دراسات

من هو الجيش السوري الجديد؟ وما احتمالية نجاح تحوّله من بنية فصائلية إلى بنية مؤسساتية؟

(حدْس) – هيئة التحرير:

يشكّل انهيار الأنظمة السياسية لحظة مفصلية لا تعيد فقط تشكيل السلطة، بل تعيد تعريف المؤسسة العسكرية بوصفها أحد أهم أعمدة الدولة. وفي الحالة السورية، فإن السيناريو المفترض بعد سقوط نظام بشار الأسد، وحلّ الجيش القائم، وصعود سلطة جديدة قوامها الفصائل المسلحة، يُطرح سؤالاً مركزياً: هل ما يتشكل هو جيش وطني جديد، أم مجرد إعادة إنتاج للفصائل ضمن إطار شكلي للدولة؟

للإجابة على هذا السؤال، لا بدَّ من وضع الحالة ضمن إطار نظري أوسع، إذ إنه من الناحية التاريخية، تتبع الدول الخارجة من النزاعات أحد ثلاث مسارات، يتمثل المسار الأول في إعادة بناء الجيش من الصفر، كما حدث بعد حلّ الجيش العراقي عام 2003، أو اعتماد برامج نزع السلاح وإعادة الدمج (DDR) وإصلاح القطاع الأمني، أو اللجوء إلى نموذج هجين يقوم على دمج الفصائل داخل مؤسسة رسمية.

قامت السلطة المؤقتة بحلّ الجيش السوري، مستبعدة بذلك السيناريوهين الثاني والثالث، وبالتالي فإن الجيش الجديد يتشكل من طبقتين: الأولى هي الفصائل المسلحة التي شكّلت عماد السلطة الجديدة، وهي تمتلك خبرة قتالية محدودة اكتسبتها خلال سنوات الحرب، لكنها تفتقر إلى الانضباط المؤسسي، أو حتى إلى تعريف نفسها بأنها جيش نظامي. أما الطبقة الثانية فهي المجندين الجدد الذين يُفترض أن يشكّلوا نواة جيش وطني مستقبلي، لكنهم يدخلون مؤسسة لم تستقر عقيدتها بعد. وهذا التكوين يجعل من عملية التحول من “مقاتل فصيل” إلى “جندي دولة” التحدي المركزي في بناء الجيش.

العقيدة القتالية للجيش:

لكل جيش عقيدة قتالية تُبنى انطلاقاً من تفاعل معقد بين عوامل جيوسياسية واقتصادية وإيديولوجية وسياسية. ويمكن تعريف العقيدة القتالية بأنها الإطار الفكري والتنظيمي الذي يحدد كيف يفكر الجيش، ولماذا يقاتل، وكيف يدير عملياته العسكرية. ولا تقتصر هذه العقيدة على كونها تصوراً نظرياً، بل تمثل المرجعية الناظمة للسلوك العملياتي والمؤسسي داخل المؤسسة العسكرية، إذ توجّه قرارات القادة والأفراد على مختلف المستويات، من أدنى رتبة إلى أعلى هرم القيادة.

وتحدد العقيدة القتالية جملة من القضايا البنيوية التي ترسم ملامح الجيش ووظيفته، من أبرزها:

1- طبيعة استخدام القوة:

تحدد العقيدة ما إذا كان تركيز الجيش ينصب على الردع والدفاع عن الحدود والسيادة، أم على المبادرة وإسقاط القوة خارج حدود الدولة، أو على مزيج من الوظيفتين ضمن ما يُعرف بالعقائد الهجينة. وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى تجربة اليابان التي تبنّت، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، عقيدة ذات طابع دفاعي مقيد، دون أن يلغي ذلك تطوير قدرات عسكرية متقدمة ضمن هذا الإطار.

2- الجغرافيا السياسية:

تلعب البيئة الجيوسياسية دوراً حاسماً في تشكيل العقيدة القتالية، ليس فقط من حيث وجود التهديد أو غيابه، بل أيضاً من حيث طبيعته واتجاهه. فالدول التي تعيش في بيئات مستقرة نسبياً تختلف في عقيدتها عن تلك التي تواجه تهديدات مستمرة أو نزاعات مفتوحة، كما تؤثر الجغرافيا في تحديد طبيعة الحرب المتوقعة، سواء كانت برية أو بحرية أو جوية أو غير نظامية.

3- البنية التنظيمية وتوزيع القدرات:

تنعكس العقيدة القتالية على تصميم الجيش وتوزيع موارده بين صنوف القوات المختلفة. فاختيار الأولويات بين القوات البرية أو الجوية أو البحرية، وكذلك بين القدرات التقليدية وغير التقليدية، يرتبط بطبيعة العقيدة المعتمدة، وليس فقط بالتمييز المبسط بين الدفاع والهجوم.

4- الإمكانات الاقتصادية والتمويل:

تؤثر الموارد الاقتصادية في قدرة الدولة على بناء جيشها وتطويره، وتمثل عاملاً مقيّداً أو ممكناً لتطبيق العقيدة القتالية أكثر من كونها محدداً مباشراً لها. فتنفيذ عقيدة عسكرية متقدمة يتطلب بنية اقتصادية قادرة على دعم التسليح والتدريب والتحديث المستمر، وهو ما يرتبط بحجم الاقتصاد الوطني واستقراره.

5- النظام السياسي والعلاقات المدنية – العسكرية:

يشكل النظام السياسي الإطار المرجعي الأعلى للعقيدة القتالية، من خلال تحديد وظيفة الجيش ومهامه، وآليات قيادته، وطبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة المدنية. فالدساتير تحدد رسمياً موقع الجيش ضمن بنية الدولة، لكن التطبيق العملي يختلف باختلاف طبيعة النظام، سواء كان ديمقراطياً أو سلطوياً أو قائماً على هيمنة حزب واحد. وبناءً على ذلك تتحدد العقيدة القتالية للجيش: هل تتمحور حول حماية الدولة والدفاع عن سيادتها، أم حول حماية النظام السياسي القائم وضمان استمراريته.

مقاربة الحالة السورية:

1- أثر الانهيار المؤسسي وحلّ الجيش:

أدى سقوط نظام بشار الأسد وما تبعه من حلّ الجيش إلى انهيار كامل للبنية المؤسسية العسكرية، بما في ذلك منظومة القيادة والسيطرة، والعقيدة القتالية التي حكمت سلوك المؤسسة العسكرية لعقود. هذا الانهيار لا يعني فقط غياب مؤسسة قائمة، بل غياب “الذاكرة العسكرية” المتراكمة التي تشكّل أساس الاستمرارية في أي جيش وطني. ففي الحالات الطبيعية تتطور العقائد القتالية تدريجياً عبر التراكم والخبرة، أما في الحالة السورية فنحن أمام قطيعة حادة تفرض إعادة بناء من الصفر تقريباً.

هذا الفراغ المؤسسي يفتح المجال أمام قوى غير نظامية – أي الفصائل المسلحة – لملء الحيز العسكري، لكنها تفعل ذلك دون امتلاك أدوات بناء مؤسسة عسكرية حديثة. ونتيجة لذلك تتشكل العقيدة القتالية الجديدة ليس عبر عملية تخطيط مركزي، بل عبر تفاعل غير منظم بين تجارب ميدانية متفرقة، ما يجعلها عرضة للتناقض وعدم الاتساق في المرحلة الأولى.

2- العامل الاقتصادي وإكراهات بناء العقيدة:

تتسم البيئة الاقتصادية السورية، في هذا السيناريو، بدرجة عالية من الانهيار، حيث يعيش معظم السكان تحت خط الفقر، وتعاني الدولة من ضعف شديد في الموارد والإيرادات. هذا الواقع لا ينعكس فقط على حجم الجيش، بل يؤثر مباشرةً في طبيعة عقيدته القتالية، إذ يدفع نحو تبني نماذج منخفضة الكلفة تعتمد على الموارد البشرية أكثر من التكنولوجيا المتقدمة.

في هذا السياق يُرجّح أن تتجه العقيدة القتالية نحو التركيز على القوات البرية الخفيفة، والتكتيكات غير النظامية، والاعتماد على الخبرة القتالية المتراكمة بدلاً من الاستثمار في أنظمة تسليح باهظة الكلفة كالقوات الجوية المتطورة أو منظومات الدفاع الجوي المعقدة. وبالتالي فإن الفقر لا يحدد فقط ما يستطيع الجيش امتلاكه، بل يعيد تشكيل “طريقة قتاله” بشكل جذري.

3- البنية الاجتماعية والطابع الطائفي:

يمثّل الطابع الاجتماعي للجيش أحد المحددات الحاسمة في تشكيل عقيدته القتالية، خاصةً في المجتمعات الخارجة من نزاعات داخلية. وفي الحالة السورية، فإن تشكّل الجيش الجديد من مكوّن طائفي واحد بشكل غالب – وهو المكوّن السني – يطرح تحديات عميقة تتعلق بشرعية المؤسسة العسكرية وطبيعة دورها.

فالعقيدة القتالية في هذه الحالة قد تميل، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى التعبير عن هوية جماعية محددة بدل أن تكون انعكاساً لهوية وطنية جامعة. وهذا يخلق خطر انزلاق الجيش نحو أداء وظائف ذات طابع فئوي أو إقصائي، بدل أن يكون أداة حيادية بيد الدولة. كما أن غياب التمثيل المتوازن داخل المؤسسة العسكرية يضعف قدرتها على فرض الاستقرار الداخلي ويؤثر في نظرة المجتمع إليها كمؤسسة وطنية جامعة.

4- العامل الأيديولوجي وتأثيره على العقيدة القتالية:

ينحدر جزء كبير من الفصائل التي تشكّل نواة الجيش الجديد من خلفيات إسلامية، بعضها يتبنى توجهات سلفية. وهذا العامل الأيديولوجي لا يبقى محصوراً في المجال الفكري، بل يمتد ليؤثر في تشكيل العقيدة القتالية، سواء من حيث تعريف العدو، أو تحديد مشروعية استخدام القوة، أو طبيعة الانضباط داخل الوحدات العسكرية.

في هذا الإطار قد تتداخل العقيدة العسكرية مع التصورات الدينية، ما يؤدي إلى نشوء نموذج غير تقليدي من العقائد القتالية يجمع بين البعد التعبوي العقائدي والبعد العسكري العملي. ورغم أن هذا النمط قد يمنح المقاتلين دافعية عالية، إلاّ أنه يحمل مخاطر كبيرة على مستوى بناء جيش وطني، إذ قد يعيق عملية الاحتراف العسكري ويجعل من الصعب إخضاع المؤسسة العسكرية لسلطة مدنية محايدة.

5- أزمة القيادة والاحتراف العسكري:

تواجه عملية بناء العقيدة القتالية تحدياً جوهرياً يتمثّل في طبيعة القيادات العسكرية الحالية، حيث إن عدداً من القادة هم مقاتلون سابقون صعدوا عبر الخبرة الميدانية دون أن يمتلكوا بالضرورة تأهيلاً عسكرياً نظامياً أو تعليماً استراتيجياً متقدماً. وهذا يخلق فجوة بين الخبرة القتالية التكتيكية وبين القدرة على بناء عقيدة عسكرية متكاملة.

فالعقيدة القتالية ليست مجرد انعكاس للخبرة الميدانية، بل تتطلب قدرة على التنظير والتخطيط بعيد المدى وبناء هياكل تنظيمية معقدة. وفي غياب هذه القدرات يُخشى أن تبقى العقيدة في مستوى “الممارسة العملية” غير المقننة، ما يؤدي إلى تفاوت في الأداء بين الوحدات، وضعف في الانضباط، وصعوبة في توحيد القرار العسكري.

6- البيئة الجيوسياسية والإقليمية:

تفرض البيئة الإقليمية المحيطة بسوريا مجموعة من التحديات المعقدة التي تنعكس مباشرة على تشكيل العقيدة القتالية. فوجود دول مثل تركيا والعراق إلى جانب إسرائيل يخلق طيفاً واسعاً من التهديدات يتراوح بين النزاعات التقليدية والتدخلات غير المباشرة والتوترات الحدودية المزمنة.

في ظل هذا الواقع لا يمكن للجيش السوري الجديد تبني عقيدة تقليدية صرفة، بل سيكون مضطراً إلى تطوير مقاربة هجينة تجمع بين الدفاع الحدودي ومكافحة التهديدات غير النظامية وإدارة التوازنات الإقليمية. غير أن هذا التحدي يتفاقم في ظل ضعف الإمكانات، ما يجعل العقيدة أقرب إلى “إدارة المخاطر” منها إلى تحقيق تفوق عسكري حاسم.

7- ملامح العقيدة القتالية الناشئة:

في ضوء العوامل السابقة يمكن استنتاج أن العقيدة القتالية للجيش السوري الجديد تتجه نحو التشكل بوصفها عقيدة انتقالية هجينة تعكس واقع الدولة أكثر مما تعكس نموذجاً عسكرياً مستقراً. فهي عقيدة تقوم على مزيج من الخبرة القتالية غير النظامية والتأثير الأيديولوجي والقيود الاقتصادية والتحديات الجيوسياسية.

ومن المرجح أن تتميز هذه العقيدة بتركيز على الأمن الداخلي بقدر لا يقل عن الدفاع الخارجي، واعتماد كبير على القوات البرية الخفيفة، وضعف في القدرات النظامية الثقيلة، واستمرار تأثير الولاءات غير المؤسسية داخل بنية الجيش. وبذلك يبقى مستقبل هذه العقيدة مرهوناً بمدى قدرة الدولة على إعادة بناء مؤسساتها وتوحيد ولاءات قواتها المسلحة ضمن إطار وطني جامع يضمن تحول الجيش من تحالف فصائل إلى مؤسسة سيادية حديثة.

دلالات الممارسة الميدانية: من العقيدة الضمنية إلى الانكشاف الطائفي.

تشكّل الأحداث الدموية التي ارتكبتها بعض الفصائل في الساحل السوري في آذار، ثم في السويداء في تموز من العام الماضي ضد أبناء الطائفتين العلوية والدرزية، مؤشراً بالغ الأهمية على طبيعة “العقيدة القتالية الفعلية” للجيش الناشئ. فالعقائد العسكرية لا تُقاس بما يُكتب في الوثائق، بل بما يُمارس على الأرض، وهذه الحوادث تكشف عن انزياح من عقيدة يفترض أن تكون وطنية جامعة إلى نمط سلوك قتالي ذي طابع فئوي/انتقامي يُعيد تعريف “العدو” على أسس هوياتية داخلية.

إن استهداف مكونات اجتماعية بعينها يشير إلى أن العقيدة المتشكلة ليست عقيدة دولة تحتكر العنف لحماية جميع المواطنين، بل أقرب إلى عقيدة صراع داخلي تُشرعن استخدام القوة ضد “الآخر الداخلي”. وهذا يعكس اختلالاً في بنية العلاقات المدنية – العسكرية ويقوّض أي ادعاء ببناء جيش وطني محايد، كما يوحي بأن الأمر ليس مجرد انحرافات فردية، بل اتجاهاً ضمنياً في بنية القوة العسكرية، حيث تتقدم الولاءات الأيديولوجية والطائفية على حساب الانضباط المؤسسي والقواعد القانونية، ما يجعل إعادة بناء عقيدة قتالية وطنية مهمة أكثر إلحاحاً وتعقيداً.

الاستنتاجات:

الجيش السوري الجديد هو كيان انتقالي غير مكتمل التشكّل، ولا يمكن توصيفه كجيش وطني مكتمل، بل هو بنية هجينة تقع بين الفصائلية والمؤسساتية، نشأت نتيجة انهيار مفاجئ للدولة وحلّ الجيش السابق، ما أدى إلى غياب الاستمرارية المؤسسية والعقائدية.

العقيدة القتالية الحالية هي عقيدة ضمنية غير مُقنّنة، تتشكل من الممارسة الميدانية أكثر مما تُبنى عبر تخطيط استراتيجي، وهو ما يجعلها عرضة للتناقض والتغير، ويضعف قدرتها على توجيه سلوك عسكري منضبط وموحد.

الطابع الفصائلي – الأيديولوجي يطغى على الطابع الوطني للعقيدة، وذلك نتيجة الخلفيات الإسلامية السلفية والتركيبة الاجتماعية غير المتوازنة، حيث تميل العقيدة القتالية إلى تعريف الصراع بحدود هوياتية داخلية.

العامل الاقتصادي يفرض نموذج “جيش منخفض الكلفة” محدود القدرات، حيث يدفع الانهيار الاقتصادي نحو الاعتماد على تكتيكات غير نظامية وقوات خفيفة، ما يحدّ من قدرة الجيش على التحول إلى قوة نظامية متكاملة أو خوض حروب تقليدية.

أزمة القيادة والاحتراف العسكري تعيق بناء عقيدة مؤسسية مستقرة، وذلك بسبب غلبة القيادات ذات الخلفية الميدانية غير النظامية، وغياب التأهيل العسكري الاستراتيجي، ما يكرّس نمطاً من القيادة يعتمد على الخبرة القتالية لا على التخطيط المؤسسي.

احتمالية التحول إلى جيش مؤسساتي تبقى ضعيفة من دون إعادة تأسيس شاملة، إذ يتطلب هذا التحول شروطاً غير متوفرة حالياً، أبرزها: تفكيك البنية الفصائلية، بناء عقيدة وطنية جامعة، إعادة التوازن الاجتماعي داخل الجيش، وتأسيس نظام علاقات مدنية – عسكرية خاضع لسلطة قانونية ودستورية مستقرة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق