“السلطة” ومسار تكريس نقص السيادة الوطنية

عمر المختار ونوس
إذا كانت جميع الدول الخارجة من حروب داخلية تواجه معضلة استعادة السيادة الوطنية، ولا توجد استثناءات في هذا الأمر، نظراً لأن الحروب الداخلية الطويلة، تكون قد فتحت موضوعياً، الباب أمام تدخلات الخارج، والتي تحولت مع الوقت إلى فاعل رئيسي في المشهد السياسي والعسكري، لكن مدى نجاح أي دولة في استعادة سيادتها الوطنية يتوقف على الخيارات التي تتخذها هذه الدولة أو تلك، فإما أن تبني مساراً يُفضي إلى استعادة السيادة أو تسهم خياراتها في تكريس نقص السيادة الوطنية.
تُعرَّف السيادة الوطنية بأنها السلطة العليا للدولة على إقليمها، واستقلالها في إدارة شؤونها الداخلية والخارجية، مع التزامها بقواعد القانون الدولي، وفي المفهوم الديمقراطي للدولة الدستورية، يكون الشعب مصدر السلطات، وصاحب الحقّ في اختيار ممثليه ومساءلتهم وتغييرهم عبر آليات دستورية ديمقراطية. ومن هنا، لا يكفي أن تدّعي السلطة تمثيل الشعب حتى تكتسب شرعية حكمه، بل ينبغي النظر في مصدر تفويضها، ومدى ضمانها مشاركة المواطنين، على قدم المساواة ومن دون إقصاء أو تمييز، في تقرير مستقبل الدولة وتحديد نظامها السياسي وأسس إدارة مؤسساتها ومواردها.
إن تفحّص خطوات “السلطة” الحالية منذ وصولها للحكم وإلى اليوم في تعاطيها مع مسألة السيادة الوطنية، من شأنه أن يوضح مدى وعيها بخطورة هذه المسألة، أو يكشف عن النقيض، أي نقص الوعي بهذه الضرورة، ولأن تعاطي “السلطة” مع مقتضيات استعادة السيادة الوطنية هو الاختبار الحقيقي لها، والحقل الأكثر شمولاً لفهم طبيعة وبنية وشكل هذه السلطة التي احتكمت للقوة العسكرية المفرطة منذ لحظة تأسيسها، سواء كفصائل إسلامية جهادية سلفية، أو عند وصولها لرأس السلطة بقيادة “هيئة تحرير الشام” وتنصيب أحمد الشرع رئيساً لها بـ “مؤتمر النصر” في 29 يناير / كانون الثاني 2025، الذي يعد أولى خطوات هذه السلطة في خرق وتبديد وتشويه مفهوم السيادة الوطنية، فالشرعية المستمدة فقط من إجماع 18 فصيل عسكري إسلامي تختلف بدرجة تشددها الديني، لا تشكّل إجماعاً وطنياً سواءً على شكل السلطة “المؤقتة” أو على تسمية الشرع رئيساً “شرعياً” لها، كما أن تلك الفصائل لا يمكن لها ادعاء تمثيل عموم السوريين بمختلف توجهاتهم.
كما أن الإعلان الدستوري الصادر في 13 مارس / آذار 2025، والذي جمع كل السلطات بيد “الرئيس الانتقالي” ومنحه سلطات مطلقة حتى بشار الأسد نفسه لم يكن يمتلكها دستورياً ولو شكلياً، قد شكل حجر الزاوية الأساس في الانتقاص من مفهوم السيادة الوطنية، فالسلطة المطلقة إضافة لكونها فساد مطلق، تعدّ في الحالة السورية تبعية مطلقة لمشغل دولي أو عدة مشغلين بآن واحد، فالإجماع الدولي على ضرورة رحيل الأسد، هو نفسه الإجماع الذي أوجد هذه السلطة، التي بدورها وعبر 23 شهراً من وجودها سعت لاسترضاء كل المشغلين الدوليين، الأمريكي والإسرائيلي والأوروبي والتركي والروسي والخليجي، عبر السعي لكسب اعترافهم وأخذ الشرعية منهم، وتحقيق مصالحهم المتناقضة فيما بينهم على حساب الجغرافيا السورية والسوريين بشكل عام.
تركز سلطة الأمر الواقع بدمشق اليوم في خطابها السياسي على المفهوم التقليدي لسيادة السلطة المركزية، فمن حيث وحدة الأراضي السورية يبرز تباين كبير بين الخطاب الرسمي للسلطة والواقع الميداني والسياسي على الأرض، فمفهوم وحدة الأراضي السورية لدى سلطة دمشق، يُعتبر وسيلة لتبرير تجاهل التعدد القومي والديني والسياسي، ومحاولة لفرض التجانس القسري على المجتمع، من دون الأخذ بعين الاعتبار أن الوحدة الحقيقية تُبنى على الثقة المتبادلة والاعتراف بالتنوع الثقافي والديني والقومي والسياسي كرافعة للتكامل الوطني، وليس كأداة للإقصاء أو محو الخصوصيات، وإن هذا الفهم لدى السلطة أدى بها لارتكاب مجزرتين بحق العلويين والدروز، كما أدى لصدام دموي مباشر مع الأكراد انتهى بتوقيع اتفاق هش قابل للانهيار عند أول منعطف، كونه اتفاق ناجم عن توافق مصالح المشغلين الدوليين للسلطة وقسد، وليس اتفاقاً نابعاً من رغبة ذاتية أو حاجة موضوعية.
كما أن ادعاء السلطة بأنها جاءت نتيجة لتضحيات السوريين خلال سنوات الثورة، وأنها تمثل رغبة جميع السوريين في الحرية، هو ادعاء باطل جملةً وتفصيلاً، فلا يمكن لطروحات وشعارات الحرية والعدالة والديمقراطية والمواطنة والتشاركية والمساواة، أن تلتقي في جوهرها مع شعارات وأهداف ومرجعيات فصائل جهادية قائمة على الاقصاء والتفرد، ولا ترى من الشعب السوري سوى ما يوافق عقليتها التكفيرية، فالسلطة التي تناولت مفهوم السيادة الوطنية من منطلق تمثيلها للأكثرية الدينية والعددية، وبمعزل عن التنوع الديني والعرقي والسياسي، ومن دون الأخذ بالشرعية الشعبية الديمقراطية، تكون قد أفرغت المفهوم من جوهره الحقيقي، فقوة الدولة لا تكون باحتكار السلاح، وإنما في قدرة مؤسساتها على تمثيل إرادة جميع المواطنين من دون النظر إلى انتماءاتهم الدينية والطائفية والعشائرية، وضمان حقهم بالمشاركة الفاعلة في صناعة القرار وتشكيل مستقبل البلاد.
إن افتقاد هذه السلطة للشرعية الشعبية الديمقراطية، جعلها تستجدي اعترافاً دولياً بشرعيتها وقانونيتها في المحافل الدولية، ورغم حصولها النسبي على الشرعية الدولية، إلاّ أنها مازلت تسعى إليها عبر تقديم الكثير من التنازلات لصالح القوى الدولية، وعلى رأسها تركيا وإسرائيل، فمن جهة تعتبر هذه السلطة الابن المدلل لتركيا، ومن جهة أخرى فقد اصطدمت مصالح تركيا مع مصالح إسرائيل في سوريا، وعلى الرغم من محاولة السلطة إلى إيجاد صيغة تفاهم مع الجانب الإسرائيلي برعاية أمريكية، إلاّ أن النفوذ التركي في سوريا ومخاوف الإسرائيليين من توسيع هذا النفوذ أدى، لعدم الوصول لأي نوع من التفاهمات مع الإسرائيليين، فإسرائيل لا ترغب باستبدال الوجود الإيراني على حدودها الشمالية الشرقية، بوجود تركي يهدد أمنها القومي، كما أن تحوّل شكل الوجود العسكري التركي في سوريا ما بعد 8/12/2024، من توغلات ميدانية إلى ترتيبات أمنية وشراكة مؤسسية واستقرار ميداني وتثبيت مواقع عسكرية في شمال سوريا، حيث يمتلك الجيش التركي اليوم نحو 126 موقعاً عسكرياً بينها 12 قاعدة ثابتة و114 نقطة مراقبة، هذا التحول أدى لاستنفار إسرائيلي تجلى بقصف مطار أبو الظهور يوم 18 أغسطس / آب 2026، وكان بمثابة رسالة إسرائيلية لتركيا بعدم السماح باستخدام المطار كقاعدة عسكرية أو السماح بانتشار قوات تركية في سوريا، كما أن القصف الذي طال مبنى هيئة الأركان العامة ومحيط قصر الشعب بدمشق يوم 16 يوليو / تموز 2025 كان بمثابة تحذير شديد اللهجة لسلطة دمشق ومن خلفها تركيا، بعدم استخدام الجنوب السوري كورقة ضغط على إسرائيل.
كما أن إسرائيل لم تكتفِ بالقيام بتوغلات عسكرية ضمن الأراضي السورية جنوباً، بلغ عددها حسب المرصد السوري لحقوق الانسان 1149 توغلاً منذ 8/12/2024، بل عمدت إلى احتلال بعض النقاط العسكرية كقمة جبل الشيخ من الجانب السوري والمنطقة منزوعة السلاح، وإقامة نقاط وحواجز عسكرية امتدت لريف دمشق الجنوبي الغربي بمسافة تبعد عن مركز مدينة دمشق 15 كم.
إن هذا الوضع الميداني في الجنوب والشمال السوري يضع مفهوم السيادة الوطنية لدى هذه السلطة موضع شك، فلا يمكن لأي سلطة السكوت عن انتهاك واحتلال أراضيها، في الوقت الذي ترسل فيه مقاتلين مرتزقة إلى اليمن وليبيا وغيرها، إلاّ إذا كانت تسعى فقط لتقديم أي تنازل يضمن لها البقاء في السلطة، وإن كان هذا التنازل على حساب الجغرافيا والهوية والوطنية السورية.
إن الشرعية الشعبية الديمقراطية الداخلية هي المعيار الأول للسيادة، وغياب هذا المعيار يحوّل السلطة إلى أداة لخدمة مصالح نخبوية ضيقة من داخلها، ويُضعف شعور الانتماء الوطني، ويزيد من تعرض الدولة للضغوط الخارجية، مهدداً بذلك الاستقرار والعدالة بين أبناء الوطن الواحد.