صحيفة حَدْس

القطاع الصحي السوري: تشريح الهشاشة البنيوية بين معاناة المواطن واختبار الدولة

(حدْس) – هيئة التحرير: 

يشعر المواطن السوري اليوم بأن المستشفى لم تعد مكاناً لتلقي العلاج، وإنما مساحة لمضاعفة قلقه الموجود أصلاً بحكم عوامل اقتصادية ومعيشية عديدة، إذ لا يعرف المواطن إذا كان الطبيب الاختصاصي متوفر، أو الأدوية المطلوبة موجودة، أو الأجهزة التي قد يحتاج إليها تعمل، وهل يمتلك من المال ما يكفي لتأمين ما سيطلب منه من احتياجات؟ 

لقد اعتاد السوريون لعقود على نظام صحي قائم على مبدأ المجانية، مستمدّ من النموذج الذي صاغه نيكولاي سيماشكو في ظل الاتحاد السوفيتي، حيث تتكفل الدولة نظرياً بالعلاج من الألف إلى الياء. غير أن هذا الوعد تآكل تدريجياً، حتى بات المواطن يدفع الجزء الأكبر من كلفة نجاته بنفسه، بينما أصبحت “المجانية” عنواناً على الورق.

في بلدٍ استنزفته الحرب، وتآكلت فيه المؤسسات، لم يسلم القطاع الصحي من الانهيار الجزئي: مستشفيات تعمل بنصف طاقتها، وكوادر تهاجر، وإنفاق عام محدود، وصناعة دوائية تتراجع. لكن خلف كل رقم من هذه الأرقام توجد حكاية خاصة:  مريض يؤجل الجراحة، أم تبحث عن حاضنة لطفلها، طبيب يفكر بالهجرة، أسرة تبيع ما تملك لتؤمن ثمن العلاج. 

إن قراءة الواقع الصحي هي أحد المداخل الرئيسية الكبرى، ، لمعرفة قدرة الدولة على حماية مواطنيها وتأمين احتياجاتهم الأساسية، فالعلاج أحد معايير الكرامة الإنسانية للمواطن، وبالتالي، فالقطاع الصحي ليس مجرد قطاع تقني، وإنما هو صورة الدولة نفسها، وامتحان يومي للعقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم. 

ومن هنا، فإن تحليل القدرة التشغيلية، والقوى العاملة، والإنفاق العام، والإدارة، لا يهدف إلى تعداد الأعطال فحسب، بل إلى فهم ما إذا كان النظام الصحي السوري يقف عند حافة الانكشاف… أم عند بداية فرصة لإعادة البناء.

أولاً- اقدرة التشغيلية:

 تشير بيانات نظام HeRAMS  للفترة ما بين كانون الأول لعام 2025 وكانون الثاني من عام 2026 إلى أن حوالي 57% فقط من المستشفيات العامة تعمل بكامل طاقتها، بينما تكون بقية المستشفيات إما خارج الخدمة كلياً أو جزئياً، وهذا ما يعكس العجز في القدرة التشغيلية للبنة الأساسية القطاع الصحي، والتي تأثرت بسبب السنوات الدامية السابقة التي عاشتها البلاد، حيث استعمل العديد من المستشفيات كمراكز ونقاط عسكرية أساسية في الاشتباكات، يضاف إليها إهمال الصيانات الدورية، والغياب الكلي لتطوير البنى التحتية أو إنشاء مراكز طبية جديدة. 

للأسف لا يوجد إحصاء دقيق لنسبة الأسرة المتاحة لكل نسمة، لكن تشير التقديرات إلى وجود حوالي 1.4 – 1.5 لكل 1000 نسمة، ورغم أن الإحصاءات الورقية قد تشير إلى عدد أسرة أكبر إلا أن منظمة الصحة العالمية تؤكد على أنّ فقط ما بين 50-57% من هذه الأسرة العامة فعّالة على ارض الواقع، وهذا ما يطيح بسوريا إلى ما دون المتوسط العالمي البالغ 2.7-3 سرير لكل الف نسمة، وذلك بغض النظر عن الفجوة الكبيرة ما بين الطلب الكبير وتوافر أسرة العنايات المشددة أو الحواضن، والتي تعتبر مسائل حياة أو موت للعديد من الأرواح. 

أما حال المستوصفات والمراكز الصحية فليس الأفضل، حيث لا يتجاوز عدد المراكز العاملة 37%، وأما ما تبقى فيقتصر دورها على تقديم بعض الخدمات الطبية البسيطة، مثل تقديم بعض اللقاحات -إن توفرت، وإجراء بعض الفحوصات السريرية الأولية المتعلقة برعاية الاسرة، مع غياب البرامج والحملات التوعوية والتثقفية والتي تعتبر في صميم مسؤولياتها. 

لا يمكن أن نغفل النفص والصعوبات التي يعاني منها قطاع الصناعات الدوائية والمستلزمات الطبية، حيث كانت تغطي شركات الدواء المحلية حوالي 90% في أحسن التقديرات من احتياجات السوق المحلية، فيما تراجع دورها على تغطية جزئية في الوقت الراهن. كانت شركات مثل السعد وبركات أو يونيفارما او ألفا رائدة في التصنيع والتصدير، في حين نقلت بعض هذه الشركات نشاطاها إلى دول مثل الإمارات ومصر والأردن، أو اقتصر جلّ عملها في الوقت الراهن على الاستيراد والتجميع والتعبئة. 

ثانياً- القوى العاملة: 

في عام 2011 كان هناك ما يقارب 30 ألف طبيب مسجل نقابياً في كامل الدولة بينما ينخفض الرقم حالياً لما يقارب 15 ألف، بمعدل انخفاض نظري يقارب 50%، وربما يكون الرقم أقل من ذلك على ارض الواقع لوجود العديد من الأطباء المنظمين نقابياً لكن من دون تواجد على تراب الدولة. ويلقي هذا العجز في القوى العاملة بظله على كامل العاملين بالقطاع الصحي من ممرضين وفنيين ومستخدمين أو حتى معالجين فيزيائيين وخبراء التغذية. وهذا ما انعكس على متوسط العمر المتوقع والذي انخفض من 76 عاماً إلى ما يقارب 70-72 عام (وذلك بعد الهبوط إلى 55 عام في ذروة سنوات الصراع).

وهذا ما يجعل سوريا في اسفل قائمة حدّ الكرامة الصحية، كما تشير التقديرات الدولية إلى معدل كثافة طبية منخفض يقارب 1.2 طبيب لكل 1000 نسمة وهو بعيد جداً عن المتوسط العالمي المقارب لطبيبين لكل 1000 نسمة، وأقرب إلى عتبة الأمان الصحي الحرجة والتي تعادل 1 طبيب لكل 1000 نسمة، وهذه التقديرات تعتبر من الأسوء حتى ما بين دول الجوار مثل لبنان 2.1 طبيب لكل 1000 نسمة، أو الأردن 2.3 طبيب لكل 1000 نسمة.

يمكن اعتبار هجرة الأطباء والممرضين واحدة من أكثر العوامل فتكاً على النظام الصحي في سوريا، ففي ألمانيا وحدها يوجد حوالي 7 آلاف طبيب عامل مسجل من حملة الجنسية السورية غير المجنسين، وقد يرتفع إلى ما يقارب 15 ألف إلى 17 ألف بين أطباء بشريين واسنان وصيادلة من أصول سورية من مجنسين أو غير مجنسين، والعدد في تزايد دائم ونزيف الخبرات مازال مستمر،  خ في صوصاً مع تردي الأحوال المادية وسوء مناخ ممارسة المهنة في سوريا. 

ومن الجدير بالذكر أن بعض الاختصاصات تعاني من عجز أكثر من غيرها، وفي مقدمتها اختصاصات مثل التخدير والعناية المشددة، وطب الطوارئ، والأشعة، وجراحة الأعصاب وطب الأورام. 

ثالثاً- الإنفاق العام: 

يقدّر الإنفاق الحكومي بناءً على ميزانية 2026 ما يقارب 35-40 دولار للفرد سنوياً، وهو بعيد بعد الشمس عن الأرض فيما يتعلق بالمتوسط العالمي، والذي يتراوح ما بين 1000 إلى  1300 دولار،  بينما يعتبر مجال الإنفاق الصحي ما بين 86-100 دولار للفرد سنوياً الحد الأدنى الضروري لتأمين حزم الرعاية الصحية الأساسية من لقاحات ورعاية الأسرة أو حالات الطوارئ. وهذا ما ينعكس على المواطن بشكل مباشر، فمن خلال حسبة بسيطة سيحتاج لتغطية حوالي 70-80% من تكاليف علاجه حتى يصل إلى الحد الأدنى الذي يحقق الأمان الصحي للإنسان وهذا ما يمكن تسميته بالإنفاق الكارثي مقابل الحياة والصحة. وعند المقارنة مع دول الجوار مثل لبنان 72 دولار للفرد، بحسب تقديرات عام 2025،  أو الأردن 95 دولار للفرد، أو حوالي 7200 دولار للفرد في دولة مثل المانيا، وذلك حسب نموذج بسمارك لنظام التأمين الصحي. 

يخيم شبح الإنفاق العام على رواتب العاملين بالقطاع الصحي، والذي لا يغطي أكثر من 10-15% (ما بين 750 الف – 1.2 مليون ل.س شهرياً) من الاحتياجات الأساسية، ما يضطر الأطباء، وخصوصاً الشباب،  إلى العمل في عدة عيادات، أو الإكثار من المناوبات في المستشفيات الخاصة، أو حتى اللجوء لأي عمل طبي مدرّ للدخل، وذلك من أجل النجاة في محطة انتظار قطار الهجرة. 

رابعاً- الإدارة: 

بعيداً عن ذكر الفساد الإداري، وعدم وجود أنظمة تحكم إدارية فعالة، يمكن القول إن النظام الصحي السوري مبني وفق نظام سيماشكو Semaszko الذي وُلد في الاتحاد السيوفيتي لأبويه الشيوعية والاشتراكية من اجل تقديم الخدمات المجانية الطبية لكل المواطنين من دون مقابل، ولكن يمكن اعتبار النظام في الوقت الراهن أقرب ما يمكن الدفع المباشر Out of pocket model  فحتى لو توافر المستشفى والطبيب وغرفة العمليات مجاناً، لكنك ستحتاج لشراء السفافيد والمفاصل والبراغي والطعوم وبعض الاختبارات التي يجب إجراؤها في مختبرات خاصة، أو حتى الأدوية من الصيدليات المجاورة، من دون ذكر التغذية الوريدية والبدائل الاصطناعية للأطراف أو أدوية السرطان. 

يوجد بعض شركات التأمين الصحي الخاصة في سوريا، لكن المتعاملين معها ليسوا بكثر، وذلك لمحدودية فعاليتها، فهذه الشركات هي من ستتحكم كيف ومتى وأين سيتم تطبيق العلاج والمباشرة به، بالإضافة لعزوف الأطباء للتعاقد مع هذه الشركات، وذلك بسبب سوء التعاملات المالية وبطء دورة عملها، ما يجعلها غير فعالة بالنسبة لأغلب الأطباء الاختصاصيين، إضافة لعدم تغطية جميع الإجراءات الطبية بشكل كامل. 

خامساً- القطاع الصحي السوري بين الحقيقة المرّة والجنة المنشودة:

بعيداً عن اليوتوبيا والمثالية ومحاكاة النماذج العالمية للدول المتقدمة، والتي تم بناؤها على مدى عقود بخطوات ثابتة وحثيثة، بالكثير من العناية والدراسة عن طريق جميع البيانات ومعالجة المعلومات والإحصاءات. 

يمكن القول أن الحالة السورية فريدة بخصائصها، ولكنها ليست وحيدة من نوعها، وضمن هذا السياق يمكن ذكر أحد التجارب المثيرة للجدل والتي تتشارك مع الحالة السورية في كثير من خصائصها، آلا وهي النظام الصحي الكوبي خلال ذروة بروز الحقبة الشيوعية في حقبة السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، والتي صنعت جيشاً من أصحاب المآزر البيضاء ومصنعاً يصدر الخبرات لكل دول أفريقيا وأمريكا اللاتينية، وجعل من كوبا مزاراً للسياحة الطبية لزعماء وشخصيات العالم الشيوعي آنذاك من بقصد الاستشفاء والطبابة، ما وضع كوبا على خارطة العالم من الناحية الطبية بمعدل يتجاوز 6.7 طبيب لكل الف نسمة، وهو الأعلى عالمياً في وقتها، ومستوى أقل من 7 وفيات لكل 1000 مولود، ورفع متسوط الاعمار ليتجاوز 76 عاماً. 

وعلى الرغم من جنة الأرقام الإحصائية إلا أن التجربة الكوبية لم تستمر بالنجاح،  خصوصاً بعد أن طفت الكثير من المشكلات على السطح، وعلى رأسها عدم قدرة تأمين الرفاهية الصحية المنشودة، ناهيك عن تراجع النفوذ الشيوعي، لكن يمكن ضرب المثل بها، كشكل من أشكال النجاح الممكن في حقل زراعة بذور نظام صحي ناجح رغم صعوبة المناخ.

سادساً- الاستنتاجات الاستراتيجية

1. المؤشرات المتعلقة بنسبة المستشفيات العاملة، وعدد الأسرة الفعّالة، وكثافة الأطباء، لا تعكس مجرد ضعف خدمات، بل تشير إلى هشاشة بنيوية تجعل النظام غير قادر على امتصاص الصدمات. أي أزمة وبائية أو كارثة متوسطة الحجم قد تؤدي إلى انهيارات موضعية سريعة، ما يعني أن الاستقرار الصحي لم يعد مضموناً حتى في الظروف “الطبيعية”.

2.  لم تعد هجرة الأطباء والممرضين ظاهرة مؤقتة مرتبطة بسنوات النزاع، بل أصبحت مساراً مستقراً يعيد توزيع الكفاءات السورية خارج البلاد. الأخطر ليس النقص العددي فحسب، بل فقدان الاختصاصات الدقيقة والمدرّبين القادرين على إنتاج أجيال جديدة، ما يهدد استدامة النظام على المدى المتوسط والبعيد.

3.  النظام الصحي ما زال يُعرَّف رسمياً كنظام مجاني ذي جذور تعود إلى نموذج نيكولاي سيماشكو في الاتحاد السوفيتي، لكنه عملياً أقرب إلى نموذج الدفع المباشر (Out-of-pocket). هذا الانفصام يولّد عبئاً كارثياً على الأسر، ويقوّض الثقة بين المواطن والمؤسسة الصحية، ويخلق سوقاً موازية غير منظمة للخدمات.

4.  فقدان القدرة على تغطية الجزء الأكبر من الاحتياجات الدوائية محلياً يضع الأمن الصحي الوطني في موقع هش، ويجعل البلاد رهينة للتقلبات النقدية وسلاسل التوريد الخارجية. إعادة بناء الصناعة الدوائية هو ضرورة سيادية. 

5.  ضعف الإدارة، غياب الأنظمة الرقابية الفعالة، وتقييد استقلالية النقابات والمؤسسات، كلها عوامل تضاعف أثر محدودية التمويل. الموارد القليلة يمكن إدارتها بكفاءة نسبية، لكن غياب الحوكمة الرشيدة يجعل أي زيادة في الإنفاق عرضة للهدر وضعف الفعالية.

6.  لا يمكن الاستمرار في تحميل المواطن ما يقارب ثلاثة أرباع تكاليف علاجه. إما الانتقال إلى نظام تأمين وطني تدريجي شامل، أو الإقرار الصريح بنموذج سوقي منظم بقواعد واضحة. المنطقة الرمادية الحالية غير قابلة للاستدامة اجتماعياً أو سياسياً.

7.  تُظهر تجربة كوبا أن الاستثمار المكثف في التعليم الطبي قادر على تحسين المؤشرات بسرعة، لكن الاستدامة تتطلب قاعدة اقتصادية قوية ونظاماً سياسياً قادراً على التطور. الدرس لسوريا ليس في استنساخ النموذج، بل في فهم أن الإرادة السياسية وحدها لا تكفي من دون إصلاح اقتصادي شامل.

8.  إذا أُعيد تنظيمه ضمن رؤية واضحة، يمكن للقطاع الصحي أن يتحول إلى محرك نمو عبر تطوير الصناعة الدوائية، وجذب تحويلات الكفاءات في الخارج، وتنشيط السياحة العلاجية، وخلق وظائف عالية القيمة. 

9.  في المحصلة، لا تعكس أزمة القطاع الصحي مشكلة خدمية فحسب، بل تمثل اختباراً لقدرة الدولة السورية على التحول من إدارة أزمات مزمنة إلى بناء نموذج رعاية مستدام. 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق