من التفوق العسكري إلى المأزق الاستراتيجي: حدود الفعل الأمريكي تجاه إيران بين القيود البنيوية ومسار التفاوض

مقدمة:
بعد حوالي 40 يوماً من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وإعلان هدنة أمريكي، ودخول باكستان على الخط، كوسيط في عملية التفاوض بين واشنطن وطهران، وغياب إسرائيل عن هذا المسار، لا يزال مسار التفاوض يراوح في مكانه، بعد أن فشلت الجولة التفاوضية الأولى، من دون وصول إلى اتفاق، وعودة حرب التصريحات بين الأطراف المشاركة في الحرب، واستمرار إغلاق مضيق هرمز في وجه الملاحة، واستمرار الحصار الأمريكي على الشواطئ الإيرانية، فيما يشبه وجود قفل فوق قفل: إيران تغلق هرمز، وأمريكا تحاصر إيران بحرياً، والنتيجة مضيق هرمز مغلق في وجه ناقلات النفط والتجارة العالمية.
حالة مركبة ومعقدة وفريدة من نوعها إلى حد كبير، خصوصاً فيما يتعلق بالولايات المتحدة، فالرئيس ترامب الذي لم يكف منذ استلام ولايته الثانية أو خلال الحرب عن التصريح مراراً وتكراراً بأن أمريكا تمتلك أقوى جيش في العالم، لم يتمكن من تحقيق الأهداف الأساسية من الحرب، على الرغم من الضربة / الصدمة الأولى التي أودت بحياة المرشد الأعلى علي خامنئي وقادة سياسيين وعسكريين من الصف الأول، فلا النظام الإيراني سقط، ولا الجماهير الإيرانية تحركت لاحتلال الساحات، ولا الجيش انقسم على نفسه، ولا إيران تبدو مستعدة للتخلي عن برنامجها النووي أو الباليستي، وفوق ذلك، طالت ضرباتها مروحة واسعة من الأهداف داخل إسرائيل وفي دول الخليج.
أولاً- من الواقعية الكلاسيكية إلى الواقعية غير المتكافئة:
تشكل الحالة الأمريكية – الإيرانية نموذجاً مركباً في دراسات العلاقات الدولية، لأنها تكشف عن اختلال متزايد بين امتلاك أدوات القوة وبين القدرة على تحويلها إلى نتائج سياسية حاسمة. فعلى الرغم من التفوق العسكري والتكنولوجي للولايات المتحدة، فإن سلوك إيران في بيئة الصراع الإقليمي يعكس قدرة عالية على التكيف وإعادة توزيع الكلفة، بما يجعل من أدوات القوة التقليدية أقل فاعلية مما تفترضه النظريات الكلاسيكية للردع.
ضمن هذا السياق، لم تعد العلاقة بين الطرفين تُفهم بوصفها مواجهة خطية يمكن حسمها عبر التفوق العسكري، بل بوصفها نظام تفاعلي معقد تتداخل فيه البنى الداخلية للدولة الأمريكية، والبيئة الإقليمية، والتحولات في طبيعة الصراع غير المتماثل.
وتزداد هذه التعقيدات مع ظهور مسار تفاوضي في إسلام آباد، في ظل قيود سياسية وقانونية داخلية تواجه إدارة الرئيس ترامب، بما يعكس انتقال الصراع من منطق الحسم إلى منطق الإدارة طويلة الأمد.
تنطلق المقاربة التقليدية في العلاقات الدولية، خصوصاً ضمن الواقعية الكلاسيكية، من فرضية أن تراكم القوة العسكرية يؤدي إلى تعظيم القدرة على فرض الإرادة السياسية. إلاّ أن التطورات في نمط الصراع المعاصر، خصوصاً في الشرق الأوسط، أظهرت حدود هذا التصور، إذ لم يعد التفوق المادي وحده قادراً على إنتاج نتائج سياسية مستقرة. فالدولة لم تعد فاعلاً أحادياً، بل شبكة قرار تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية والسياسية والاقتصادية.
تقدم الواقعية الهجومية تفسيراً أكثر دقة نسبياً، إذ تفترض أن الدول تسعى إلى تعظيم قدرتها النسبية في ظل بيئة فوضوية. غير أن الحالة الإيرانية تكشف عن مستوى إضافي من التعقيد، يتمثل في أن الفاعل الأضعف قادر على تعطيل منطق تعظيم القوة عبر استخدام أدوات غير متماثلة، تجعل الكلفة على الطرف الأقوى غير متناسبة مع النتائج. هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ “إعادة توزيع الفاعلية”، حيث تصبح القوة أقل خطية وأكثر تشتتاً، ما يفرض إعادة تعريف لمفهوم النصر ذاته في العلاقات الدولية.
ثانياً- حدود القوة العسكرية وإشكالية التحول من التكتيك إلى الاستراتيجية:
تُظهر الحالة الأمريكية أن التفوق العسكري، رغم ضرورته، قد يظل محصوراً في المستوى التكتيكي إذا لم يُدمج ضمن استراتيجية سياسية شاملة. فالعمليات العسكرية الأمريكية ضد أهداف إيرانية متعددة، حققت نتائج محددة على مستوى تقليص القدرات، لكنها بدت عاجزة عن إسقاط النظام، أو دفعه للتمسك بخياراته الكبرى، عسكرياً وسياسياً، وهذا الفصل بين الإنجاز العسكري والنتيجة السياسية يمثل أحد أبرز أوجه القصور في نمط التدخلات الحديثة.
يمكن تفسير ذلك عبر مفهوم “عدم التماثل الوظيفي”، حيث لا تعتمد إيران على مركز قوة واحد يمكن استهدافه، بل على شبكة موزعة من الأدوات والفاعلين، من موقع المرشد، إلى الجيش، والحرس الثوري، ومجلس الأمن القومي، ووزارة الخارجية، والبرلمان، وغيرها، وهذا التوزيع يجعل من الصعب تحويل التفوق العسكري إلى أداة حسم سياسي، لأن استهداف جزء من المنظومة لا يؤدي إلى انهيارها، بل إلى إعادة تشكيلها. إضافة إلى ذلك، فإن الكلفة السياسية الدولية لأي تصعيد واسع تجعل من استخدام القوة أداة محدودة الفعالية، وهو ما بدا واضحاً على الساحة الدولية، إثر إغلاق مضيق هرمز، وفشل الرئيس ترامب في بناء تحالف دولي واسع، استجابة لمطلبه بوجود تحالف لفتح مضيق هرمز.
ثالثاً- الاستراتيجية الإيرانية بوصفها نموذجاً في إدارة الصراع:
قامت الاستراتيجية الإيرانية على مبدأ تجنب المواجهة الشاملة مع تعظيم القدرة على التأثير غير المباشر، وتجلى ذلك في استخدام أدوات متعددة تتراوح بين النفوذ الإقليمي، والردود غير المتماثلة، والمرونة في التصعيد، وهذه المقاربة لا تهدف إلى الانتصار التقليدي، بل إلى منع الخصم من تحقيق حسم نهائي، وهو ما يجعلها استراتيجية “تعطيل الحسم” أكثر من كونها استراتيجية نصر.
خلال مسار الحرب، وما أظهرته إيران من قدرة على ضرب أهداف متعددة في إسرائيل والخليج، بدا جلياً أن اعتماد إيران على شبكة الحلفاء غير النظاميين، في اليمن والعراق ولبنان، كانت استراتيجية دفاع تبدأ من الخارج، لكن بالتزامن مع قدرات عسكرية في مجال الصواريخ الباليستية والمسيرات، مع وجود خارطة مسبقة لبنك أهداف محتمل، يتحول من النطاق الافتراضي إلى الواقعي حين يلزم الأمر، وهو ما حصل فعلياً خلال الحرب، من ضرب لقواعد أمريكية، واستهداف حقول نفطية.
في السلوك العملي لإيران، ظهرت أنها تعيد تعريف مفهوم الردع، فبدل أن يقوم الردع على منع الفعل، يصبح قائماً على إدارة الكلفة الزمنية والسياسية للفعل. وبهذا المعنى، تنتقل إيران من موقع الدولة المتلقية للضغط إلى فاعل قادر على إعادة توزيع المخاطر على مساحات جغرافية وسياسية متعددة. كما أن هذا النمط يسمح لها بالمناورة بين التصعيد والتهدئة دون فقدان القدرة على التأثير، وهو ما يضعف قدرة الولايات المتحدة على فرض معادلة استقرار دائمة.
رابعاً- الدولة المقيدة – القيود البنيوية على القرار الأمريكي:
على الرغم من الصلاحيات الواسعة الممنوحة دستورياً للرئيس الأمريكي، إلاّ أن هذه الصلاحيات تعاني من قيود بنيوية، وهو ما رأيناه في الحرب الأمريكية ضد إيران، فعلى الرغم من إعلان الرئيس ترامب الحرب من دون المرور بالكونغرس، إلاّ أن الرئيس مقيد بمدة معينة (60 يوماً)، بعد إعلان الحرب، وهو مضطر بعد ذلك للعودة إلى الكونغرس، كما أن الانقسام الحزبي العميق، يجعل من أي قرار للرئيس مجالاً للصراع السياسي الداخلي، فكيف الحال إذاً في حرب لا تحظى بإجماع في الرأي العام الأمريكي.
بهذا المعنى، فإن السياسة الخارجية في لحظات كثيرة تصبح امتداداً طبيعياً للصراع الحزبي بين الجمهوريين والديمقراطيين، بالإضافة إلى تداخل الحسابات الانتخابية مع القرارات العسكرية، ما يؤدي إلى تقليص أفق التخطيط الاستراتيجي، بحيث تصبح القرارات أقرب إلى إدارة مخاطر قصيرة الأمد بدل بناء استراتيجيات طويلة الأمد، ما يضعف القدرة الأمريكية على التعامل مع صراعات ممتدة ومعقدة مثل الحالة الإيرانية.
خامساً- من التصعيد إلى التفاوض:
بدل تحقيق نصر عسكري حاسم يحسب للرئيس ترامب، يجعله يدخل التاريخ، بوصفه الرئيس الأمريكي الذي أسقط النظام الإيراني، خصوصاً أن ترامب في ولايته الأولى انسحب من الاتفاق الذي كان قد أبرمه سلفه الرئيس الأسبق باراك أوباما، معتبراً أن الاتفاق الذي أبرمه أوباما هو المسؤول عن استمرار إيران في زيادة رقعة نفوذها في الشرق الأوسط، لكن بدلاً عن النصر المأمول، واجه ترامب نظاماً سياسياً قادراً على امتصاص الضربة الكبرى الأولى، والقيام بتعويض سريع في مراكز القيادة، التي اغتالتهم الضربة الأولى، وفتح إيران قوس الاستهداف لتطال دول الخليج العربي، وإغلاق مضيق هرمز.
التحالف الأمريكي الإسرائيلي في الحرب، واجه نأياً أوروبياً بالنفس عن الانخراط في هذه الحرب، التي لم يَستشر فيها ترامب الأوروبيين، وبدا أن الموقف الأوروبي كان موحداً ومنسقاً، وفيه نوع من الرضا عن عدم قدرة أمريكا / ترامب على تحقيق النصر، نظراً للتعامل الفوقي الذي مارسه ترامب مع أوروبا، عبر تصريحات وممارسات فعلية، خصوصاً في رفع الرسوم الجمركية على البضائع الأوروبية المصدرة لأمريكا.
اختيار باكستان كوسيط في التفاوض بين واشنطن وطهران، الذي جاء على خلفية قرب إسلام أباد من عدد من الفاعلين الكبار في العالم والمنطقة، بما فيهم الصين وإيران والسعودية، كان ضرورة أمريكية و”ترامبية”، لوقف ما استنزفته الحرب، ليس فقط عسكرياً ومالياً بالنسبة لواشنطن، بل لما استنزفته من سمعة أمريكا نفسها، بوصفها أعظم وأكبر قوة في العالم، لم تتمكن من تحقيق نصر عسكري على قوة إقليمية متوسطة مثل إيران.
لكن، ليس من الضرورة أن يحقق هذا المسار التفاوضي في إسلام آباد انتقالاً نحو تسوية مستقرة، أو اتفاق جديد، لكنه بالضرورة يعكس إدارة للتصعيد عبر التفاوض، قد يكون الهدف منها إبقاء الصراع ضمن ممكنات إدارته، خصوصاً أن الصراع لا يمس إيران وحدها، وإنما إعادة تشكيل النظام الدولي برمته.
سادساً- الورقة الإيرانية – إعادة تعريف موضوع التفاوض:
لا يمكن فهم الورقة الإيرانية بوصفها مجرد قائمة مطالب، بل بوصفها محاولة لإعادة تعريف الإطار الكلي للصراع، فهي لا تقتصر على الملف النووي، بل تربطه بالعقوبات، والضمانات الأمنية، والدور الإقليمي، بما يعني تحويل التفاوض من مستوى تقني إلى مستوى استراتيجي شامل. هذا التحول يعكس إدراكاً إيرانياً بأن معالجة ملف واحد من دون البنية الكلية للصراع لن يؤدي إلى استقرار دائم.
من الناحية النظرية، تمثل هذه الورقة محاولة لنقل مركز الثقل من “إدارة السلوك” إلى “إعادة تعريف النظام”، وهو ما يفسر رفضها الضمني لفكرة التدرج أو الحلول الجزئية. كما تعكس هذه الورقة سعياً إيرانياً لتثبيت موقعها كفاعل إقليمي لا يمكن عزله عن بنية النظام. وبذلك، تتحول المفاوضات إلى ساحة لإعادة هندسة قواعد النظام الإقليمي، وليس مجرد تسوية تقنية لملف محدد.
سابعاً- ما بعد التفاوض – من الفشل إلى إدارة اللا حسم:
أدى فشل جولة التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران إلى إعادة إنتاج نمط “إدارة الصراع” بدل الانتقال نحو تسويته أو حله. ويعني ذلك أن الطرفين استقرا ضمن حالة توازن غير مستقر، حيث لا يمتلك أي منهما القدرة على فرض الحسم النهائي على الآخر، وفي الوقت نفسه لا يرغب أي طرف في الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة ذات كلفة عالية وغير مضمونة النتائج.
هذا التوازن لا يمكن وصفه بالاستقرار الحقيقي، بل هو تعبير عن عجز متبادل: عجز الولايات المتحدة عن فرض تغيير جذري في السلوك الإيراني دون كلفة إقليمية كبيرة، وعجز إيران عن كسر منظومة الضغط والعقوبات أو فرض معادلة ردع كاملة تعيد تشكيل ميزان القوى لصالحها. ونتيجة لذلك، لا ينتج عن الصراع انتصار واضح لأي طرف، بل حالة من “اللا حسم الدائم”.
يمكن توصيف هذا النمط بـ “توازن اللا حسم البنيوي”، وهو مفهوم يشير إلى حالة مستمرة من الصراع المُدار، حيث تبقى التفاعلات بين الطرفين ضمن حدود محسوبة من التصعيد والردع، دون تجاوزها نحو حرب مفتوحة. في هذا الإطار، تتحول المواجهة إلى سلسلة من الإجراءات المتبادلة: عقوبات مقابل التفاف اقتصادي، عمليات ضغط سياسي وأمني مقابل ردود غير مباشرة، ورسائل ردع متبادلة عبر أطراف إقليمية.
وتكمن خطورة هذا التوازن في أنه لا ينتج استقراراً فعلياً، بل “استقراراً شكلياً” قائماً على إدارة الأزمات لا حلّها. وبالتالي فهو بطبيعته هش، إذ يمكن أن يتفكك بسرعة عند حدوث أحد ثلاثة عوامل: صدمة خارجية كبرى (مثل حرب إقليمية أو أزمة طاقة)، تغيّر في القيادة السياسية لدى أحد الطرفين، أو تحول جوهري في ميزان القوى الإقليمي (كتصعيد في ملفات مثل الخليج أو إسرائيل أو اليمن).
وفي الحالة الأمريكية – الإيرانية تحديداً، يعكس هذا النمط انتقال الصراع من محاولة “الحسم عبر التفاوض” إلى مرحلة “الاحتواء المتبادل”، حيث يصبح الهدف ليس إنهاء الصراع بل ضبطه ومنع انفجاره، مع إبقائه قابلاً للاستخدام كورقة ضغط استراتيجية من الطرفين.
ثامناً- السيناريوهات الأمريكية في حال استمرار فشل التفاوض:
1- تصعيد الضغط الاقتصادي وإعادة تفعيل أدوات الردع غير العسكري: ففي حال استمرار فشل التفاوض، فإن واشنطن تميل عادة إلى إعادة تفعيل سياسة الضغط الاقتصادي الأقصى، عبر تشديد العقوبات على قطاعات النفط والمال والشحن المرتبطة بإيران، مع توسيع نطاق العقوبات الثانوية لتشمل أطرافاً ثالثة تسهّل الالتفاف عليها. يهدف هذا المسار إلى تقليص الموارد المالية لطهران ورفع كلفة استمرارها في مواقفها التفاوضية، كما يُستخدم هذا الخيار لإعادة تشكيل ميزان الضغط بما يدفع إيران مستقبلاً إلى العودة إلى طاولة التفاوض بشروط أكثر مرونة.
2- احتواء الأزمة ومنع الانزلاق إلى حرب جديدة: بالتوازي مع الضغوط الاقتصادية، تعمل واشنطن على تبني استراتيجية احتواء تهدف إلى إدارة التوتر من دون تحوله إلى حرب مرة أخرى. يتجلى ذلك في تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في الخليج، ورفع مستوى التنسيق مع الحلفاء الإقليميين، خصوصاً في مجالات الدفاع الجوي والبحري. كما تُبقي الولايات المتحدة قنوات اتصال غير مباشرة مفتوحة عبر وسطاء إقليميين لتفادي سوء التقدير أو التصعيد غير المقصود.
3- سيناريو العودة إلى الحرب: في حال فشل المفاوضات بشكل نهائي، فإن أحد أخطر السيناريوهات يتمثل في عودة التصعيد العسكري مجدداً ا، ولكن ضمن ظروف مختلفة عن الجولة الأولى من الحرب. في هذا السياق، لا يكون الصراع بداية جديدة بالكامل، بل امتداداً غير مكتمل لحرب سابقة فشلت في إنتاج تسوية سياسية مستقرة.
وقد تلجأ الولايات المتحدة، في حال انهيار التفاهمات بعد وقف العمليات، إلى إعادة استخدام القوة العسكرية بشكل تدريجي أو موسّع، خاصة إذا رافق فشل التفاوض مؤشرات على إعادة بناء القدرات العسكرية الإيرانية أو تهديد مصالح أمريكية في الإقليم. إلاّ أن هذا السيناريو يبقى معقّداً للغاية، لأن الطرفين يكونان قد اختبرا مسبقاً كلفة المواجهة المباشرة، ما يجعل أي عودة للحرب أقل اندفاعاً وأكثر حساباً، لكنها في المقابل أكثر خطورة من الجولة الأولى بسبب تراكم عوامل الانتقام وتداخل ساحات الصراع الإقليمية.
الاستنتاجات الأساسية:
تكشف الحالة الأمريكية – الإيرانية عن حدود نموذج التفوق العسكري التقليدي، حيث لم يعد امتلاك القوة العسكرية والتكنولوجية كافياً لتحقيق حسم سياسي مباشر أو إسقاط أنظمة قائمة.
أظهرت الحرب الأخيرة أن الفاعل الأضعف عسكرياً قادر على تعطيل منطق الردع التقليدي عبر أدوات غير متماثلة، بما يؤدي إلى إعادة توزيع الكلفة الاستراتيجية على نطاق إقليمي واسع.
يتبين أن الفصل بين الإنجاز العسكري والنتيجة السياسية يمثل إحدى أبرز إشكاليات التدخلات الأمريكية الحديثة، إذ يمكن تحقيق نجاحات ميدانية من دون الوصول إلى أهداف استراتيجية حاسمة.
تعكس الحالة الإيرانية نموذجاً في “إدارة الصراع لا حسمه”، عبر توظيف النفوذ الإقليمي والردود غير المباشرة بما يمنع الخصم من فرض تسوية نهائية.
تُظهر البنية السياسية الأمريكية أن القرار الخارجي مقيد بعوامل داخلية بنيوية، أبرزها الانقسام الحزبي وتداخل الاعتبارات الانتخابية مع القرارات العسكرية، ما يحدّ من القدرة على التخطيط الاستراتيجي الطويل.
يؤدي غياب التوافق الدولي، خصوصاً داخل المعسكر الغربي، إلى تقليص قدرة واشنطن على بناء تحالفات شاملة داعمة للحسم العسكري أو السياسي، ما يعزز منطق إدارة الأزمة بدل حلها.
يعكس مسار التفاوض بعد الحرب انتقال الصراع من منطق “الحسم العسكري” إلى “إدارة اللا حسم”، حيث يستقر الطرفان ضمن توازن هش قائم على الردع المتبادل من دون تسوية نهائية.
في ضوء تعثر التفاوض، تظل السيناريوهات الأمريكية محصورة بين الضغط الاقتصادي، والاحتواء الاستراتيجي، والردع المحدود، مع بقاء خيار العودة إلى الحرب قائماً نظرياً لكنه عالي الكلفة.