التجاري بوصفه أحد مداخل تغيير الاقتصاد، لكنها لم تمنح إصلاح شروط الإنتاج المحلي السرعة نفسها، وتظهر هنا مشكلة ترتيب الأولويات: إزالة قيد الاستيراد قرار إداري يمكن تنفيذه فوراً، بينما تحتاج استعادة القدرة الصناعية إلى تمويل وطاقة وبنية تحتية وقواعد مستقرة. وكان هذا التفاوت متوقعاً، ويقتضي إجراءات انتقالية تحمي فرص التعافي من صدمة المنافسة.

وقد ظهرت إشارات مبكرة إلى الخلل، مع تراكم بضائع لدى منتجين وتجار، وتوقف بعض الأعمال مؤقتاً أمام منافسة المستوردات وضعف الطلب ونقص السيولة. وهذه الإشارات كانت تستدعي مراجعة مبكرة لوتيرة الانفتاح وشروطه، قبل أن تصبح خسارة الوظائف إحدى نتائجه.

لا يحتاج إثبات قصور الإدارة إلى افتراض أن كل مصنع سوري قادر على الاستمرار، أو أن كل مستورد يضر بالاقتصاد، المسألة تكمن في غياب ما يكفي من الضمانات التي تتيح للمنشآت القابلة للحياة أن تتكيف، فحين يُطلب من المصنع خفض أسعاره، بينما تبقى نفقاته مرتفعة وقدرته على الاستثمار محدودة، يصبح التكيف في كثير من الحالات اسماً آخر لتحمل الخسارة حتى التوقف.

الطاقة: كلفة تنقلها السلطة إلى الإنتاج

تدخل الطاقة في معظم مراحل التصنيع، من تشغيل الآلات إلى نقل المواد والمنتجات، ويؤدي ارتفاع أسعارها، بالتزامن مع اضطراب الإمداد، إلى زيادة النفقات وتعطيل انتظام الإنتاج، ثم يظهر ذلك في سعر السلعة المحلية وقدرتها على منافسة المستورد.

وقد أظهرت أزمة المحروقات في أيلول الماضي حدود إدارة هذا الملف، فبعد رفع الأسعار واندلاع الاحتجاجات، أعلنت الحكومة أسعاراً متفاوتة للمازوت بحسب نوعه واستخدامه، بينها سعر للقطاعات الإنتاجية والخدمية، وأقرت بأن توقف مصفاة بانياس للصيانة زاد الاعتماد على الواردات الأعلى كلفة.

تستدعي هذه الوقائع مساءلة التخطيط، فما هي الاحتياطات التي اتُّخذت لتخفيف أثر توقف المصفاة؟ وكيف قُدرت انعكاسات الأسعار في الصناعة والنقل والزراعة؟ وما الذي يضمن وصول المنشآت إلى الوقود بالسعر المخصص لها؟

فالقرارات التي تُعدّل بعد الاحتجاج تكشف أن تقدير الكلفة الاجتماعية والإنتاجية لم يكن كافياً، أو لم يحتل موقعاً حاسماً في صنع القرار، ويتحمل المصنع نتيجة ذلك مرتين، مرة عند ارتفاع نفقاته، وأخرى حين يعجز عن توقعها، فيقلص إنتاجه أو يرفع أسعاره ويفقد مزيداً من زبائنه.

منافسة بشروط مختلة

تعتمد المنافسة على أكثر من فتح المعابر وتخفيض القيود، فهي ترتبط بكلفة التمويل والطاقة والنقل، وبكفاءة المعدات وسرعة الحصول على المواد الأولية، وعندما تختلف هذه الشروط جذرياً بين منتجين، فإن تعريضهما للسوق نفسها لا يزيل الاختلال بينهما.

لم تبنِ “السلطة” سياستها على هذه الحقيقة، فالمصنع الذي يحتاج إلى تحديث آلاته لا يستطيع تمويل التحديث من مبيعات تتراجع، ولا يمكن مطالبته برفع الإنتاجية من دون إتاحة الوسائل اللازمة لذلك. ومع استمرار ضعف الائتمان، تتشكل حلقة تتآكل فيها قدرته، من معدات أقل كفاءة، وكلفة أعلى، ومبيعات أضعف، ثم قدرة أقل على الاستثمار.

وتبرز هنا أهمية السياسة الجمركية أيضاً، إذ ينبغي أن تشجع تصنيع السلعة داخل البلاد، وألا تجعل استيراد مدخلاتها أعلى عبئاً من استيراد المنتج الجاهز، وأي خلل في هذا الترتيب يمنح النشاط التجاري أفضلية على الإنتاج، ويدفع رأس المال إلى البحث عن الربح الأسرع في الاستيراد بدلاً من تحمل مخاطر تشغيل المصانع.

ولا يجوز تحميل الصناعيين والعمال وحدهم مسؤولية هذه النتائج بذريعة ضرورة الاعتياد على المنافسة، فالسلطة هي التي تضع القواعد وتحدد توقيت تطبيقها، وتتحمل مسؤولية الاختلالات التي تصنعها أو تتركها تتفاقم رغم ظهور آثارها.

السلعة الأرخص لا تعوّض الأجر المفقود

يحتاج السوريون إلى سلع أقل سعراً، خصوصاً مع ضعف الدخول، لكن استخدام مصلحة المستهلك لتبرير سياسة الاستيراد يتجاهل أن المستهلك نفسه يحتاج إلى عمل وأجر، وقد يستفيد العامل مؤقتاً من انخفاض سعر سلعة، ثم يخسر مصدر دخله عندما يتوقف المصنع الذي يعمل فيه.

ويمتد أثر الإغلاق إلى ما وراء العمال المسرّحين، ليشمل خدمات النقل والصيانة والتخزين والموردين والمتاجر المحيطة، ومع اتساع توقف المنشآت، يتراجع الطلب المحلي، وتصبح وفرة السلع عاجزة عن إخفاء ضعف القدرة على شرائها.

كما أن تفكيك القدرة الصناعية قد يخلّف خسائر يصعب تداركها، مثل مغادرة العمال المهرة المهنة أو البلاد، وبيع المعدات، وتفكيك علاقات الإنتاج، ولهذا، فإن ترك المنشآت تتوقف ثم التعويل على استثمارات مستقبلية لإعادة تشغيل الاقتصاد يحمّل المجتمع كلفة إضافية، كان يمكن تقليصها بسياسة انتقالية أكثر مسؤولية.

أي اقتصاد تبنيه “السلطة”؟

تكشف هذه الوقائع عن قصور في تصور وظيفة الدولة خلال الانتقال الاقتصادي، فالسلطة مطالبة بتأمين شروط الإنتاج وتنظيم المنافسة وحماية العمل، بينما لا يكفي أن تفتح السوق وتنتظر أن تعالج المنشآت، كل على حدة، مشكلات الكهرباء والتمويل والتجهيز.

ولا تعني حماية القدرة الصناعية منح أصحاب المصانع امتيازات دائمة أو إعفاءهم من التحديث، إذ يمكن ربط أي مساندة مؤقتة بالحفاظ على الوظائف وتحسين الكفاءة والجودة، وإخضاعها لرقابة معلنة تمنع الاحتكار، لكن غياب هذه السياسة يترك العمال والمنشآت أمام انتقال اقتصادي يدفعون كلفته من دخولهم وأصولهم.

بعد ما يقارب عامين، تُقاس إدارة “السلطة” بما اتخذته من قرارات، وبما امتنعت عن معالجته رغم وضوح الحاجة إليه، ولم يعد التعذّر بإرث الحرب كافياً لتبرير الخيارات الاقتصادية وسوء التخطيط، وغياب رؤية متكاملة مبنية على احتياجات وطنية بالدرجة الأولى.

والسؤال الذي يُطرح على السلطة واضح: كيف يمكن الحديث عن تعافٍ اقتصادي، بينما تعجز منشآت قائمة عن الاستمرار، ويُترك العامل السوري ليتحمل كلفة سياسات فُرضت قبل تأمين شروط نجاحها؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق