مع استمرار مأزق عدم الحسم… هل تتجدّد الحرب الأمريكية على إيران؟

(حَدْس) – هيئة التحرير:
خلال الشهرين الماضيين، أجمعت مجمل التحليلات حول تجدّد الحرب الأمريكية ضد إيران بأن أمر تجددها مرهون بالانتخابات الأمريكية النصفية، فالتهدئة لم تنتج تسوية مستقرة، والضغط العسكري والاقتصادي لم يؤدِّ إلى اتفاق ينهي المواجهة. لذلك، يتجاوز السؤال المطروح توقيت الجولة العسكرية المقبلة إلى جدواها السياسية، هل تستطيع حرب جديدة تحقيق ما عجزت عنه الجولات السابقة، أم تعيد إنتاج المأزق نفسه بكلفة أكبر؟ هذا هو جوهر الإشكالية.
تكتسب الانتخابات أهميتها من ارتباط الحرب بالداخل الأمريكي، خصوصاً أسعار الطاقة وكلفة المعيشة، وقد أتاح تأجيل الهجمات الواسعة للإدارة الأمريكية تجنب إضافة صدمة جديدة إلى الحملة الانتخابية للجمهوريين. غير أن الانتقال من هذه الملاحظة إلى اعتبار الحرب مؤجلة حكماً إلى ما بعد الاقتراع ينطوي على اختزال، فالانتخابات تؤثر في حسابات التوقيت، لكنها لا توفر بذاتها جواباً عن أهداف الحرب وحدودها وكيفية إنهائها. يمكن، بناءً على ذلك، فهم مرحلة ما بعد الانتخابات بوصفها اختباراً للسياسة الأمريكية تجاه إيران، فإذا كانت واشنطن قد امتنعت عن التصعيد أساساً لتجنب كلفته الانتخابية، فإن زوال هذا القيد يوسع هامش التحرك، أما إذا كان التريث يعكس غياب خيار عسكري قادر على إنتاج تسوية مقبولة، فإن انتهاء الاقتراع لن يغير جوهر المشكلة، وبين الاحتمالين تقع مساحة واسعة من التهديدات والحشد والمساومة، قد تنتهي باتفاق جزئي أو تنزلق إلى مواجهة جديدة.
الانتخابات وتناقضات القرار الأمريكي
لا تسمح القراءة السياسية الجادة بافتراض علاقة آلية بين نتيجة الانتخابات وقرار الحرب، فاحتفاظ الجمهوريين بموقع قوي في الكونغرس قد يُفسَّر داخل الإدارة باعتباره مساحة أوسع لمواصلة الضغط، لكن خسارتهم لا تضمن اتجاهاً معاكساً، إذ يمكن أن تدفع الرئيس إلى مراجعة سياسته، كما يمكن أن تشجعه على البحث عن إنجاز خارجي يعوض التراجع الداخلي.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية بسبب الفارق بين التعبير الانتخابي عن رفض الحرب والقدرة المؤسسية على إيقافها، إذ يملك الكونغرس أدوات للضغط، بينها التمويل وقرارات صلاحيات الحرب، لكن استخدامها لفرض تغيير سريع على الرئيس يواجه عقبات سياسية ومؤسسية، ومن ثم، فإن تبدل الأكثرية قد يزيد كلفة التصعيد ويثير نزاعاً على إدارته، من دون أن يمنع بالضرورة بدء جولة عسكرية جديدة.
وتبقى مشكلة أخرى، وهي أن انتهاء الانتخابات لا ينهي آثار الحرب على المجتمع الأمريكي، فارتفاع الأسعار والخسائر العسكرية المحتملة واستنزاف الموارد تستمر بعد إغلاق صناديق الاقتراع، ولذلك، قد يتراجع القيد الانتخابي المباشر بينما تبقى الكلفة السياسية للحرب قائمة، خصوصاً إذا أطلقت الإدارة عملية جديدة بوعد الحسم السريع ثم وجدت نفسها أمام مواجهة ممتدة.
التفوق العسكري وحدود فرض الإرادة
يتمثل مأزق واشنطن في المسافة بين قدرتها على تدمير الأهداف وقدرتها على فرض النتيجة السياسية المطلوبة، فالأضرار العسكرية والاقتصادية التي لحقت بإيران لم تتحول إلى انتصار دبلوماسي أمريكي، الأمر الذي يطرح سؤالاً مباشراً عن سبب توقع نجاح جولة جديدة في إجبار طهران على التراجع، بعدما لم تحقق العمليات السابقة ذلك.
ويفتح هذا السؤال نقاشاً حول تعريف الحسم نفسه، فإذا كان الهدف إضعاف قدرات عسكرية محددة، يمكن قياس النتيجة بحجم ما دُمّر ومدى تعطل تلك القدرات، أما إذا كان المطلوب تغيير سلوك الدولة الإيرانية بصورة دائمة، فإن النجاح يحتاج إلى ترتيبات سياسية ورقابية وضمانات تتجاوز العملية العسكرية، وإذا ارتفع الهدف إلى إسقاط النظام، تصبح المسافة أكبر بين تدمير مراكز القوة وتحديد شكل السلطة التي ستنشأ بعدها.
هنا يمكن أن تتحول الأهداف المتحركة إلى سبب لاستمرار الحرب، فحين تُقدَّم كل جولة باعتبارها الخطوة الأخيرة قبل إخضاع الخصم، يصبح إخفاقها في تحقيق ذلك مبرراً لجولة إضافية، وقد تُنجز القوات أهدافها العملياتية، بينما تجد القيادة السياسية أنها لم تحصل بعد على النتيجة التي وعدت بها، وعندها تتسع قائمة الأهداف من المنشآت العسكرية إلى الموارد الاقتصادية ومؤسسات الدولة، ويتزايد الضرر الذي يلحق بالمجتمع من دون ضمان اقتراب التسوية.
وبهذه القراءة، لا يعني استمرار مأزق عدم الحسم غياب التدمير أو تساوي الطرفين عسكرياً، لكنه يعني أن الاختلال الكبير في القوة لم ينتج حتى الآن صيغة سياسية مستقرة تنهي الصراع، وأن زيادة التدمير قد لا تعالج أسباب هذا العجز.
الحسابات الإيرانية بين الداخل والخارج
حسابات القيادة الإيرانية مركبة وتقع في مستويات عديدة، فمن جهة تسعى القيادة إلى تأكيد تماسك النظام داخلياً، خصوصاً أنها تمكنت من تجاوز أزمة القيادة بعد اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار قادة الصف الأول من سياسيين وعسكريين، وأعادت ترتيب البيت الداخلي، وتنظيم وحدة الصف، نظراً لحدة المخاطر الوجودية القائمة على الأمن القومي الإيراني.
كما تسعى القيادة الإيرانية، عبر إمساكها بورقة مضيق هرمز وتشكيل ضغط هائل على حركة الملاحة فيه، إلى تحويل هذه الورقة إلى مكاسب تفاوضية تتجاوز الحرب الحالية إلى ترتيبات استراتيجية، بما يخص ملفها النووي، ودورها في أمن الخليج، وأخذ مصالحها في المنطقة بالحسبان في أي ترتيبات تتعلق بأمن الإقليم.
تهديدات إيران بتوسيع الحرب، وعدم التقيّد بحدود جغرافية معينة في توسعتها، يبدو أمراً جدياً، فالجولتين السابقتين للحرب، أظهرتا أن الهدف الرئيس للحرب كان إسقاط النظام، وأن هذا الهدف سيبقى قائماً لدى العدوين الأمريكي والإسرائيلي في أي حرب مقبلة، وبالتالي فإن التهديد الإيراني بتوسيع بنك الأهداف من دون تقييد جغرافي يبدو منسجماً مع رؤية القيادة الإيرانية لطبيعة المواجهة الراهنة مع أمريكا وإسرائيل، والتي تعدّها مواجهة من أجل بقاء إيران نفسها، وليس فقط بقاء النظام.
هل يمكن ضبط حرب «قصيرة ومكثفة»؟
ينطوي الحديث عن حملة أمريكية “قصيرة ومكثفة” على افتراض إمكان التحكم بمسار المواجهة، بينما تفتح التهديدات الإيرانية برد واسع احتمال خروجها عن الحدود التي ترسمها واشنطن. فأي رد إيراني يوقع خسائر كبيرة في صفوف القوات الأمريكية، أو يصيب سفينة حربية، قد يدفع الإدارة إلى توسيع هجماتها لتطاول منشآت مدنية وبنى تحتية إيرانية، فتتحول العملية المحدودة إلى مواجهة أوسع.
تكمن خطورة هذا السيناريو في أن الطرف الذي يبدأ الهجوم يستطيع تحديد أهداف ضربته الأولى، لكنه لا يملك وحده تقرير حجم الرد أو توقيت انتهاء القتال. فقد تعتبر واشنطن أنها نفذت عملية محدودة، فيما ترى طهران أن خسائرها تفرض رداً يثبت قدرتها على الردع. وعندما تقرأ الإدارة الأمريكية هذا الرد باعتباره تجاوزاً يستوجب هجمات إضافية، يصبح كل تصعيد مبرراً للتصعيد التالي، ويتحول الحفاظ على المصداقية لدى الطرفين إلى عائق أمام وقف المواجهة.
وتزداد صعوبة الاحتواء حين ترتبط العمليات العسكرية بحسابات بقاء النظام الإيراني أو بمكانة القيادة الأمريكية. ففي هذه الحالة، ترتفع الكلفة السياسية للتراجع، وقد يبدو قبول تسوية جزئية أكثر كلفة للقيادتين من مواصلة حرب لا تضمن الحسم. وهكذا تظل عبارة “الحرب المحدودة” تعبيراً عن تصور أصحاب الضربة الأولى، من دون أن توفر ضمانة لحدود المواجهة أو مدتها.
الخليج والطاقة وحدود عزل الحرب
تدخل الملاحة وأسعار الطاقة وتكاليف التأمين البحري في صلب حسابات التصعيد، بما قد يدفع واشنطن إلى مواصلة الضغط العسكري والاقتصادي والتفاوضي قبل اتخاذ قرار باستئناف الهجمات الواسعة، فارتفاع مخاطر الحرب لا يجعل اندلاعها حتمياً، خصوصاً عندما تكون كلفتها الاقتصادية قادرة على تقويض المكاسب السياسية والعسكرية المرجوة منها.
وتجعل مركزية الخليج في إمدادات الطاقة والملاحة الدولية حصر آثار الحرب داخل الحدود الإيرانية أمراً بالغ الصعوبة، فحتى إذا بقيت الضربات محددة جغرافياً، قد تمتد تداعياتها عبر اضطراب الإمدادات وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وبذلك تصبح اقتصادات المنطقة والأسواق الدولية جزءاً من المواجهة.
ويكشف ذلك أيضاً عن تفاوت المصالح بين دول الخليج والإدارة الأمريكية، فالدول الأقرب إلى مسرح العمليات قد تتعرض لأضرار مباشرة في منشآتها واقتصاداتها، بينما تبقى الولايات المتحدة أقل انكشافاً لهذه المخاطر المباشرة، ولذلك، لا يكفي حجم الخسائر الإيرانية للحكم على نتائج أي حملة عسكرية، إذ يبقى المعيار الإقليمي الأهم هو ما إذا كانت ستقلص احتمالات الحرب مستقبلاً، أم ستترك المنطقة أمام جولة أخرى من التهديد والاستنزاف.
التفاوض بين مخرج سياسي وأداة ضغط
تتوزع احتمالات المرحلة التالية للانتخابات الأمريكية بين استمرار الاستنزاف والضربات المتقطعة، وشن حملة عسكرية أوسع، والتوصل إلى اتفاق جزئي يخفف بعض عناصر المواجهة. ولا يتحرك أي من هذه المسارات بمعزل عن الآخرين، فقد يؤدي حادث عسكري إلى تعطيل التفاوض، كما قد تدفع كلفة التصعيد الطرفين إلى قبول تفاهم كان مرفوضاً من قبل.
تتيح التسوية الجزئية معالجة ملفات محددة من دون انتظار اتفاق شامل ينهي العداء بين واشنطن وطهران، غير أن فرص نجاحها ترتبط بترتيب الالتزامات المتبادلة، وتحديد ما يُرفع من الضغوط مقابل ما يُنفذ من تعهدات، وآليات التحقق وضمانات الاستمرار. وفي غياب صيغة مقبولة لهذه المسائل، قد يتحول التفاوض إلى وسيلة لكسب الوقت وإعادة ترتيب القدرات استعداداً لجولة جديدة.
أما استمرار الوضع الراهن، فعلى الرغم من تجنيبه الطرفين قرار الحرب الواسعة، فإنه يراكم مخاطر يصعب التحكم بها على المدى الطويل. فقد ينتج الاستنزاف حادثاً تتجاوز تداعياته قدرة القيادتين على الاحتواء، أو يدفع أحدهما إلى الاعتقاد بأن التصعيد أقل كلفة من استمرار الانتظار، وحتى إذا تمكنت حملة جديدة من تغيير بعض موازين القوة، فستبقى أمام السؤال السياسي نفسه، وهو ما التسوية التي يمكن أن تنتجها العمليات العسكرية، وما الذي يضمن استمرارها بعد توقف القصف؟
لذلك، لا يمكن الجزم بأن انتهاء الانتخابات الأمريكية سيعني تلقائياً بدء حرب واسعة. فالاقتراع قد يوسع هامش القرار لدى الإدارة، لكنه لا يزيل أسباب المأزق، فواشنطن ستظل أمام صعوبة تحويل تفوقها العسكري إلى تنازلات سياسية مستقرة.
وقد تبدأ جولة جديدة من الحرب من دون أن يقترب الحسم، فالخطر أن يخوضها الطرفان بأهداف تتجاوز قدرة أدواتهما العسكرية على تحقيقها، ثم يواصلا التصعيد هرباً من الاعتراف بحدود القوة، وعندها سيقود اتساع التدمير إلى تعميق مأزق عدم الحسم، فيما يدفع الإيرانيون وشعوب المنطقة ثمن العجز عن إنتاج تسوية سياسية.