الطفولة في سوريا: جيل الحرب والانعكاسات الاجتماعية والنفسية وخطورة التهميش

إيمان أحمد ونوس
منذ أكثر من عقد ونصف، يعيش أطفال سوريا وضعاً كارثياً ومريراً بسبب سنوات النزاع والحرب التي لا زالت آثارها وتبعاتها من تهجير وتشرّد ونزوح وتجنيد تعتقلهم وسط زنازين من الظواهر اللاإنسانية التي حذّرت منها كل الهيئات والاتفاقيات الدولية، لاسيما معاهدة حقوق الطفل. وعليه، فقد انتعشت وتفاقمت العديد من تلك الظواهر السلبية أو القاتلة للأطفال.
أولاً- تسوّل الأطفال:
وسّعت الحرب السورية من انتشار هذه الظاهرة، وعممتها بشكل غير مسبوق في أرجاء مختلف المدن، وخصوصاً العاصمة دمشق، بعد أن فقد قسم كبير من الأطفال الأب المعيل، جراء الحرب، أو نتيجة المشكلات الأسرية التي تفاقمت بفعل الحرب نفسها، حيث تفككت الكثير من الأسر تحت ضغوطات الواقع السياسي والعسكري والاقتصادي، وحالات النزوح الداخلي، وخسارة الممتلكات.
هذه الطاهرة هي الأسوأ من بين أشكال عمالة الأطفال، باعتبارها قائمة على التشرّد في الشوارع ومدّ اليد مجاناً مقابل لقمة خبز أو بضع ليرات، ما يترك الطفل في مواجهة سلوكيات لم يتوقعها، مثل العنف وغيره بما يخلّفه من آثار قاسية على شخصية الطفل ونفسيته الهشّة القابلة لامتصاص كل ما تمرُّ به من سلوكيات وأفعال مقابلة من الآخر، مثل التحرش والسرقة والدعارة، لاسيما للطفلات الصغيرات، خاصة في ظلّ تشتّت الأسرة وبقاء الطفل وحيداً يواجه مصيراً مجهولاً.
ثانياً- عمالة الأطفال:
تأتي عمالة الأطفال كأخطر الظواهر والمشكلات المستعصية التي فرضتها الحرب. فهناك المئات من الأطفال الذين هجروا مدارسهم ليلتحقوا بسوق العمل مبكراً للبقاء على قيد الحياة لا أكثر، بسبب تشتت شمل الأسرة أو موت أحد الأبوين وزواج الآخر، أو عدم قدرة هذا الآخر-وغالباً ما تكون الأم- على تلبية احتياجات الأسرة بمفردها. وهنا يوضع الطفل في أجواء وأعمال غالباً لا تناسب عمره وتكوينه النفسي والقيمي. ولقد حذّرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) من تفاقم ظاهرة عمالة الأطفال السوريين التي بلغت مستويات خطيرة، إذ يُساهم الأطفال في دخل الأسرة وبشكل شبه أساسي لدى 75% من العائلات. وهذا ما يتعارض وبشدّة مع اتفاقية حقوق الطفل والإعلان العالمي لحقوق الطفل اللذين أكّدا ضرورة السعي لحماية الطفل من الاستغلال الاقتصادي، ومن أداء أي عمل يُرجّح أن يُشكّل خطراً أو يُمثّل إعاقة لتعليمه، أو ضرراً بصحته أو بنموه البدني أو العقلي أو الروحي أو المعنوي أو الاجتماعي، وأوجبت الاتفاقية على الدول الأطراف فيها اتخاذ التدابير التشريعية والإدارية والاجتماعية والتربوية التي تكفل هذه الحماية تجنباً للتداعيات الناشئة عنها والتي تؤدي إلى العديد من الأمراض الاجتماعية والجسدية والنفسية المتمثّلة في:
- الغرق طويلاً في أميّة تتسبّب في تخلّفهم وتمترس الفقر في حياتهم نتيجة هجرهم لمدارسهم والتحاقهم بالعمل باكراً بحكم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية لأسرهم.
- انخفاض، وربما انعدام التطور المعرفي للطفل الذي يترك المدرسة ويتوجّه للعمل، إذ إن تطوره العلمي يتأثر ويؤدي إلى انخفاض قدراته على القراءة، الكتابة، والحساب، إضافة إلى أن إبداعه يقلّ، وفي هذا مؤشّر خطير على مدى التخلف العلمي والاجتماعي والثقافي الذي سيلحق بالمجتمع القادم.
- انعدام التقدير والاحترام للذات وكذلك للآخرين لدى أولئك الأطفال، إضافة إلى تلاشي إحساسهم بالارتباط بالعائلة نتيجة انخراطهم في العمل لوقت طويل، وربما النوم في مكان العمل وتعرّضهم للعنف من قبل صاحب العمل أو من قبل زملائهم.
- انعدام الشعور بالانتماء للجماعة، وتقلّص القدرة على مساعدة الآخرين، إضافة إلى تنامي روح العدوانية لديهم، لاسيما أولئك الذين يتمّ تجنيدهم للقتال، مما يؤدي إلى الابتعاد كلياً عن القيم الأخلاقية والعاطفية، وعدم القدرة على التمييز ما بين الخطأ والصواب.
ثالثاً- تجنيد الأطفال وإشراكهم في الحرب:
نشأت خلال الحرب السورية الكثير من الحالات الفصائلية، التي اعتمدت على تجنيد الأطفال للقتال، خصوصاً أن الكثير من المناطق التي دارت فيها عمليات عسكرية، تحوّلت عملياً إلى مناطق حرب، توقف الأطفال فيها عن الذهاب إلى المدارس، وخضعوا عملياً لعملية استثمار في العمليات القتالية، وتعرضوا بالتالي إلى كل معاني العنف والقسوة والكراهية، وهي معاني مناقضة جذرياً للطفولة، بوصفها حالة أقرب إلى النقاء والعفوية، ومن مآلات هذا الوضع، دفع جيل كامل ممن أخضعوا لعمليات التجنيد لتمثل سلوكيات عدوانية، ناهيك عن إمكانية تحول قسم منهم إلى عالم الجريمة المنظمة، لذا حثّت اتفاقية حقوق الطفل على ضرورة احترام قواعد القانون الإنساني الدولي فيما يتعلق بالأطفال خلال الحروب، حيث جاء في المادتين /38- 39/ منها ما يلي:
- تتعهد الدول الأطراف بأن تحترم قواعد القانون الإنساني الدولي المنطبقة عليها في المنازعات المسلحة وذات الصلة بالطفل وأن تضمن احترام هذه القواعد.
- تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير الممكنة عملياً، لكي تضمن ألا يشترك الأشخاص الذين لم يبلغ سنهم خمس عشرة سنة اشتراكاً مباشراً في الحرب.
- تمتنع الدول الأطراف عن تجنيد أي شخص لم تبلغ سنه خمس عشرة سنة في قواتها المسلحة. وعند التجنيد من بين الأشخاص الذين بلغت سنهم خمس عشرة سنة ولكنها لم تبلغ ثماني عشرة سنة، يجب على الدول الأطراف أن تسعى لإعطاء الأولوية لمن هم أكبر سناً.
- تتخذ الدول الأطراف، وفقا لالتزاماتها بمقتضى القانون الإنساني الدولي بحماية السكان المدنيين في المنازعات المسلحة، جميع التدابير الممكنة عملياً لكي تضمن حماية ورعاية الأطفال المتأثرين بنزاع مسلح.
- تتخذ الدول الأطراف كل التدابير المناسبة لتشجيع التأهيل البدني والنفسي وإعادة الاندماج الاجتماعي للطفل الذي يقع ضحية أي شكل من أشكال الإهمال أو الاستغلال أو الإساءة، أو التعذيب أو أي شكل آخر من أشكال المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، أو المنازعات المسلحة. ويجرى هذا التأهيل وإعادة الاندماج هذه في بيئة تعزز صحة الطفل، واحترامه لذاته، وكرامته.
لا شكّ أن مجمل هذه الظواهر وغيرها من تلك التي انتعشت على الساحة السورية خلال سنوات الحرب وحتى اليوم، تعود لأسباب تتعلق بالحرب ذاتها وما خلفته من تهجير ونزوح وموت، بالإضافة إلى تنامي مستويات الفقر بشكل غير مسبوق دفع بأولئك الأطفال إلى مختلف هذه المجاهل والظواهر التي أفقدتهم براءتهم وأبعدتهم عن أماكنهم الطبيعية في الأسرة والمجتمع، ليتحمّلوا مختلف الآثار اللاحقة.
رابعاً- الآثار بعيدة وقريبة المدى للحروب على الأطفال:
تترافق الحرب عادة مع سرديات اجتماعية وإعلامية تتعلق بالأطراف المنخرطة في الصراع، حيث يتحوّل الإعلام أو سردية الحرب إلى جزء لا يتجزأ من الحرب، وهو ما يترك أثراً مباشراً على نفسية الأطفال، وهو ما تحيله الأخصائية النفسية، د. داليا الشيمي، في بحث لها عن تأثير إعلام الحروب على الأطفال، إلى:
- ضعف إدراك الطفل لما يحدث، حيث أن مفاهيمه لم تتضمن بعد التضحية بالروح من أجل الوطن أو الدين.
- عدم امتلاك الطفل القدرة على التعبير عن خوفه وقلقه والرعب الذي يتملّكه سوى بالبكاء.
ويؤكّد المختصون في علم النفس أن أخطر آثار الحروب هو ما يظهر لاحقاً من مشكلات وعقد نفسية لدى أجيال كاملة من الأطفال يتوقف مدى خطورتها على مدى استيعاب الأهل وكيفية مساعدة الطفل على تجاوز المشاهد التي مرّت به.
هناك إجماع لدى المختصين بعلم نفس الطفل على وجود عدد من الانعكاسات الآنية للحرب على الأطفال، تتمثل في: سوء التغذية، والأمراض المتعددة، والتشرد، واليتم، والإرغام على ارتكاب أعمال العنف أو الاعتداءات الجنسية، والاضطراب في التربية والتعليم.
وقد تُصاحب هذه الحالات نوع من الفوبيا المزمنة من الأحداث أو الأشخاص أو الأشياء التي تَرافق وجودها مع وقوع الحدث مثل الجنود، وصفارات الإنذار، والأصوات المرتفعة، والطائرات. وفي بعض الأحيان يعبّر الطفل عن خوفه بالبكاء أو العنف أو الغضب والصراخ أو الانزواء في حالة من الاكتئاب الشديد، إلى جانب الأعراض المرضية مثل الصداع، المغص، صعوبة في التنفس، التقيؤ، التبول اللاإرادي، انعدام الشهية للطعام، قلة النوم، الكوابيس، آلام وهمية في حال مشاهدته لأشخاص يتألمون أو يتعرضون للتعذيب، وفي حال مشاهدة الطفل لحالات وفاة مروّعة لأشخاص مقربين منه أو جثث مشوّهة، أو حالة عجز لدى مصادر القوة بالنسبة له مثل الأب والأم حيث يُصاب عندها بصدمة عصبية قد تؤثر على قدراته العقلية.
أما الآثار بعيدة المدى فغالباً ما تكون على صورة مشاعر يختزنها الطفل في لا وعيه تظهر أثناء اللعب أو الرسم، فنلاحظ أنه يرسم مشاهد مثل رسم أشخاص يتقاتلون أو يتعرضون للموت والإصابات، وأدوات عنيفة أو طائرات مقاتلة وقنابل ومنازل تحترق، أو مخيمات، ويميل بعض الأطفال إلى اللعب بالمسدسات واقتناء السيارات والطائرات الحربية، إضافة إلى مشاعر الطفل المفعمة بالعنف والكراهية والشك، أو اليأس والقلق المستمر، ومن تلك الآثار أيضاً:
- نوبات من الخوف والفزع.
- اختلاط المفاهيم بين الصح والخطأ، الحرب والسلام، الجار والعدو.
- فقدان السلام النفسي والتعرّض لصراعات نفسية داخلية وما ينشأ عنها من فقدان الثقة بالنفس.
- تقهقر فيما كان قد اكتُسِبَ بفعل النمو مثل الرجوع إلى التبول اللاإرادي، مص الأصابع، التلعثم وسواها من تشوّهات سلوكية.
- الالتصاق الدائم بالوالدين، أو المسؤولين عن رعايته.
- الانزواء وعدم الرغبة في التواصل.
- السلوك العدواني تجاه الأشخاص أو الأشياء أو حتى تجاه الذات.
- ضعف التركيز وتشتت الانتباه حيث الشرود فيما حدث ومحاولة فهمه.
- اضطراب علاقته بالسلطة وممثليها من الأسرة والمعلمين، ويظهر هذا الاضطراب إما في الانصياع الزائد خوفاً من العقاب وفقدان التواصل معهم الذي يؤمنه في الفترة الحالية، أو الرفض التّام تعبيراً عما يُعانيه داخلياً.
- تغيّر بعض القيم الاجتماعية عند الأطفال مثل قيمة الصدق والأمانة، والثقة بالنفس، وقيمة المبادئ والتعاون، وقيمة الإيثار والتضحية في سبيل الآخرين.
خامساً- الآثار المستقبلية:
إذا كانت المشكلة الرئيسية هي الحرب، فإن ما يلي الحرب من ظروف سياسية واجتماعية ومؤسساتية هو ما يلعب الدور الحاسم في تقليل آثارها المستقبلية، وفي الحالة السورية، فإن تجاوز آثار الحرب على الأطفال ليس أمراً معزولاً عن سياق التطورات التي ستحكم بناء الدولة، أو بناء المؤسسات، أو تحديد سلم الأولويات للقضايا التي تحتاج إلى معالجات علمية وطبية.
إن ما يزيد الوضع مأساوية في المجتمع السوري أن حجم الكوارث المتعددة، يدفع بضرورة معالجة الآثار النفسية للحرب على الأطفال إلى موقع هامشي، فهناك معضلات كبرى برزت خلال العام الماضي، منها معضلة بناء الدولة ونظامها السياسي وإعادة بناء النظام المؤسساتي، في الوقت الذي تعاني منه المؤسسات الطبية -على سبيل المثال لا الحصر- من حالة إهمال، ونقص كبير في الكوادر، وغياب الخطط الواضحة للتطوير، ونقص التمويل، فكيف الحال إذن مع القضايا المرتبطة بالآثار النفسية للحرب التي عانى منها جيل كامل من الأطفال.
سادساً- استنتاجات:
- أدّت الحرب السورية إلى تفكيك البنية الاجتماعية الحاضنة للطفل، ما ساهم في انتشار ظواهر خطيرة مثل التسوّل، وعمالة الأطفال، والتجنيد القسري.
- تحوّلت عمالة الأطفال من حالة استثنائية إلى ظاهرة شبه بنيوية، مرتبطة بشكل مباشر باستمرار الفقر وانهيار مصادر الدخل الأسري.
- أسهمت بيئة الحرب في إنتاج أنماط سلوكية ونفسية مضطربة لدى الأطفال، تتراوح بين الخوف المزمن، والعنف، والانطواء، وفقدان الثقة.
- يُعدّ حرمان الأطفال من التعليم أحد أخطر التداعيات، لما يحمله من آثار طويلة الأمد على مستوى التنمية البشرية وإعادة إنتاج الفقر والتخلّف.
- أدّى تجنيد الأطفال وإشراكهم في النزاعات المسلحة إلى تشويه منظومة القيم لديهم، وخلق قابلية أعلى للانخراط في العنف والجريمة مستقبلاً.
- تتجاوز آثار الحرب الجانب الآني لتترسّخ في اللاوعي الجمعي للأطفال، بما ينذر بظهور أزمات نفسية واجتماعية ممتدة عبر الأجيال.
- إن معالجة آثار الحرب على الأطفال لا يمكن فصلها عن مسار إعادة بناء الدولة ومؤسساتها، بل تمثّل جزءاً أساسياً من هذا المسار.
- استمرار تهميش قضايا الطفولة لصالح أولويات سياسية أخرى سيؤدي إلى إعادة إنتاج بيئة النزاع وعدم الاستقرار مستقبلاً.
