رأي

إسلاميو سوريا و”إسرائيل”… القدس في الخطاب والسلطة في الحساب

حسام ميرو

في الوقت الذي كانت فيه قوات “ردع العدوان” تتقدم نحو دمشق، خارجة من إمارتها في إدلب، كانت دولة الاحتلال الإسرائيلي تقصف ما تبقى من ذخائر وأسلحة ومركبات وطائرات الجيش السوري، لتقضي على ما تبقى من مقومات مادية للمؤسسة العسكرية، بعد أن كانت تلك المقومات قد أنهكت إلى حدّ كبير خلال سنوات الحرب السورية، وقد استهلك قسم كبير منها، وتهالك قسم آخر من دون أن يخضع لإصلاح أو تجديد، وبقي قسم، أصرّت قوات الجو الإسرائيلية على تدميره، لضمان أن تكون الحصيلة صفر مقومات عسكرية، وهو ما استكملته جماعة “السلطة” بحلّ الجيش، أي الاستغناء عن عدد كبير من الخبرات الوطنية، وتعين مقاتلين أجانب في مناصب عليا أو سوريين بلا أي كفاءات عسكرية، ممن يمكن إطلاق لقب الأمية العسكرية عليهم من دون أن تحمل هذه الصفة أي مبالغة، عدا عن كون بعضهم أمي بكل معنى الكلمة.

في نوفمبر/ تشرين الثاني 2014، أي قبل وصول “هيئة تحرير الشام” إلى الحكم،  كان أبو محمد الجولاني يصف الفصائل السورية المتعاونة مع التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن بالعمالة، ويفتح باب “التوبة” أمام خصومه لقطع علاقاتهم بالمخابرات الخارجية،  وفي يناير/ كانون الثاني 2026، أعلنت سلطة الأمر الواقع التي يقودها، بالاشتراك مع إسرائيل والولايات المتحدة، الاتفاق على إنشاء آلية اتصال تشمل التنسيق الاستخباري والدبلوماسي والفرص التجارية، تحت إشراف أمريكي، وبين الموقفين، تجاوز التحوّل تبديل الاسم والملابس ولغة المخاطبة، فقد تغيّر المعيار الذي تُمنح به الوطنية للآخرين أو تُسحب منهم، فما كان سبباً لتخوين الخصوم أصبح، حين انتقلت الجماعة إلى الحكم، مجالاً متاحاً لسياستها.

تختصر هذه المفارقة جانباً أساسياً من العلاقة بين إسلاميي سوريا وإسرائيل، والمقصود هنا، تحديداً، تجربة الجولاني و”هيئة تحرير الشام” وصولاً إلى السلطة، فالمشكلة تتعلق بحق هذه القيادة في فرض خطابها على السوريين ثم إعفاء نفسها من مقتضياته، وفي استثمار قضايا كبرى، من بينها فلسطين، لتعبئة الأنصار قبل أن تعيد ترتيب موقعها وفق حاجتها إلى القبول الخارجي، لذلك فإن مساءلة التحوّل تقتضي النظر إلى وظيفة الخطاب القديم، وإلى المصالح التي تنظم السياسة الجديدة.

في تسجيل سابق، أعيد نشره بكثافة، يوم انهارت سلطة الأسد، تحدث الجولاني عن الوصول إلى دمشق ثم القدس، وعلى الرغم من أن تاريخ التسجيل الأصلي لا يتضح من المصدر، فإن دلالته السياسية واضحة، فقد كانت القدس تُقدَّم امتداداً للانتصار في سوريا، وتُستدعى مكانتها لمنح مشروع الجماعة أفقاً يتجاوز الاستيلاء على الحكم، أي أن تلك الاستعارة كانت مهمتها تقديم القائد/ الجولاني إلى مقاتليه بوصفه صاحب مهمة تاريخية، تنكر لها العرب وحكامهم، ويطلب إلى المقاتلين الثقة به والتضحية على هذا الأساس.

وتظهر شعبوية الخطاب الذي استخدمه الجولاني، كيف استخدم ضخامة الغاية “الوصول إلى القدس” للتعمية عن سؤال موازين القوى بين بلد مدمر ومنهك وبين دولة احتلال، تعد واحدة من القوى المتفوقة عسكرياً ليس في الشرق الأوسط فحسب، بل في العالم، وهي جزء من تحالف عضوي تاريخي مع أمريكا، أكبر قوة عسكرية إمبراطورية في العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

بعد الوصول إلى دمشق، حضرت حسابات القدرة سريعاً لدى أحمد الشرع وفريقه،  ففي الرابع عشر من كانون الأول/ديسمبر 2024، قال الشرع إن إنهاك سوريا لا يسمح بمواجهات جديدة، وإن الأولوية لإعادة الإعمار والاستقرار والحلول الدبلوماسية، مع اتهامه إسرائيل باستخدام ذرائع غير صحيحة لتبرير اعتداءاتها، وهذا تقدير لا يصعب فهمه في بلد أنهكته الحرب، لكن قبوله لا يمحو مسؤولية صاحبه عن الخطاب الذي سبقه، أو تقديم تنازلات على حساب السيادة السورية، خصوصاً أنه وفق الإعلان الدستوري هو رئيس مرحلة انتقالية، لا تمتلك حقّ تقديم مثل تلك التنازلات.

ينتمي سياق المفارقة بين خطابات الجولاني وتصريحاته ضد أمريكا وحكام الخليج والاحتلال الإسرائيلي قبل الوصول إلى الحكم وبين ممارسته الفعلية بعد الوصول إلى الحكم، ينتمي هذا السياق إلى سياق أعم وأشمل، هو سياق الخطاب الإسلامي السوري في تخوين تجربة البعث في الحكم تجاه الاحتلال الإسرائيلي للجولان، فقد كان الإسلام السياسي السوري، بصيغته الإخوانية قد سوّق لعقود بأن حافظ الأسد باع الجولان لإسرائيل، وأنه بعد حرب تشرين التحريرية، ومعاهدة فض الاشتباك في عام 1974، لم يطلق الجيش السوري أي طلقة باتجاه الاحتلال الإسرائيلي، وقد تحولت هذه السردية في سنوات الحرب السورية إلى لازمة يكررها قادة فصائل وسياسيين إسلاميين من الإخوان والسلفيين على حدّ سواء، بما يوحي بأنهم إذا وصلوا إلى الحكم فسيقومون من اليوم الأول بإعلان العداء لإسرائيل، والتذكير فوراً بأن الجولان أرض محتلة، وسيعملون على بناء جيش وطني قادر على القيام بهذه المهمة.

لكن ما أن وصلت “هيئة تحرير الشام”، وأصبح “الجولاني” أحمد الشرع، وقد عين نفسه رئيساً انتقالياً للبلاد، حتى بدأ موسم الغزل مع الاحتلال الإسرائيلي، في سعي لم ينقطع لكسب ودّه، إما عبر التفاوض المباشر، حيث عقدت لقاءات عديدة بين وفود من “السلطة” مع وفود أمنية لدولة الاحتلال، كان أولها في أذربيجان، في 12 يوليو/ تموز 2025، أي قبل يوم واحد من المجزرة التي ارتكبتها قوات تابعة لـ “السلطة” بحق المدنيين العزل في السويداء.

ومع سعي “السلطة” إلى تأسيس جيشها، بخلطة فصائلية تقوم على التجميع، وبما تمتلكه تلك الفصائل من عتاد ينفع لحرب العصابات وليس لجيش نظامي، فإنها بدلاً من العمل على بناء جيش وطني احترافي، تكون له مهام دفاعية واضحة، تجاه الأطماع الخارجية، إلا أنها آثرت أن تستكمل نهجها الفصائلي، عبر ارتكاب مجازر ضد أبناء الطائفتين العلوية والدرزية، راح ضحيتها آلاف المدنيين، مع انتهاك لكرامة السكان، خصوصاً النساء وكبار السن.

في الأثناء، كانت قوات الاحتلال الإسرائيلي تقوم بشكل حثيث بتثبيت وجودها في الجولان المحتل وريف درعا وصولاً إلى كيلومترات قليلة من العاصمة دمشق، ولا تزال قوات الاحتلال، وبشكل مستمر، تقوم بتأكيد تواجدها في تلك المناطق من خلال عمليات متنوعة، بما فيها عمليات استفزاز للسكان المحليين، من خلال تجريف الأراضي وقطع الأشجار المثمرة، واعتقال الشبان، ومداهمة البيوت، وهي مطمئنة كامل الاطمئنان بأن “السلطة” في دمشق لن تحرّك ساكناً تجاه ما يجري، وكأنما ما تقوم به قوات الاحتلال من ممارسات استفزازية، يتضمن في أحد أهدافه الأساسية، تذكير “السلطة” بضعفها، بل وعدم قدرتها عن الإفصاح عن جوهر وبنود الاتفاقية التي أوصلتها إلى سدّة الحكم في دمشق.

مؤخراً، وفي سياق حملات الترويج الانتخابي، أعلن نتنياهو في واحدة من الاجتماعات مع الناخبين بأنه تحدث إلى “الشرع” في مكالمة قصيرة، بعد أن قصفت قوات الاحتلال الإسرائيلي مبنى وزارة الدفاع السورية، واستهداف محيط القصر الرئاسي، طالباً من “الشرع” سحب قواته التي كانت تهاجم محافظة السويداء، وهو ما استجاب له الأخير، بحسب نتنياهو، وأتى هذا الإعلان لكسب ود الناخبين الدروز في إسرائيل، لكنه أيضاً يفصح عن طبيعة العلاقة القائمة بين دولة الاحتلال الإسرائيلي وسلطة الأمر الواقع في دمشق. 

لقد تلاعب إسلاميو سوريا، من إخوان وسلفيين، بالسردية الوطنية السورية، فحين تكرر “السلطة” الحالية في كل مناسبة سعيها للسلام مع إسرائيل، وهي تعلم تماماً بأنها لا تمتلك أي موازين قوى تدفع دولة الاحتلال إلى هذا السلام، فهي تتجاهل كيف كان الإسلاميين يطعنون في تجربة البعث في محافظته على اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، لعلمه بخلل موازين القوى، وغياب الظروف الموضوعية، ثم يعودون إلى استخدام النبرة ذاتها، لكن هذه المرة من موقع الضعف، ومن موقع الاستجداء، ومن موقع الخاضع لأوامر المشغلين الدوليين الذين أوصلوه إلى الحكم.

كم مرة، وفي كم خطاب، وفي كم تظاهرة أقامها الإسلاميون خارج سوريا، كانوا يتهمون فيها سلطة الأسد بالعمالة لأمريكا، ثم ما أن وصلوا برضا أمريكي، وبتصريح ترامب بأنه هو من عين “الشرع”، ثم أقاموا احتفالات عديدة مع كل شطب لهم من قوائم العقوبات الأمريكية، أو الاحتفاء ببخة عطر ترامب كأنها فتح مظفر، ليتضح فعلياً أنهم مستعدون لتقديم أية تنازلات لمصلحة أمريكا وإسرائيل مقابل البقاء في السلطة، أما الحديث عن القدس فهو من مقتضيات تحفيز الأتباع و”ادعاء العفة” مقابل الحكام العملاء والخونة، وهو الوصف الذي أطلقه الجولاني على الحكام العرب وحكام الخليج خصوصاً في برنامج “بلا حدود” مع الإعلامي أحمد منصور في عام 2015.

إن ما هو جيد في هذا الانكشاف بين المزاعم الأيديولوجية للإسلام السياسي السوري وبين حقيقتهم السياسية، هو أنه يُسقط سريعاً مصداقيتهم التي تهاوت سريعاً في طريقة إدارة الحكم والفساد وسرقة موارد الدولة، والآن ملف العلاقة بين سوريا وشعبها وبين دولة الاحتلال الإسرائيلي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق