يوسف العظمة مرى أخرى… استعادة الهوية

افتتاحية العدد الخامس من صحيفة (حدْس)- أبريل/ نيسان 2026
كان موفقاً وضرورياً اختيار منظمي اعتصام “قانون وكرامة” يوم جلاء الاستعمار الفرنسي عن سوريا (الذكرى الثمانون) لتنفيذ الاعتصام، واختيار ساحة يوسف العظمة مكاناً لاعتصامهم، فالمناسبة محل اتفاق وطني بين السوريين، ويوسف العظمة، وزير حربية أول جيش سوري، وأول وزير حربية يستشهد دفاعاً عن سوريا، هو من الرموز القليلة النادرة التي حظيت على مدار عقود بإجماع قلّ نظيره بين كل الفئات والشرائح السورية.
نحن في الحزب الدستوري السوري لا نظنه خياراً عشوائياً، وإنما خياراً ينطوي على وعي وطني وسياسي، نحتاجه في هذه اللحظة التي تعيشها البلاد، بعد سنوات من الحرب، والانقسام الاجتماعي، وتهتك النسيج الوطني، وتصاعد خطاب الكراهية، وعودة الاحتلالات الصريحة والمبطنة.
لا نجافي حقائق التاريخ إذا قلنا إن يوسف العظمة، باختياره الواعي مواجهة جيش الجنرال غورو القادم لاحتلال البلاد، على الرغم من موافقة الملك فيصل والحكومة السورية على تلبية مطالب فرنسا، كان ربما نقطة البداية لتأسيس الهوية السورية، فيوسف العظمة، الجنرال والأكاديمي العسكري والمثقف، كان يعلم تماماً الخلل في ميزان القوى العسكري، بين جيشه الجديد، وتسليحه الضعيف، وبين جيش بلد استعماري مثل فرنسا، لكنه أيضاً، كان يعي بأن دخول المستعمر لأي بلد من دون مقاومة ليس فقط مجرد إهانة، وإنما يعكس انعدام الوعي بالهوية الوطنية.
بعد انتفاضة عام 2011، وما تلاها من تحولات على وقع العسكرة والتطييف، انقسم السوريون في ولاءاتهم، فأصبح هناك سوري-تركي، وسوري-إسرائيلي، وسوري-خليجي، وسوري-أمريكي، وسوري-إيراني، وسوري-روسي، وهكذا، غابت سوريا، وغابت الهوية، وأصبحت لسنوات مجرد شعار يرفعه الجميع للاستثمار السياسي، لكن من دون أي معنى أو قيمة حقيقيين.
أيضاً، عاد السوريون في غمرة الصراع والانقسام إلى تعريف أنفسهم بدلالة الدين والطائفة والعشيرة والمنطقة، وبدلاً من العمل على تجاوز هذا الانقسام بعد انهيار سلطة بشار الأسد، من خلال مؤتمر حوار وطني تشارك به القوى السياسية والمدنية والأهلية، يناقش بشكل صريح القضايا الرئيسية لبناء الدولة ونظام الحكم، والتأسيس لمقومات حديثة للهوية الوطنية، قامت السلطة بالقفز من فوق هذه الضرورة التأسيسية، والتعامل معها بطريقة بروتوكولية، جعلت من مؤتمر الحوار الوطني مسخاً لفكرة الحوار أولاً، ولفكرة الوطن ثانياً.
لم يستفد السوريون من معنى اللحظة التأسيسية التي ابتكرها يوسف العظمة بدمه، فبعد جلاء الاستعمار الفرنسي، أسس السوريون أحزاباً تتبنى أيديولوجيات عابرة للوطن السوري، فالقوميون تبنوا مفهوم الأمة العربية، والإسلاميون الأمة الإسلامية، والشيوعيون النضال الأممي ضد الإمبريالية، وقد خاضوا جميعهم صراعاتهم الأيديولوجية في الوطن السوري، وكانت سوريا في حقيقة الأمر مجرد بند لا أكثر في قائمة أهدافهم.
ما كشفته السنوات التي تلت الانتفاضة أن سوريا كهوية لم تكن تمتلك معناها الصلب والراسخ في قلوب وعقول معظم السوريين، يعيشون فيها وعينهم على مكان آخر وتعريف آخر للذات الجمعية، عربي، إسلامي، طائفي، أقلوي…. إلخ.
لكن الحقائق الصلبة لا تختفي، ليس أمام السوريين سوى هذه المساحة الجغرافية، بتاريخها الجيد والسيء، بما حملته من أوهام وبما أسقطته وستسقطه من أوهام، وقد أظهر العام الأخير أن ما من شهية إقليمية ودولية لتقسيم البلاد، ورسم دويلات على أنقاضها، وأن المآسي التي عاشها السوريون أيام الأسد الهارب، أو في حكم السلطة المؤقتة الحالية، لا تعالج بأوهام الاستقواء بالقوة التي تمتلكها السلطة ولا بأوهام الانفصال التي تغذيها قوى خارجية، ونقص نظر من يتصدرون للدفاع عن المظلوميات، وإنما تحتاج إلى عمل ونضال في الإطار الوطني الديمقراطي المواطني.
في ساحة يوسف العظمة، تجمع سوريون وسوريات، مواطنات ومواطنين، يرفعون لافتات تحمل مطالب سياسية واضحة، تقول لا بشكل واضح للاحتكار السياسي، وتطالب بنظام ديمقراطي، وتستنكر إعادة تدوير فاسدي النظام السابق في ماكينة السلطة الحالية، وتطالب بتطبيق العدالة الانتقالية، وترفض إجراءات السلطة المتتالية في رفع أسعار الكهرباء والطاقة والخبز، الذي زاد من مأساة ومعاناة السوريين أضعافاً مضاعفة، حيث يعيش حوالي 90% من السكان تحت خطّ الفقر.
وعلى الرغم من محاولة بعض موالي السلطة استفزاز المعتصمين، إلاّ أن الساحة شهدت نقاشات بين أشخاص من الطرفين، نقاشات تحاول استبعاد التخوين، والتركيز على المطالب، وعلى ما يجمع السوريين من ألم ومعاناة، وما يستحقونه كمواطنين من حقوق وحريات.
لكن المعنى الأعمق لما جرى في ساحة يوسف العظمة لا يتوقف عند حدود الاعتصام ذاته، بل يتجاوزه إلى ما يمكن اعتباره تمريناً أولياً على استعادة السياسة بوصفها فعلاً وطنياً جامعاً، لا مجرد امتداد لصراعات القوة والانقسام. إن قدرة سوريين مختلفين في الرأي والولاء على الوقوف في المكان ذاته، والتحدث بلغة الحقوق لا بلغة التخوين، تشكل بذرة نادرة في سياق ملوث بالاستقطاب الحاد، وهي تذكير بأن الهوية الوطنية لا تُبنى عبر الشعارات الكبرى ولا عبر الغلبة، بل عبر الاعتراف المتبادل، والقدرة على إدارة الاختلاف ضمن إطار جامع اسمه الوطن.
إن استعادة يوسف العظمة اليوم لا تعني تمجيد لحظة بطولية معزولة في التاريخ، بل تعني استعادة المعنى الذي جسده: أن الوطن لا يكون وطناً إلاّ حين يصبح الدفاع عنه، وعن كرامة أبنائه، فعلاً واعياً ومسؤولاً، لا تابعاً ولا مرتهناً، فلقد أدرك يوسف العظمة أن الهزيمة العسكرية لا توازي الهزيمة المعنوية، وأن الخسارة في ميدان القتال قد تكون شرطاً للانتصار في ميدان الوعي، وهذا بالضبط ما يحتاجه السوريون اليوم: إعادة تعريف الانتصار بوصفه تأسيساً لعقد وطني جديد، لا إعادة إنتاج للسلطة، ولا تكريساً لوقائع الأمر الواقع.
من هنا، فإن المهمة المطروحة ليست استعادة الماضي، بل استكماله، أي تحويل تلك اللحظة التأسيسية التي بدأها يوسف العظمة إلى مشروع سياسي واضح المعالم: دولة مواطنة، ودستور يُعبّر عن إرادة السوريين، وعدالة انتقالية تضع حداً لدوامة الإفلات من العقاب، ومن دون ذلك، ستبقى كل الساحات، مهما امتلأت بالناس، مجرد صدى لألم لم يجد طريقه بعد إلى الحل، أما إذا نجح السوريون في تحويل هذا الوعي المتشكل إلى فعل سياسي منظم، فإنهم لن يكونوا فقط قد استعادوا يوسف العظمة، بل استعادوا سوريا نفسها.