ثقافة

التّعود على المشهد: الفرجة كحياةٍ بديلة

محمّد حلّاق الجرف

“لم نعد نفكّر، وقريباً لن نحبّ، ذلك أنّ الفكر والحبّ أصبحا قاتلين، كلّ منهما على طريقته”.

مقدّمة

تُعدّ التّحولات السّياسية الكبرى في حياة الشّعوب لحظاتٍ مفصلية، لا تقتصر على تغيير شخوص السّلطة، بلْ تمتدّ لتشمل إعادة صياغة آليات السّيطرة على المجال العام. وفي سوريا، ومع تاريخ 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 الذي مثّل لحظة سقوط نظام بشّار الأسد، لا يبدو أنّ التّحوّل اقتصر على نهاية بنية حكم سابقة، بقدر ما فتح المجال أمام شكلٍ مختلف من إدارة السّلطة، أكثر ليونة في الظاهر، وأكثر تعقيداً في آليات الاشتغال. إذْ شهدت السّاحة السّورية تحوّلاً بنيوياً في استراتيجية الحكم، حيث انتقلت السّلطة من أدوات القمْع المباشر والتّقليدي إلى استراتيجية أكثر تعقيداً وحداثة، استراتيجية ترتكز على الصّورة قبل الفكرة، والمشهد قبل النّقاش.

تستهدف هذه الورقة تفكيك هذه الظّاهرة التي يمكن تسميتها بـ “سوسيولوجيا الفرجة”، حيث لمْ يعد الإعلام مجرّد أداةٍ لنقل الخبر، بل أصبح وسيلة لإعادة صياغة العلاقة بين الواقع وتمثيله البصري. إنّ لجوء السّلطة الجديدة إلى استقطاب “المؤثّرين Influencers” على وسائل التواصل الاجتماعي ليكونوا واجهة المرحلة، يعكس خياراً سياسياً واعياً يهدف إلى تهميش دور المثقّف العضوي والفاعل السّياسي لصالح “الاستهلاك السريع للمحتوى”.

 في هذا السّياق، لم تعد الشّرعية السّياسية تُستمد من البرامج الدّستورية أو المؤسّساتية، بلْ أصبحت تُقاس بمدى القدرة على إدارة “الترند” وجذب المتابعين، ما يحوّل السّياسة من فعل تشاركي إلى “عرضٍ بصري” يُطلب من الجمهور مشاهدته والتعوّد عليه، لا فهمه أو المساءلة عنه.

تنطلق ورقتنا من فرضية مفادها أنّ السّلطة الجديدة نجحت في احتواء النّقد عبر عرضه، وامتصاص المعارضة عبر تحويلها إلى جزء من “الدّيكور الديمقراطي”. وبالاعتماد على أطروحات المفكّر الفرنسي غي ديبور Guy Debord (1928-1994) حول “مجتمع الاستعراض”، تسعى الورقة إلى الإجابة على تساؤلٍ جوهري: كيف يُساهم انخراط المثقّفين – بوعي أو بدونه – في هذا المشهد في تثبيت ميكانيزمات السّلطة التي يدعون معارضتها؟ وكيف يتحوّل النّقد، حين يتم داخل الأطر التي ترسمها السّلطة، إلى أداة لشرعنتها وتفريغ الفعل السّياسي من قدرته التّحريضية على التّغيير الحقيقي؟

ستحاول هذه الورقة البحثية رصد هذه التّحولات عبر تحليل استراتيجيات “تخدير المجتمع” التي استبدلت الحقوق بالمكرمات، والمواطنة بالتسامح المؤقت، والمشاركة بالفرجة، في محاولة لفهم طبيعة النظام السّياسي الناشئ في سوريا ما بعد سقوط النّظام.

نُنهي هذه المقدّمة عند فرضيٍة بسيطة لكنها غير محسومة: إنّ التحوّل الأهم في سوريا لا يكمن فقط في تغيّر شكل السّلطة، بل في قدرة هذه السّلطة على جعل نفسها قابلة للاستهلاك، قابلة للمشاهدة، وبالتالي قابلة للتعوّد وللدّيمومة. وهو ما يجعل سؤال السّياسة الحقيقي اليوم مرتبطاً، بشكلٍ أو بآخر، بنقد كيفية إنتاج هذا “التعوّد على المشهد”، وذلك في مواجهة سؤال السّلطة الذي يرتكز على إنتاج التعوّد أكثر من انشغاله في إنتاج الموقف منه.

مجتمع الاستعراض ووهم التّأثير:

ينطلقُ الإطار النّظري لهذه الورقة من أطروحة المفكّر الفرنسي “غي ديبور” (Guy Debord) حول مجتمع الاستعراض الذي أسّس له نظرياً في كتاب “مجتمع الاستعراض” الصادر عام ١٩٦٧، وهو تأمّل عميق في المجتمع المعاصر وعلاقته بوسائل الإعلام والثّقافة الجماهيرية والاغتراب الاجتماعي. في هذا الكتاب، يُحلّل ديبورد كيف حوّل الإعلام وثقافة الاستهلاك العلاقات الإنسانية إلى استعراض، حيث تُقدّر الصورة والمظهر أكثر من الجوهر. في هذا السّياق ما بعد الحداثي، يزداد المجتمع اغتراباً وانفصالاً عن الواقع، ليعيش في عالم من الصّور والأوهام. في هذا التأمّل، يدعونا ديبورد إلى إعادة التّفكير في قيمنا وأفعالنا، مُسائلاً دور الاستعراض في بناء هويتنا وتشكيل وعينا النّقدي. نجد تجليّات أطروحة “مجتمع الاستعراض” بوضوحٍ في الاستراتيجية السّورية الجديدة لإدارة المجال العام منذ ديسمبر 2024. ففي هذا الإطار، لا تُعرّف “الفرجة” بوصفها مجرّد تراكم للصّور أو الأدوات التّقنية، بلْ بوصفها “علاقة اجتماعية بين الأشخاص تتوسّطها الصّور”. إنّ جوهر الحالة السّورية الجديدة يكمن في تعويض “التّجربة السّياسية الحقيقية” بتمثيلها البصري. فالسّلطة لا تكتفي بالسّيطرة على الأرض أو المؤسّسات، بلْ تسعى للسّيطرة على “التّمثيل”، أي كيف يرى السّوريون واقعهم.

هنا، تتحوّل السّياسة إلى سلسلة من المشاهد المتلاحقة، حيثُ يحلّ “المشهد” بدلاً من “الفكرة”، وتُختزل الشّرعية السّياسية في عدد المتابعين والتّفاعلات اللّحظية. هذا التحوّل النّظري يُفسر لماذا فضّلت السّلطة “المؤثّر Influencer” على “المثّقف”، فالمؤثّر هو ابن المشهد، ومهمته إنتاج محتوىً استهلاكي مطمئن لا يُثير أسئلة أو إشكالياتٍ وجودية وحقوقية.  نحنُ إذاً أمام قضيةٍ نظرية بالغة الأهمية تتعلّق بـ “تبنّي السّلطة للنّقد”. فبحسب ديبور، فإنّ أخطر أشكال الهيمنة هي تلك التي لا تقمع صوت المعارض، بل تمنحه منصّة داخل “جهاز الفرجة” الخاصّ بها – ولعلّ هذا قدْ يكون أحد تفٍسيرات ارتفاع مؤشّر حريّة الرّأي في سوريا 34 نقطة بالنسبة لمنظّمة مراسلون بلا حدود – فعندما تفتح السّلطة مساحات للأصوات النّقدية في الإعلام من دون قوننةٍ حقيقيّةٍ لحرّية الرّأي، فإنّها تُحوّل النّقد منْ فعلٍ سياسيّ يهدف للتّغيير إلى “برنامج تلفزيوني” يمنحُ السّلطة مظهر الانفتاح.

في هذه الحالة، يُصبح النّقد أداةً لشرعنة النّظام بدلاً من تقويضه، لأنّ المعارضة تصبحُ هنا مجرّد “ديكورٍ ديمقراطي” يملأ الفراغ السّياسي من دون أنْ يُهدّد حقيقةً البُنية العميقة للسّلطة. تعتمد استراتيجية “الفرجة كحياة بديلة” على آلية نفسية واجتماعية هي “التّعود”. فالتّكرار الدّائم للمشاهد والصّور، وتحويل أخطاء المسؤولين إلى “ترندات” عابرة، يؤدي إلى استنزاف طاقة المجتمع في تفاعلات سطحية. نظرياً، يعمل هذا النّمط على “تفريغ الكلام من مضمونه”، فبدل أنْ يقود الخطأ إلى نقاشٍ حول المحاسبة أو السّياسات العامة، ينشغل الجمهور بجماليات الصّورة أو زلّات اللّسان. هذا المسار يحوّل المواطن من “فاعلٍ سياسي” يطالب بحقوقه المواطنية إلى “متفرّج” يعتاد على النّمط القائم، ممّا يُعيد إنتاج علاقة “السّلطة والرّعية” في قالب عصري وأنيق. إنّ لعبة السّلطة تتمحور حول عدم منح المثقّف، أو الفاعل السّياسي، سلطة حقيقية، بلْ مجرّد “صورة السّلطة”. هذا التّمييز النّظري جوهري لفهم لماذا ينساقُ بعض المثقّفين خلف هذا النّموذج، إذْ يتمّ إغراؤهم بوهمِ التّأثير عبر المنصّات الإعلامية، بينما في الحقيقة فإنّ أصواتهم قد جرى “ضبطها وتسليعها” ضمن ميكانزمات السّلطة نفسها. إنّ القبول بالكلام من دون “الحقّ في الكلام” (أيْ دون الضّمانات القانونية والدّستورية) هو جوهر السّقوط في فخّ “الفرجة”، حيثُ يصبح الحضور الفردي بَصرياً هو التعويض عن الغياب السّياسي الفعلي.

المثقّف الهاوي أمْ الانفلونسر المحترف؟

كان المفكّر الفرنسي ميشيل فوكو Michel Foucault (1926- 1984) يرى أنّ السّلطة تُنتج “الحقيقة” عبر خطابات محددة، وحقيقة الأمر أنّ السّلطة السّورية الجديدة اختارت “المؤثّر” (Influencer) ليكون الأداة التقنية لإنتاج هذه الحقيقة. فالمؤثّر، بخلاف المثقّف، لا يسعى إلى مساءلة البُنى العميقة للسّلطة لأنّه لا يمتلك المعرفة، أو بالأحرى، لا يمتلك إرادة المعرفة اللّازمة لذلك. إذْ أنّ مهمته تقوم على تقديم محتوىً سريعاً وقابلاً للاستهلاك، الأمر الذي يتوافق مع رغبة السلطة في إنتاج مجتمع مطمئن.

هذا التوجّه يسعى إلى إزاحة أصحاب الخبرة المعرفية والمثقّفين الذين يطرحون أسئلةً مربكة حول الدّستور والبرامج السّياسية إزاحةً متعمدّة. وهي هنا، أي السّلطة، لا تمنع المثقّف من الكلام، بلْ تسحب البساط من تحت قدميه لصالح المشهد الذي يُسيطر عليه المؤثّر، ما يجعل المعرفة العميقة تبدو “بضاعة كاسدة” في سوق التّفاعلات الآنية.

نُدرك أنّنا نستند إلى مفاهيم نظرية في تحليلنا لثنائية “السّلطة – المعرفة” التي اشتغل عليها فوكو أثناء دراستنا لعلاقة السّلطة – المثقّف. ولكنّ هذا التحليل لا يُمكن أنْ يكتمل – من وجهة نظرنا – بمعزل عن مفهومي “البيو- سياسية” و”أجهزة الهيمنة” اللّذين اقترحهما ميشيل فوكو.

تتجلّى براغماتية السّلطة الجديدة في سوريا في تحويل الأخطاء، والأزمات، وحتّى المجازر إلى “ترندات” بصرية. من منظور فوكوي، يمكن اعتبار هذه الترندات بمثابة صمّامات أمان تُدار بوعي لشغل الحيّز العام. فبدلاً منْ أنْ تتحوّل أخطاء عناصر السّلطة، بل وحتّى وزراءها، إلى شرارة لنقاش حول آليات المحاسبة، يتمّ اختزالها في “زلّات لسان” أو “أخطاء فردية” وصولاً حتّى إلى “كاراكتارات مضحكة” تخضع لقانون الاستهلاك البصري. هذا التّكتيك يحوّل النقاش من السّؤال الجوهري (ما الذي نحتاجه اليوم كسوريين؟) إلى السّؤال السطحي (كيف بدا هذا المسؤول؟)، إنّها عملية تجزئة للوعي تمنع تراكم المعرفة السّياسية، وتجعل الجمهور في حالة انتظارٍ دائمٍ للموجة القادمة، وهو ما أطلقت عليه هذه الورقة آليّة “التعوّد على المشهد”.

في هذا الفضاء المشحون بالصّور، يبرز التّساؤل حول دور المثقّف السّوري الذي انخرط في هذه الآلية. يرى المفكّر الفلسطيني الأمريكي إدوارد سعيد Edward Said (1935-2003) أنّ دور المثقف هو “قول الحقيقة للسّلطة” وأن يظلّ “هاوياً” بمعنى ألاّ يرتهنْ للمؤسّسة أو للربح. لكنّ الواقع الموصوف في هذه الورقة يُظهر تحوّل المثقّف إلى جزءٍ من ميكانزم السّلطة نفسه. لقد قبل المثقف دور “المحلّل الخبير” الذي يمنح السّلطة مظهر التّعدد والانفتاح، فيما يتم تسليع صوته وضبطه ضمن إطار السّلطة ذاتها. هذا الانخراط، سواء تم بدافع “وهم التأثير” أو “إغراء الظّهور”، وسواءً تمّ بوعي أم لا، فإنّه يُمثّل تخلّياً عنْ الدّور الأخلاقي للمثقّف كمنتجٍ للمعنى ومحرّكٍ للنّقاش العام حول الأولويات الدّستورية والحقوقية. فالمثقّف الذي يكتفي بالنّقد المسموح به من دون مطالبة بـ “قوننة” حرّية الرّأي كحقّ ثابتٍ لا كمكرمة، يُسهم – بحسب منطق سعيد – في تثبيت ميكانزم السّلطة بدل تغييره، وهو ذات الأمر الذي عانيناه من مثقفينا مع النّظام السّوري السّابق.

إنّ المرحلة الانتقالية في سوريا تُدارُ عبر إخراجٍ مستمرّ للمشهد – الصورة لا عبْر رؤيةٍ سياسية ناضجة، إذْ يتمّ استبدال القضايا الكبرى كالدّستور، وفصل السّلطات، والدّيمقراطية، والمواطنة المتساوية بنقاشاتٍ انطباعية حول الأداء. هذه الاستراتيجية – مهما بدت ناعمة وعصرية – هي في جوهرها إعادة إنتاجٍ لعلاقة “الرّاعي والرّعية” ولكنْ بأسلوبٍ بصري حديث، حيث يتم إقناع النّخبة والمجتمع بأن الدّيمقراطية المؤسّسية لا تصلح حالياً لمجتمعاتنا في الوقت الحاضر، وأنّ البديل المتاح هو هوامشٌ من الكلام المشروط برضا السّلطة وتسامحها.

علاوةً على ذلك، لم يقتصر التحوّل في الخطاب السّلطوي السّوري على الكلمة، بل شمل كذلك هندسة المكان الإعلامي، فأصبحت الأستوديوهات التلفزيونية السّورية الجديدة. أصبح لدينا برامج تفاعلية على غرار المحطّات العالمية الكبرى، كالجزيرة والـ France24 يتمّ فيها توزيع المقاعد وتوجيه الإضاءة لخلق مشهدٍ نقديّ لا لتحريض النّقاشات البنيوية، في عملية يُطلق عليها غي ديبور Mise-en-scène أو “إخراج المسرح” للاحتواء المشهدي. إذْ يوضع المثقّف في كادرٍ بصري يملأ الفراغ الخطابي مستندين إلى ديكوراتٍ حديثة، وتقنياتٍ عالية الجودة للصّورة كتعويضٍ عن رداءة السّياسات العامّة، الأمر الذي يولّد انطباعاً زائفاً بحداثة السّلطة وانفتاحها، وهو ما يُعزّز استراتيجية “الصّورة قبل الفكرة”.

 لمْ تعد سياسة السّلطة في سوريا تعتمد على الخطابات لإرعاب الجماهير كما في أيّام الأسدين، وهذا يُحسب لها، ولكنّها استعاضت عن ذلك بإعادة هندسة المجال العام بتقنيات إدارة الجماهير عبر مشهدية الصّورة وتوالي الترندات.

احتواء المثقّف: تراجيديا المثقّف اللّيبرالي

عملت السّلطات الإعلامية العربية، ومنذ بداية الرّبيع العربي في 2011، على احتواء “نجوم الحراك” عبر استضافتهم بشكلٍ دائمٍ على شاشاتها، وهو أمرٌ أدّى برأينا إلى تمييع دور “القيادات المجتمعية الثّورية”. الأمر الآن يبدو أكثر احترافيةً، بحكم سنوات الخبرة على الأقلّ!، واليوم أصبح سقوط المثقّف في فخّ النّرجسية الإعلامية أكثر سهولةً. لقد استهوى المثقّف الدّيمقراطي السّوري، أو أغلبهم لمنع التعميم، دور النّجم، سواء عبْر الشّاشات السّلطوية، أو عبرْ القنوات الخاصّة. يظنّ المثقّف، بسذاجة، أنّ الوقوف أمام الكاميرا ومنحه بضع دقائق من النّقد هو مساهمة في التّأثير والتّغيير، بينما الحقيقة تقول أنّه تحوّل إلى مادّة استهلاكية تجعله شريكاً في إبعاد الجماهير عن أسئلتها المصلحية من جهة، وفي شرعنة السّلطة، التي يُفترض أنّه على النّقيض منها، من جهة ثانية.

تًعاني سوريا من انتصار ثورتها!، ذلك أنّ مثقّفيها الليبراليون هرولوا مع السّلطة الحالية نحو تبرير “الدّيمقراطية المؤجّلة”، يتخلّى المثقّف عن واحدة من أكبر مطالب الثّورة السّورية في مقابل مكانٍ صغير في الضّوء. هذا ليس تفصيلاً صغيراً، هذه طامةٌ كبرى، لا يمكن لمثقّفٍ حداثي، يعرف أكثر من لغة، ويعيش في مدنٍ كوزموبوليتية، وينعم بفضائل الحداثة العالمية أنْ يتخلّى عن حقّ المواطنة والحقّ في الدّيمقراطية في مقابل “صدقة” غفرانٍ سلطوية.

إنّهم يبيعوننا وهم أنّنا “لا نستحقّ” أو أنّ “الوقت لم يحنْ بعدْ” وهما مقولتان أقرب إلى إيديولوجيا سلطة دمشق الفقهية منها إلى تفكير ومنطق مثقّفٍ ديمقراطي – ليبرالي. مقولتان مررتهما السّلطة بذكاء لتجعل من الاستبداد “الأنيق” قدراً مقبولاً للنخب السّورية. وهكذا، ساهم المثقّف اللّيبرالي والدّيمقراطي في منح السّلطة شرعيةً دوليةً ومحلية تحْت مسمّى التّعدّدية وحرّية الرّأي.

تكتمل التراجيديا عندما تتبنّى السّلطة النّقد، وعندما يقبل المثقّف السّير في لعبة السّلطة يُصبح مرتهناً لها، إذْ يبتعد عن الأسئلة التي تُغلق الباب في وجهه لأنّه فقد “إرادة المعرفة” ليملأ فراغاً خطابياً بكلامٍ يلعب دور صمّام الأمان بدل أن يكون تهديداً لبنية سلطة ارتكبت خلال أقلّ من عام مجزرتين طائفيتين، والكثير من المجازر الاقتصادية. 

يسقط المثقّف في الفخّ الذي حذّر منه غي ديبور، الفخّ الديبوري، عندما يحيد عن الرّغبة في التّغيير الحقيقي تحديداً بسبب أنّ السّلطة سمحت بالنّقد، إذْ تحوّل النّقد، وعلى خلاف تصوّر المثقّف المنخرط فيه، إلى أداةٍ لشرعنة السّلطة. في أثناء توهمه أنّ صوته مسموع، وأنّه قادرٌ على التّأثير، تقوم السّلطة بـ “تسليع المثقّف وضبطه” ليتحوّل الفعل النّقدي إلى مجرّد “برنامج تلفزيوني” أو “قناة يوتيوب”، ينتهي النّقد بانتهاء وقت الظّهور لتخرج السّلطة منتصرة بصفتها راعيةٍ للحوار المجتمعي.

يعيشُ المثقّف الدّيمقراطي السّوري في حالة اغتراب قصوى عندما يظنّ نفسه أنّه في قلب الحدث بينما هو مجرّد كومبارس في مسرحية “الفرجة” التي تُديرها السّلطة بذكاء، مستبدلاً “الموقف” ببريق “الظهور”.

فخّ الاستبداد الأنيق: الكيتش

كان الرّوائي التشيكي ميلان كونديرا أبرز من استخدم مفهوم “الكيتش kitsh” في روايته “خفّة الكائن الذي لا يُحتمل”، والكيتش في الأصل كلمة ألمانية تعني “الابتذال” وأصبحت تُستعمل كإشارة إلى الأدب والفنّ الهابطين، لكنّ كونديرا في روايته وظّفها كتسخيف لـ “حلْم الخلاص الجماعي”، وبذلك يأخذ الكيتش مكان “الأيديولوجيا”، فأصبح لدينا أنواع عدّة من الكيتش تقابل مختلف النّظريات الفلسفية والسّياسية، فهناك الكيتش الكاثوليكي، والشّيوعي، والقومي، والإسلامي، وحتّى الكيتش العلماني والكيتش النُّسوي. وبحسب النّاشطة اليسارية المصرية أروى صالح (1951-1997) فهوية الكيتش لا تُحدَّد من خلال استراتيجية سياسية، بل من خلال الصّور والاستعارات، ومن خلال – وهنا مكمن الخطورة – لغةٍ معينة.

في مملكة الكيتش تُعطى الإجابات مُسبقاً مُحرّمةً بذلك أي سؤالٍ جديد فالمثقّف الذي يتساءل هو العدّو الحقيقي لكل كيتش. في ظلّ هذه القناعة المطمئنة، وبسبب هذه الثقة التّامة بأنّ ما يقوله الكيتش هو الحقيقة المطلقة يغيب التّسامح، لأنّ التّسامح نقيض اليقين. اليقين الذي يُعطي مؤيّد السّلطة في دمشق الإيمان بأنّ السّلطة الحالية هي “سُلطة مُحرّرة” للإسلام والإسلاميين من المجتمع العلماني في سوريا. إيمانٌ يرفض كلّ اختلاف، يقينٌ مُطلق ارتكبت بسببه أبشع المجازر وأفظعها ببرودة قلبٍ لقتلة يتعاملون مع كيتشهـ”م” بوصفه حلماً جميلاً.

هل هذا الكيتش هو صفة خاصّة بالسّلطة الحالية؟ بالقطع لا. على نفس المبدأ ارتكبت جرائم النّظام الأسدي السّابق، وعلى ذات النهج يقوم مثقفّون، علمانيون كانوا أم إسلاميين، بتخوين جماعات كاملة، ببثّ لغة تحريضٍ وكراهية كافية لاستباحة دمِ أي مخالفٍ في الرأي. الفرق بين إمكانية المجزرة من عدمها هو فارق في القوّة فقط.

خاتمة

في نهاية المطاف، نكتشف أن ما نعيشه في سوريا منذ ديسمبر 2024 ليس “انفتاحاً سياسياً”، بل هو (إخراج مسرحي) متقن، صُمّم بعناية لنعتاد فيه على المشاهدة بدل المشاركة، وعلى “الفرجة كحياة بديلة” عن الفعل الحقيقي.

لقد نجحت الاستراتيجية الجديدة في تحويل المجال العام من ساحة لانتزاع الحقوق والمواطنة، إلى “استوديو كبير” تُدار فيه العواطف والترندات بذكاء بَصري فائق. إنّ الأخطر في هذا المشهد ليس براعة السّلطة في إدارة “الصّور”، بل تلك الهزيمة النّفسية التي تجعلنا نرتضي بـ “تسامحها المؤقت” بدلاً من قانون يحمينا، وبـ “كلام مفرغ من محتواه” بدلاً من فعل يُغيّر واقعنا.

أمّا المثقّف الذي انخرط في هذه الآليّة، بوعي أو بدونه، فقد أسهم – عن قصدٍ أو سذاجة – في تثبيت ميكانيزم السّلطة التي يدّعي معارضتها.  لقد تحوّل من “منتج للمعنى” إلى “كومبارس” يمنح الاستبداد مسحة من الأناقة والعصرية، مستبدلاً الموقف ببريق الظّهور.

إنّ الخروج من هذا “الفخّ البصري” يتطلّب أوّلاً كسر حلقة التعوّد، أيْ أنْ نرفض أنْ تكون السّياسة مجرد “شو تلفزيوني”، وأنْ نرفض تحويل قضايا كبرى كالدّستور وفصْل السّلطات إلى مادّة استهلاكية للمتابعة فقط.

إنّها دعوة لاستعادة المجال العامّ كفضاء للشّراكة لا للمشاهدة، وللمواطنة لا للرّعية. ففي بلد خرج لتوّه من عقود من العنف، تبدو هذه “الفرجة الناعمة” مجرّد مخدّر يحاول إقناعنا بأنّ “الوقت لم يحن بعد” للدّيمقراطية، بينما الحقيقة هي أنّ الوقت لن يحين أبداً ما دمنا نكتفي بدور “المتفرج” في مسرحية يُكتب نصّها في دمشق، ويُمثلها مثقّفون مستلبون، ويشاهدها شعبٌ يُراد له أن يُنسى أنّ الحياة الحقيقية تقع خارج إطار الكاميرا.

الحقيقة هي أنّنا، وبسبب صعوبة وضعنا وتأخرّنا، أكثر الشّعوب حاجةً للدّيمقراطية وإلى ترسيخ مفهوم المواطنة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق