سؤال استعادة السويداء وإعادة تعريف الدولة
هوازن خداج
إثر المجزرة الوحشية التي ارتُكبت في مدينة السويداء، وتصاعد دعوات الانفصال وتقرير المصير، لم يعد ممكناً النظر إلى هذه المدينة بوصفها مجرد بؤرة توتر أمني أو سياسي تستدعي “إعادة السيطرة” عليها، لكنها تحوّلت إلى فضاء تتكثف فيه أزمات أعمق تمسّ تعريف الدولة، وتآكل العلاقة بين المركز والأطراف، واختلال مفهوم الوطنية. وبهذا المعنى، لا تبدو السويداء حالة معزولة، بل مؤشراً على تحوّل أوسع في إدراك السوريين لدولتهم، خاصة بعد عقود من استبداد الأسدين، وحرب طويلة أدّت إلى تشظّي السردية الوطنية الجامعة. من هنا، يبرز السؤال: ماذا تعني استعادة السويداء اليوم؟ هل هي استعادة جغرافيا خارجة عن السيطرة، أم استعادة علاقة سياسية ووطنية تتآكل على نحو غير مسبوق؟
يمكن مقاربة هذه الإشكالية من خلال مفهوم العقد الاجتماعي، الذي يفترض وجود توافق ضمني بين السلطة والمجتمع. غير أن هذا العقد في الحالة السورية لم يتآكل بفعل الحرب وحدها، بل نتيجة تراكمات طويلة من التهميش السياسي والاقتصادي، وخصوصاً تهميش محافظة السويداء اقتصادياً وخدمياً، وفرض نموذج مركزي عجز عن استيعاب التنوع. ومع تنصيب السلطة المؤقتة منذ أواخر عام 2024، بدا واضحاً أن جوهر الأزمة لا يتعلق فقط بمن يحكم، بل بكيفية الحكم وطبيعته. فبدلاً من إعادة بناء الدولة كإطار وطني جامع قائم على التمثيل وتوزيع الموارد، وفصل السلطات، وتوسيع هامش المشاركة، أعادت السلطة إنتاج أنماط الهيمنة ذاتها، عبر تكريس مركزية مفرطة لا تتيح تمثيلاً فعلياً ولا مشاركة حقيقية في القرار.
وفي المجالات السيادية والسياسية والمجتمعية، اتبعت السلطة المؤقتة الأدوات نفسها التي كانت سائدة في عهد بشار الأسد، لا سيما عبر استخدام العنف المفرط كوسيلة لفرض السيطرة، وقد تجلّى ذلك في ارتكاب مجزرتين خلال أقل من عام (في الساحل والسويداء)، بما يشير إلى نزعة لإعادة تثبيت السلطة عبر الدم، مع غياب شبه كامل للمحاسبة، فالمجزرة التي طالت المدنيين الدروز، بما حملته من عنف صادم وانتهاكات جسيمة، لا يمكن فهمها كحلقة منفصلة في سياق مضطرب، بل كجزء من محاولة فرض توحيد قسري للجغرافيا، لا يستند إلى توافق وطني حول معنى الوطن أو شروط المشاركة فيه.
في هذا السياق، لا يبدو العنف الممارس شبيهاً بعنف الدولة بوصفه احتكاراً منظماً للقوة، بل أقرب إلى شرعنة الاستباحة لكل من يُصنّف خارج سردية السلطة، وهو ما أسهم في إطلاق سلسلة من التفاعلات الرمزية والسياسية في السويداء، من رفع العلم الإسرائيلي إلى توجيه رسائل شكر لإسرائيل وقادتها، وصولاً إلى تصاعد خطاب الانفصال أو البحث عن بدائل خارج إطار الدولة. هذه التفاعلات، على الرغم من خطورتها، لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق الذي أنتجها، أي كاستجابة لانقطاع العلاقة مع الدولة لا كمجرد خروج عليها.
في المقابل، طغى خطاب التخوين الذي طال عموم أبناء الطائفة الدرزية، وتراجع التعاطف مع الضحايا لصالح خطاب تعبوي يعيد تعريف الوطنية عبر الإقصاء. وهنا تتجلى مفارقة لافتة: انتقال السويداء من موقع مركزي في التاريخ الوطني- من خلال دورها في مقاومة الاستعمار ورفضها الانخراط في آلة القمع- إلى موضع شك في وطنيتها. ويمكن فهم هذا التحول في ضوء مفهوم “الإنسان المستباح” لدى المفكر والفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين، حيث يُستثنى بعض الأفراد أو الجماعات من الحماية القانونية، ويصبح وجودهم ذاته عرضة للانتهاك باسم الدفاع عن الوطن.
ضمن هذا الإطار، لا تكمن أهمية طرح فكرة الانفصال في قابليتها للتحقق – وهي محدودة موضوعياً – بقدر ما تكمن في دلالتها السياسية: أي إعلان القطيعة مع الدولة. فهذه الدعوات لا تعكس فقط ردة فعل على العنف، بل تعبّر عن أزمة أعمق تتعلق بانهيار الثقة بالعقد الوطني. فحتى لو كانت شروط الانفصال (كالاعتراف الدولي والقدرة الاقتصادية والاستقرار الإقليمي) غير متوافرة، فإن مجرد تداول الفكرة يشير إلى تحوّل في الوعي السياسي، حيث لم تعد الدولة إطاراً بديهياً للانتماء.
وهذا يقود إلى أزمة الوطنية السورية ذاتها. فالوطنية، كما تشكّلت تاريخياً، لم تُبنَ على المواطنة المتساوية، بل على التماهي مع السلطة، حيث جرى قياس الانتماء بمدى الاصطفاف معها لا بالمشاركة في بناء الدولة. ومع إعادة إنتاج هذا النموذج من قبل السلطة الحالية، يُعاد تعريف الوطنية بوصفها ولاءً لا شراكة، ومن هنا تبرز المفارقة المركزية: هل ما يحدث في السويداء خروج عن الوطنية، أم نتيجة لانهيارها؟
بناءً عليه، تبدو فكرة “استعادة السويداء” إلى الدولة السورية محمّلة بدلالة إشكالية، لأنها تفترض وجود وضع سابق يمكن العودة إليه، بينما تشير الوقائع إلى تغيّر جذري في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، فالمسألة لم تعد تتعلق بإعادة فرض السيطرة، بل بإمكانية إعادة بناء الثقة، وهي عملية لا يمكن تحقيقها بالأدوات الأمنية أو العسكرية، ولا من خلال سلطة أعادت إنتاج بنية الاستبداد ذاتها، وإن بصيغة أيديولوجية مختلفة.
إن إعادة تعريف الدولة بوصفها إطاراً تمثيلياً تعددياً، يقوم على الاعتراف المتبادل، تمثّل المدخل الضروري لأي استعادة فعلية، وهذا يستلزم بناء عقد اجتماعي جديد يعيد صياغة العلاقة بين الفرد والدولة، ويضع مصلحة الإنسان السوري وسيادته في المركز، ويحوّل التنوع من مصدر تهديد إلى ركيزة للبناء المشترك.
وعليه، فإن استعادة السويداء تتخذ اتجاهين متلازمين: استعادة الدولة لشرعيتها، واستعادة المجتمع لثقته بها. وحين يصبح الانتماء نفسه موضع شك، فإن الأزمة لا تعود سياسية فحسب، بل وجودية تمسّ معنى الوطن، فالوطن ليس مجموعة طوائف تتصالح حيناً وتتناحر أحياناً أخرى، وليس قبائل أو مذاهب أو طبقات تلتقي أو تتصادم، ولا هو قطاعات يحكمها شيوخ دين أو عشائر إذا التقوا عمّ السّلام وإذا تناحروا كانت الحرب، وبالتالي، فإن الوطن لا ينبغي أن يكون ساحة لتوازنات القوة أو لتنازع الهويات، بل فضاءً سياسياً مشتركاً يقوم على المواطنة المتساوية، ويجسّده نظام دستوري يضمن التمثيل الحقيقي، ويحول دون تحوّل الخصوصيات الاجتماعية إلى كيانات مغلقة داخل الدولة.
بهذا المعنى، لا تتعلق المسألة بالسويداء وحدها، بل بسؤال الدولة السورية نفسه: هل يمكن إعادة بنائها كإطار جامع، أم أنها ستبقى ساحة مفتوحة لإعادة إنتاج الانقسام؟