إنّي أتهم: المثقّف بيْن قسوة السّلطة وهشاشة المجتمع

محمّد حلّاق الجرف
مقدّمة
لمْ تعد مفردة الثّقافة ومفهوم المثقّف يحظيان بقيمة معيارية كبيرة في سياق ثورات الرّبيع العربي عموماً، وفي السّياق السّوري خصوصاً، وذلك نتيجة خذلان بعض المثقّفين لتاريخهم أولاً، ولتطلّعات الجماهير التي شاركت في الثورات ثانياً.
سنحاول في هذه الورقة، وبأسلوبٍ تأمّلي ربّما، إعادة الاعتبار لبعض المفاهيم كالثّقافة والسّياسة (بمعنى الاشتغال الحزبي اليومي) والإيديولوجيا والدّيمقراطية، وهي مفاهيم أصبح الحديث فيها يُعتبر ترفاً لا لزوم له لا بسبب كمية التّضحيات الهائلة التي قُدّمت في سبيل “انتصار” الثّورة السّورية وحسب، بلْ بسبب النزوع باتجاه خطاب شعبوي طغى في النهاية على كل ما يتعلّق بالثّورة السّورية، وهو نزوعٌ ساهم في إنتاج سردية “تطهّرية” اعتبرت أنّ كلّ نقد للثّورة، وللجماهير التي شاركت فيها، هو خيانة لقيم الثّورة. وبما أنّ النّقد لا يمكن أن يصدر إلّا عن مثقفين أخذوا مسافة نقدية من الثّورة، ونبّهوا مبكّراً إلى الأخطاء الكارثية التي يمكن أنْ تقع بها جماهير هذه الثّورة، فإنّ الثّقافة والمثقّفين أصبحوا “الشّماعة” التي علّق عليها صانعوا الفرجة معظم المآسي التي صاحبت الثّورة السّورية. وقد كان من الغريب لمعظم المتابعين أنّ منْ أسهم في هذا الخطاب الشّعبوي الجارف هم مثقفّون كانوا يمارسون دورهم كـ “مثقّفين نقديين” في الفترات التي سبقت قيام الربيع العربي. بلْ ويمكننا القول، وبقليل من الجرأة، أنّ إسهاماتهم كانت إرهاصات لا يُستهان بها أضاءت هذا الرّبيع قبل قيامه.
هذا عن دور جماهير المجتمع، وفاعليه، وحتّى مثقّفيه فيما وصلت إليه “مأساة المثقّف”، ولكنْ هذا لا يُنسينا بالطّبع الدّور الذي لعبته، وتلعبه، السّلطة في تدمير مفهوم الثّقافة، وبقية المفاهيم، عبر تدجينها وتكييفها لتساهم في إنتاج السّرديات التي تخدم هذه السّلطة، ونحن حين نقول السّلطة فإنّنا لا نقصد سلطة أمرٍ واقع بعينها. ففي سورية كان كلٌّ من نظام الأسد، وقوات سورية الدّيمقراطية في شمال البلاد، وهيئة تحرير الشّام في غربها سلطات أمر واقع، وبعد سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر/ كانون أول 2024، أصبح النّظام الجديد الذي يترأسه الرّئيس الانتقالي أحمد الشّرع سلطة أمر واقع، وكذلك أيضاً سلطة الحرس الوطني التي تتبع للشيخ حكمت الهجري في السّويداء.
في التّعريف، وفي خشية السّلطـ “ات” من التّعريف:
في 13 يناير/ كانون الثاني من العام 1898 نشر الرّوائي الفرنسي إميل زولا (1840-1902) رسالته الشّهيرة “إنّي أتهم” (J’accus)الموجّهة إلى فليكس فور رئيس الجمهورية الفرنسية وقتها. الرّسالة كانت تتهم القيادات السّياسية والعسكرية الفرنسية في محاولة فبركة الأدّلة ضدّ الضابط الفرنسي، ذو الأصول اليهودية، ألفرد دريفوس، الذي كان متّهماً بالخيانة العظمى لصالح الألمان، فيما عُرف وقتها بـ “قضية دريفوس”.
ما يهمنّا من هذه الحادثة التّاريخية أنّ المحافظين الفرنسيين المؤيدين لاتهام دريفوس، وعلى رأسهم القومي اليميني مورس باريز، ومن باب السّخرية والشّتيمة، أطلقوا على زولا ومن معه لقب “مثقّف” (Intellectuel)، فقد كان المحافظون يرون أن هؤلاء الأكاديميين والكتّاب يتدخلون في شؤون السّياسة والجيش التي لا يفقهون فيها، واعتبروا “المثقف” شخصاً يعيش في برج عاجي، منفصلاً عن الواقع، ويهدّد استقرار الدّولة بنقده الأعمى.
المفارقة أنّ زولا تبنّى تهمة المثقّف هذه وتحوّلت بفضله إلى “الالتزام” خالقاً بذلك التعريف الحديث للمثقّف بأنّه ليس فقط صاحب المعرفة الواسعة أو التخصّص الأكاديمي، بل هو “صاحب الموقف العمومي والأخلاقي”. فقبل هذه الحادثة كان المثقّفون يكتفون بإنتاجهم الأكاديمي داخل الجامعات والمجلّات المتخصّصة، ومع زولا أضحى المثقّف هو صاحب المعرفة المنخرط بالشّأن العام من زاوية أخلاقية.
في السّياق السّوري، وفي ظلّ الخطاب الشّعبوي تحديداً، لم يعد هذا التّعريف مرّحباً به. عادت “نغمة” الاتّهام لكل حسّ نقدي تجاه الثّورة يصدر عن المنشغلين بالشّأن العام، سواء أكانوا كتّاباً أو شعراء أو فنّانين أو أصحاب رأي صحفي، والغريب أنّ الأمر استشرى أكثر بعد سقوط نظام الأسد ونشوء سلطة جديدة مكانه. ذلك أنّ الجماهير المنفعلة والمُحرَّضة تريد ناشطاً لا مثقّفاً، وخطيباً لا ناقداً، وانحيازاً مطلقاً بدلاً من أصحاب الفكر المستقل. وكلّما حاول أحد المثقّفين إعادة الاعتبار لتعريف المثقّف ودوره وجد نفسه معزولاً ومتهماً.
تخشى السّلطـ “ات” في سوريا من هذا التّعريف الواضح للمثقّف على أنّه “صاحب المعرفة الواسعة المنشغل في الشّأن العام والقادر على اتخاذ موقف أخلاقي من قضايا المجتمع مع الحفاظ على مسافة نقدية من السّلطة والمجتمع معاً”. ذلك أنّ السلطة لا تخشى المثقّف فقط، بل تخشى تعريفه أيضاً لأنّ السّلطات في العموم -وعلى اختلافها في سوريا، قبل وبعد سقوط النّظام- تخشى اللّغة الدّقيقة الواضحة والبسيطة، وتخاف من قدرة المثقفين على توصيف طبيعتها وتفكيك بنيتها وكشف تناقضاتها، لأنّ التّعريف الواضح واللّغة المحدّدة تسحب من السّلطـ “ات” القدرة على التّمييع عبر صناعة الغموض وإنتاج الشّعارات والادعاء لاحتكار الحقيقة. إذْ أنّ كلّ سلطة تحاول جاهدةً تحويل المثّقف إلى مجرّد شاهد زور.
سنتابع التأكيد هنا على ما ورد في ورقتنا السّابقة، والتي كانت تحت عنوان “التعوّد على المشهد: الفرجة كحياة بديلة” على الآلية التي تتبعها سلطة دمشق في التّعامل مع المثقّفين، وهي آلية تعتمد على الإهمال أو الاحتواء. وكنّا قد أشرنا في حينه إلى أنّ الكثير من المثقّفين النّقديين السّوريين استجابوا، عن وعي أو بدونه، إلى ميكانيزم السّلطة فتحوّلوا من إنتاج الأسئلة، وهي برأينا الوظيفة الأساسية لأي مثقّف عمومي بالتعريف الذي نتفق معه، إلى تقديم التبريرات وإشاعتها. فذاب المثقفون إمّا في خطاب السّلطة أو في الخطاب الشّعبوي للجماهير التي -في العموم- تتفق مع أيْ سلطة. وعند هذه الذّروة فقد المثقّف وظيفته ليصبح مجرّد مؤدٍ إعلامي. ذلك أنّ المثقّف حين يتخلّى عن المسافة النّقدية التي تفصله عن موضوعه يضحي مجرّد كاتبٍ، أو ناشطٍ، أو إعلامي ولا يبقى مثقّفاً بالمعنى الأخلاقي للتّعريف.
برأينا إذاً أنّ المشكلة لا تكمن في “المثقّف الفرد” نفسه، بل في التّعريف الذي يرتضيه المثقّف لنفسه، وبالتّالي للمكان الذي يختار التّموضع فيه: هل هو في موقع المواجهة النّقدية للسّلطــ “ات”، بما فيها سلطة الجمهور بالطّبع، أم في موضع المسايرة، وفي أحيان كثيرة يعتقد بعض المثقّفين أنّ هذه المسايرة قد تُنتج “تغييراً من الدّاخل” يُجبر السّلطـ “ات” على الإصلاح.
تخشى السّلطة السّياسية من ربط الموقف النّقدي-السّياسي للمثقف بالموقف الأخلاقي منها، لأنّ المثقّف، فيما لو حافظ على حساسيته النّقدية فإنّه يستطيع “تعرية” لغة السّلطة وكشف تناقضات شعاراتها، ولذا فإنّ حرب السّلطات على المثقّف لا تكون عبر سجنه أو نفيه فقط، بل أيضاً في قدرة هذه السّلطات على تدجين المثقّف وتحويل الثّقافة والتّفكير إلى فعلٍ غير مرغوبٍ فيه. وهذا كلّه نتيجة لعمل لا يمكن تحميل وزره للسّلطة الحالية فقط، بل هو نتاج أكثر من ستة عقود من عمل ممنهج نجحت السّلطات المتعاقبة على سوريا عبره في تحويل المثقّف إلى بوق، والثّقافة إلى تهمة. وما فعلته السّلطة الحالية هي أنّها استثمرت فيه جيداً.
هشاشة المجتمع وغُربة المثقّف:
حتّى لا نغرق في جلد الذّات يجب علينا القول بأنّ أزمة المثقّف مع السّلطة ليست أزمةً محليّة من جهة، ومن جهة أخرى هي ليست بالمشكلة الطارئة. ففي العقود السّابقة، وخصوصاً إبّان حكم الأسدين، كان يًعاني المثقّف المعارض من خارج منظومة السّلطة من الرقابة والمنع والملاحقة، وللحقيقة، فإنّ “القبضة الأمنية” أصبحت أخفّ ثقلاً بكثير وهذا الأمر يُحسب للسّلطة الانتقالية الجديدة في دمشق. لكنّ ذلك لم يعني أنّ حرّية الرّأي والتّعبير قد اتسعت بسبب أنّ مجال الحرية الجديد ما زال، حتّى هذه اللّحظة، مجالٌ غير مقونن. اليوم أصبح المثقّف يواجه مشكلة من نوعٍ جديد، إذْ أنّ المجتمع نفسه يصبح، شيئاً فشيئاً، عدواً للمثقّف. فالمجتمع المنهك بالحروب والأزمات والانقسامات، والفضاء العام المُشبع بلغة الكراهية والتّمييز، وجد أفراده أنفسهم يبحثون عن أجوبة سريعة لأسئلة شديدة التعقيد، ولإشكالات تتطلّب قدراً كبيراً من التّشخيص والتّحليل. وللأسف، فقد استسهلت النّخب السّورية الإجابة عن هذه الأسئلة والإشكالات ممّا باعد بينها وبين الوظيفة الحقيقيّة للثّقافة.
لا يمكن لأحد اتّهام المختلف عنه بالـ “قصور الأخلاقي”، فالمثقّف الذي تنازل عن المسافة النّقدية بينه وبين السّلطـ “ات” قد يكون تنازل عنها بسبب ما يعتقد أنّه دوافع أخلاقية أيضاً، ففي الظّروف كالظّروف التي وجد السّوريون أنفسهم فيها بعد أربعة عشر عاماً من الحروب والانقسامات هي ظروف لا تساعد أبداً على إنتاج حسّ نقدي، ففي ظلّ الانهيارات الكبرى تُصبح العواطف أقوى من الحجّة، ولغة الانفعال أقوى من لغة القانون، والرّغبة بالانتقام ردّاً للاعتبار أكثر من السّيْر في مسارات العدالة الانتقالية، ويُصبح اليقين أقوى من الشّك، والانتماء الهُوياتي الضّيق على أسسٍ طائفية وإثنية أسهل من الدّعوة إلى السّلم الأهلي. هذه العوامل تُنتج بيئات هشّة مُنتجة بدورها لخطابٍ شعبوي يزدهر لأنّه يقدّم مرويات تقوم على مظلوميات متقابلة، مظلوميات تقوم على “نحن وهم”، أبطالاً وخونة بصيغ حقائق نهائية ضمن سرديات أحادية ومبسّطة لوضع شديد التّعقيد. هذه البيئات تعمل على تغريب المثقّف، فيصبح إما مُلحقاً بها سائراً ورائها وهو يبحث عن بقعة ضوء أو شهرة ما فيها، أو يبتعد عنها محاولاً إثارة الأسئلة في وجهها، فيصبح غريباً فيها ومعزولاً عنها. فهذه الهشاشة قد لا تعني السّقوط الأخلاقي أو التّخلي عن مبادئ عامّة بقدر ما تعني عدم القدرة على إنتاج المعرفة النّقدية.
لا بدّ هنا من التّأكيد على أنّ المسؤولية في غربة المثقّف لا يمكن ردّها إلى قسوة السّلطـ “ات” وهشاشة المجتمع فقط، بلْ يمكن تحميل المثقّف نفسه مسؤولية كبيرة فيها. فالكثير من المثقّفين شاركوا في إنتاج هذه الغربة عبر اللّغة المتعالية، أو الارتهان لخلفياتهم الإيديولوجية (ونحن هنا لا نُنكر حقّ المثقّف في التحزّب أو اعتناق أيديولوجية ما بقدر ما نؤكّد على دور المثقّف في الحفاظ على مسافة نقدية حتّى من حزبه أو إيديولوجيته)، وبرأينا، فإنّ المرض الأخطر الذي أصاب المثقّفين السّوريين هو انشغالهم بالصّراعات النخبوية فيما بينهم لدرجة بتنا نرى فيها اللّغة الشّعبوية الناتجة (والمنتجة) عن هذه الصّراعات تطغى على وسائل التّواصل الاجتماعي لمثقّفين مشهود لهم بتاريخهم وبتضحياتهم، لكنّ التّاريخ والتّضحيات ليست صكوك براءة.
هذه أمراض المثقّفين، ونحن نعلم أنّ موالي السّلطـ “ات”، أو ما بات يُعرف بـ “الذباب الالكتروني”، يستسهلون رمي المثقّف الذي ينتقد سلطتهم بها حتّى لو لم تكن حقيقية، وهي تلقى قبولاً من الشّارع بسبب شغف الشّارع نفسه باللّغة الاتهامية. لذا، فعندما يستخدم المثقّف لغة مختلفة يُصبح متعالياً، وعندما يرى التّناقضات التي يُفضّل الآخرون تجاهلها يُتهم بالتّنظير، وهكذا فإنّ المشكلة الحقيقية قدْ لا تبدو في المثقّف أو في المجتمع بقدر ما تبدو في غياب التشاركية، والتي يجب على السّلطة تشجيعها وتعزيزها، وفي غياب المساحات المشتركة التي تسمح بالحوار وبالتّفكير النّقدي. فإذا كانت السّلطـ “ات” قد سعت إلى تهميش المثقّف، أو تغريبه، أو تدجينه، فإنّ هشاشة المجتمع ساهمت وساعدتها في ذلك، وهكذا وجد المثقّف نفسه محاصراً ضمن ثلاثة قيود: قسوة السّلطـ “ات” التي لا تريد له أن يلعب دوراً نقدياً، وهشاشة المجتمع الذي لا يؤمن بهذا الدّور، وغربته التي اختارها بسبب عجزه وعدم قدرته على إنتاج المعرفة النّقدية. لنعيش من جديد في أزمة أعمق، أزمة التّعريف، ومعنى هذا التّعريف، والوظيفة النّاتجة عنه.
خاتمة: تأملات في إمكانية استعادة الدّور.
لقد وجد المثقّف السّوري نفسه محاصراً بيْن مطرقة السلطـ “ات” وسندان المجتمع. سلطـ “ات” تخشى الثّقافة ولا تريد للمثقّف أن يلعب دوراً حقيقياً وفقاً للتّعريف الذي يفرض عليه هذا الدّور الأخلاقي، ممّا فرض عليها السّعي الدّائم إلى تدجين الثّقافة وتسخيف النّقد، ومجتمعٍ مأزوم خرج لتوّه من حرب ضروس ما زالت ويلاتها تتكشّف يوماً بعد يوم، فتجده يميل دوماً إلى اليقينيات المطلقة والخطابات الشّعبوية، وهي خطابات في مجملها إقصائية وطائفية تعمل على وضع المتصّدي لها في خانة الفلول أو الانفصاليين، دون أي إدراك لهوية الفلول أو طبيعة الانفصاليين.
في هذا الحصار بين المطرقة والسّندان يجد المثقّف الحقيقي، وفقاً لتعريفنا للمثقّف الحقيقي، نفسه وسط أزمة عميقة هي ليست أزمة فرد أو سلطة أو مجتمع بقدر ما هي أزمة أعمق بكثير أصابت المجال العام نفسه.
ولكن: كيف السّبيل كي يستعيد المثقّف دوره ومكانته؟
برأينا، بدايةً بنفض الغبار عن نوستالجيا الصّورة، صورة المثقّف بوصفه قائداً أو معلّماً أو مرشداً للجماهير، فالعالم تغيّر كثيراً منذ قضية دريفوس، الأحزاب الكبرى تراجعت، والإيديولوجيات الشّاملة فقدت سحرها على الجماهير، والإعلام الرّقمي ووسائل التّواصل الاجتماعي غيّرا طبيعة التّلقي وتأثيره كذلك. لذا فالمشكلة في الأساس هي في عدم استيعاب النّخب المثقّفة السّورية لتغيّر الشّروط والعوامل التي كانت تمنح المثقّف صورته، وربّما صورته، الرّمزية.
فلاستعادة الدّور يجب على المثقّف أن يفكّ ارتهانه للسّلطـ “ات” وللجمهور معاً إذ أنّ الارتهان لأهواء الجماهير لا يقلّ خطراً عن الارتهان للقوى الفصائلية المتنفذة، ونعتقد أنّ الأمثلة على فشل هذا الارتهان، وكارثيته، أكثر من أن تُحصى سورياً.
بالإضافة إلى الاستقلالية عن السّلطة والجمهور، يجب أنْ يتخلّى المثقّف عن وهم امتلاك الحقيقة، فالحقيقة لا تأتي من العُزلة، والمسافة النّقدية من السّلطة والمجتمع لا تعني بالتأكيد العيش في عزلة. المعرفة وإنتاجها يأتيان من خلال التّواضع المعرفي، وإعادة التّفاعل مع النّاس، المادّة الحقيقية لأي دورٍ نقدي يمكن أن يلعبه المثقّف. وأخيراً، على المثقّف أن يشتبك. أنْ يمتلك الجرأة لخوض المعارك التي يخشى غيره ولوجها، وأنْ يُثير الأسئلة التي يستسهل الآخرين تجاهلها. المثقّف ليس واعظاً، المثقّف هو حارس القيم، قيم العدالة والحرّية والمواطنة، والذّاكرة كذلك.