التوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري: الواقع الميداني والأهداف والمسارات المحتملة

(حَدْس) – هيئة التحرير:
مقدمة:
شكّل انهيار سلطة بشار الأسد في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024 نقطة تحول في الوضع العسكري القائم على الحدود السورية – الإسرائيلية، ففي الساعات التي أعقبت السقوط وانسحاب وحدات الجيش السوري من مواقعها في الجنوب، دخلت قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى المنطقة الفاصلة التي أُنشئت بموجب اتفاق فصل القوات لعام 1974، وسيطرت على مواقع في الجانب السوري من جبل الشيخ، قبل أن توسع انتشارها وتحركاتها في محافظة القنيطرة ومناطق من ريف درعا الغربي وريف دمشق الجنوبي الغربي.
قدمت إسرائيل هذا التحرك في بدايته باعتباره إجراءً أمنياً مؤقتاً فرضه انهيار الجيش السوري وغياب جهة قادرة على ضبط الحدود، وأعلنت أن دخولها المنطقة الفاصلة يهدف إلى منع وصول جماعات مسلحة إلى مواقع الجيش السوري السابقة. لكن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي، وإنشاء نقاط مراقبة وشق طرق وتنفيذ مداهمات واعتقالات وتوغلات متكررة داخل القرى السورية، أظهرت أن التطورات تجاوزت نطاق التدبير المؤقت.
وحتى سبتمبر/أيلول 2026، استمرت القوات الإسرائيلية في تنفيذ عمليات داخل الجنوب السوري. ففي الثامن عشر من الشهر الماضي، دخل رتل عسكري إسرائيلي مؤلف من تسع آليات إلى منطقة وادي الرقاد في الجنوب الغربي، بالتزامن مع قصف أراضٍ زراعية قرب بلدة بيت جن. ويشير استمرار هذه العمليات بعد نحو عامين من سقوط سلطة الأسد إلى أن إسرائيل تعمل على تأسيس واقع أمني جديد، مستفيدة من ضعف الدولة السورية، وإعادة تشكيل جيشها، وغياب تسوية سياسية أو أمنية نهائية.
أولاً- خريطة التوغلات والواقع الميداني الجديد:
بدأت العملية الإسرائيلية بالسيطرة على المنطقة الفاصلة التي تمتد بمحاذاة الجولان السوري المحتل، وهي منطقة خضعت منذ عام 1974 لمراقبة قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك، كما سيطرت إسرائيل على الجانب السوري من جبل الشيخ، الذي يمثل أعلى نقطة استراتيجية في المنطقة، ويوفر مجالاً واسعاً للرصد والمراقبة يشمل جنوب سوريا وأجزاء من لبنان والأردن ومحيط دمشق.
ولم تقتصر التحركات على المواقع العسكرية السابقة أو المنطقة الفاصلة. فقد دخلت القوات الإسرائيلية خلال الأشهر اللاحقة عدداً من القرى والبلدات في ريف القنيطرة، وأقامت حواجز مؤقتة ونقاط تفتيش، ونفذت عمليات بحث واعتقال، ومنعت بعض السكان من الوصول إلى أراضيهم الزراعية. كما شقت طرقاً عسكرية جديدة وربطت عدداً من مواقعها داخل الأراضي السورية بشبكة الطرق التابعة لها في الجولان المحتل.
وامتدت التحركات الإسرائيلية جنوباً باتجاه حوض اليرموك وريف درعا الغربي، وشمالاً باتجاه سفوح جبل الشيخ وريف دمشق الجنوبي الغربي. ولم يكن الانتشار ثابتاً بالدرجة نفسها في جميع المناطق، ففي حين تحولت بعض المواقع إلى نقاط عسكرية شبه دائمة، بقيت مناطق أخرى نطاقاً للدوريات والتوغلات المحدودة والمداهمات المتكررة.
ويكشف هذا النمط عن مستويات متعددة من الوجود الإسرائيلي. المستوى الأول هو السيطرة المباشرة على مواقع استراتيجية، خصوصاً في جبل الشيخ والمنطقة الفاصلة. ويتمثل المستوى الثاني في إنشاء نطاق أمني تتحرك فيه الدوريات الإسرائيلية بانتظام. أما المستوى الثالث، فيشمل مناطق أبعد تنفذ فيها القوات الإسرائيلية عمليات مؤقتة أو غارات عند الاشتباه بوجود أسلحة أو مجموعات مسلحة.
ولا تتوافر خريطة معلنة ونهائية تحدد حدود الانتشار الإسرائيلي الجديد، وهو ما يجعل تقدير المساحة الخاضعة لسيطرته أو لنشاطه العسكري أمراً صعباً. ويبدو أن هذا الغموض يخدم السياسة الإسرائيلية، إذ يسمح بتوسيع نطاق العمليات أو تقليصه بحسب التطورات، من دون إعلان ضم مناطق جديدة أو تحديد خط ثابت يمكن مساءلة إسرائيل عنه دولياً.
وفي موازاة الانتشار البري، استمرت الغارات الجوية الإسرائيلية على مواقع عسكرية داخل سوريا. وقد استهدفت هذه الغارات مخازن أسلحة ومطارات ومراكز رادار ومواقع للجيش السوري، ولم تنحصر في الجنوب. وأسهمت في تدمير نسبة كبيرة من القدرات العسكرية التي بقيت بعد سقوط النظام السابق، ما قلّص قدرة السلطة الجديدة على إعادة بناء قوة عسكرية قادرة على فرض سيطرتها الكاملة أو تشكيل تهديد مستقبلي لإسرائيل.
ثانياً- الأهداف الإسرائيلية من التوسع في الجنوب:
تطرح إسرائيل وجودها في الجنوب باعتباره ضرورة دفاعية تهدف إلى منع ظهور تهديدات جديدة بالقرب من الجولان. غير أن حجم التحركات واستمرارها يكشفان عن مجموعة أوسع من الأهداف العسكرية والسياسية.
يتمثل الهدف الأول في توسيع العمق الأمني المحيط بالجولان المحتل. فبدلاً من الاكتفاء بخط وقف إطلاق النار والمنطقة الفاصلة التي تراقبها الأمم المتحدة، تسعى إسرائيل إلى إبعاد أي قوات سورية أو مجموعات مسلحة إلى مسافة أكبر عن مواقعها. ويمنحها الوجود داخل الأراضي السورية القدرة على اكتشاف التحركات مبكراً والتدخل قبل وصول أي تهديد محتمل إلى حدود الجولان.
أما الهدف الثاني، فهو الاحتفاظ بالمواقع المرتفعة في جبل الشيخ. وتتيح هذه المواقع مراقبة مساحات واسعة واعتراض الاتصالات وجمع المعلومات، فضلاً عن أهميتها في مراقبة طرق الحركة بين جنوب سوريا ولبنان. ولذلك قد يكون جبل الشيخ من أكثر الملفات تعقيداً في أي مفاوضات تتعلق بالانسحاب، نظراً إلى القيمة العسكرية والاستخباراتية التي اكتسبتها إسرائيل من السيطرة عليه.
ويرتبط الهدف الثالث بمنع إعادة بناء القدرات العسكرية السورية. فقد استهدفت الغارات الإسرائيلية منظومات الدفاع الجوي والمطارات ومستودعات الصواريخ ومراكز الأبحاث ومواقع عسكرية متعددة. ويشير ذلك إلى أن إسرائيل لا تركز فقط على خطر الجماعات المرتبطة بإيران أو حزب الله، بل تسعى أيضاً إلى ضمان بقاء الدولة السورية نفسها عاجزة عن امتلاك قدرات عسكرية يمكن أن تغير ميزان القوى مستقبلاً.
ويظهر هدف رابع في المطالبة بجعل الجنوب السوري منطقة منزوعة السلاح أو محدودة التسليح. ولا يقتصر هذا المطلب على المنطقة الفاصلة التي حددها اتفاق عام 1974، بل يشمل، وفق الطروحات الإسرائيلية، نطاقاً أوسع داخل محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء. وإذا أصبح هذا المطلب جزءاً من اتفاق دائم، فإنه سيقيد قدرة الدولة السورية على نشر قواتها داخل أراضيها، وسيمنح إسرائيل دوراً مباشراً في تحديد طبيعة الوجود العسكري السوري في الجنوب.
وبذلك تجمع السياسة الإسرائيلية بين أهداف أمنية مباشرة وأهداف استراتيجية بعيدة المدى: حماية الجولان المحتل، ومنع عودة النفوذ الإيراني، وإضعاف القدرات العسكرية السورية، وتوسيع المنطقة الآمنة، وامتلاك أوراق ميدانية يمكن استخدامها في أي مفاوضات مقبلة مع دمشق.
ثالثاً- المفاوضات ومستقبل الوجود الإسرائيلي:
إلى جانب العمليات العسكرية، بدأت اتصالات غير مباشرة ثم لقاءات أمنية بين ممثلين عن سلطة الأمر الواقع في دمشق وحكومة الاحتلال الإسرائيلي بوساطة أمريكية ودولية. وتركزت المباحثات على خفض التصعيد، وإعادة تفعيل اتفاق فصل القوات لعام 1974، ومنع الاحتكاك العسكري، ووضع ترتيبات أمنية في الجنوب.
طالبت “السلطة”، وفق المواقف المعلنة، بانسحاب إسرائيل إلى المواقع التي كانت فيها قبل الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، وتؤكد أن اتفاق عام 1974 ما يزال الإطار القانوني المنظم للحدود. في المقابل، تربط إسرائيل أي انسحاب بالحصول على ضمانات أمنية تشمل إبعاد القوات والسلاح الثقيل عن الجنوب، ومنع وجود جماعات مسلحة مرتبطة بإيران أو حزب الله، ووضع قيود على انتشار الجيش السوري.
غير أن المفاوضات لم تؤدِ حتى الآن إلى أي اتفاق استراتيجي، حيث تسعى إسرائيل إلى البناء على الوقائع التي فرضتها بعد سقوط النظام، وتحويل جزء منها إلى ترتيبات أمنية معترف بها.
يمكن في ضوء ذلك تحديد ثلاث مسارات محتملة، يقوم المسار الأول على التوصل إلى اتفاق يعيد تفعيل ترتيبات عام 1974، وينص على انسحاب إسرائيل من المواقع التي دخلتها بعد سقوط النظام، مقابل ضمانات أمنية وآليات مراقبة دولية أكثر فاعلية. ويتطلب هذا المسار ضغطاً أمريكياً ودولياً على الطرفين.
أما المسار الثاني، فيتمثل في اتفاق أمني جديد لا يعيد الوضع السابق بالكامل، بل يمنح إسرائيل ضمانات أوسع، ويقر منطقة محدودة التسليح تمتد إلى عمق أكبر داخل سوريا، مع انسحاب جزئي للقوات الإسرائيلية وبقائها في بعض المواقع الاستراتيجية. وقد يشمل ذلك ترتيبات خاصة بجبل الشيخ أو آليات تسمح لإسرائيل بالتدخل عند ظهور تهديدات محددة.
ويقوم المسار الثالث على استمرار الوضع الراهن من دون اتفاق: بقاء قوات الاحتلال الإسرائيلي في مواقعها، واستمرار الدوريات والتوغلات والغارات، بالتوازي مع مفاوضات متقطعة لا تصل إلى نتيجة نهائية. ويتيح هذا المسار لإسرائيل تثبيت وجودها تدريجياً، لكنه يبقي الجنوب ساحة قابلة للتصعيد، ويزيد الضغوط على السكان المحليين.