أخبار سورية

«لست شجرة» وهندسة الخوف: كيف تصنع الأقلية الصاخبة وهم الكراهية الجماعية؟

علاء الخطيب 

ثمة وهم مريح نُغذّيه حين نتأمل موجات الكراهية التي تجتاح فضاءنا الرقمي: أننا أمام تعبير صادق عما يشعر به “الناس”.

لكن الحقيقة التي يؤكدها علم النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع معاً أكثر تعقيداً وأقل يأساً مما يوحي به الصخب الإلكتروني اليومي.

أولاً: هل الجماعات فعلاً تكره بعضها؟

عندما ننظر إلى حملة مثل «لست شجرة» التي انتشرت مؤخراً في سوريا، وتدعو صراحةً إلى مقاطعة أبناء الطائفة العلوية في كل تفاصيل الحياة اليومية، من المتجر إلى العيادة إلى التحية في الشارع، ينتابنا إغراء قوي للتفسير السهل: هكذا يشعر السوريون. هكذا تكره جماعةٌ جماعةً أخرى.

لكن هذا التفسير يكذّبه العلم قبل أن تكذّبه الأخلاق.

علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي لا يؤيدان فكرة أن جماعة بشرية كاملة تكره جماعة بشرية كاملة بشكل حرفي ومطلق. في أي تجمع بشري ستجد دائماً طيفاً واسعاً: من يحمل كراهية حقيقية، ومن يحمل خوفاً أكثر منه كراهية، ومن يمتلك غضباً سياسياً مشروعاً لا صلة له بهوية أحد، ومن لديه صداقات وزيجات ومصالح يومية مع الجماعة ذاتها التي يُفترض أنه يكرهها، ومن هو ببساطة منشغل بالمعيشة غير مهتم بهذا الصراع أصلاً.

ثانياً: الانحياز يسبق الكراهية

البشر لا يحتاجون إلى كراهية «الآخر» كي ينحازوا لجماعتهم. يكفي أن يشعر المرء بأن هؤلاء «نحن» وأولئك «هم»، عندها تبدأ آليات تفضيل الجماعة الذاتية تلقائياً: تبرير أخطاء الأقارب، وتفسير أفعال الآخرين على أسوأ وجه ممكن، والثقة بنوايا الأول والتشكيك بنوايا الثاني.

هذا الانحياز للجماعة ظاهرة إنسانية طبيعية، وهو ليس كراهيةً بالمعنى العاطفي للكلمة. لكنه التربة التي تنمو فيها الكراهية حين يسقط عليها خطاب مُدروس يحوّل عدد قليل جدا من الأفراد إلى ممثلين لهوياتهم، فيصبح المتهم ليس أمجد يوسف الذي ارتكب جريمته، بل «العلويون» بوصفهم كتلة واحدة غير قابلة للتجزئة.

وهنا بالضبط تكمن الخطورة: الانتقال من محاسبة المجرم إلى إدانة الطائفة، هو تحويل الجريمة الفردية إلى حكم هوياتي جماعي، ومسار مجرّب تاريخياً في أكثر المآسي الإنسانية سواداً.

ثالثاً: ديناميكية بناء وهم الكراهية الجماعية بين السنة والعلويين

في سياق صراعات أهلية بالحجم والعمق السوري، ثمة آلية نفسية اجتماعية موثقة لا ينبغي إهمالها: الناس لا يقولون عادةً «أنا أكرههم لأنهم مختلفون» بل يقولون «أنا أخاف منهم لأنهم قد يؤذوننا». هذا الخوف، حين يُترك من دون معالجة، ينتقل عبر مراحل متتالية: شك، ثم شيطنة، ثم احتقار، ثم كراهية. هذه المراحل تنتقل عددياً من خوف عند الأكثرية إلى أقلية تحمل الكراهية.

المشاعر المركبة مثل (الحب، الكراهية، الحقد، التسامح) هي سمات فردية شخصية وليست سمات بيولوجية أو جينية تنتقل عبر الهوية الجماعية. لا يوجد “دماغ واحد” يفكر لـ 16 مليون سوري سني، ولا لثلاث ملايين علوي. الكراهية سلوك وموقف نفسي يتخذه الفرد بناءً على تجاربه، أو تنشئته، أو وعيه، أو تأثير البيئة الخارجية، ولا يمكن تعميمه كصفة جينية أو حتمية على ملايين البشر لمجرد اشتراكهم في عرق أو دين.

يُعد الفرد، في علم الاجتماع الحديث، هو وحدة التحليل الأساسية. الكيانات الكبرى (العرق، الطائفة، القومية) هي مفاهيم مجردة وروابط هوياتية، وليست فواعل عاطفية. الجماعة لا تحب ولا تكره؛ الأفراد داخل الجماعة هم من يمارسون هذه المشاعر بنسب متفاوتة، وبدوافع مختلفة تماماً.

إذاً إن إطلاق حكم بأن “السنة يكرهون العلويين، والعلويون يكرهون السنة” هو تعميم مضلل يفتقر لأدنى معايير العلمية والموضوعية. إنه اختزال مخل تم استخدامه في البروباغندا من قبل كل الأطراف التي تورطت في الصراع في وفوق سوريا، ليسهل عليهم السيطرة على الساحة السورية.

هذا الاستخدام المُكثّف للبروباغندا الطائفية من قبل نظام الأسدين البائد، وكل الأطراف المتصارعة، ومن قبل السلطة المؤقتة حالياً، ساهم بشكل كبير في تحويل مقولة الكراهية والعداء بين السنة والعلويين إلى وهم واسع الانتشار في الشارع السوري.

وهذا يعني أن خطاباً مثل «لست شجرة» لا يكشف مشاعر الناس، بل يرفع أصوات هذه الأقليات الكارهة بين الجماعات السورية، بحيث يبدو وكأن كل السنة يكرهون كل العلويين وبالعكس. وهذه قراءة تناسب خوارزميات الإعلام المعاصر، ناهيك عن أهميتها للسلطة المؤقتة التي تعتمد على مبدأ “فرق تسد”.

رابعاً: الأقلية الصاخبة وأثرها في تشويه الواقع

هنا تكمن النقطة الأكثر أهمية والأقل ظهوراً في النقاشات العامة: من يكتب على الفضاء الإلكتروني ليس بالضرورة ممثلاً للمجتمع.

الأشخاص الأكثر غضباً هم الأكثر كتابةً، والأكثر تعليقاً، والأكثر مشاركةً. وهذا ما يُفرز ظاهرة الأقلية الصاخبة Vocal Minority، وهي أقلية تهيمن على الفضاء العام بصوت يبدو أعلى بكثير من حجمها الحقيقي، فيُخيَّل للمراقب أن «الجميع» يكره «الجميع»، بينما الجزء الأكبر من الناس: متعب، منشغل بالمعيشة، غير راغب في الصراع أصلاً.

وجود ملايين السوريين الذين ما زالوا يعملون ويتاجرون ويتزوجون ويتعاونون عبر الانتماءات المختلفة هو دليل صامت لكنه حاسم: المجتمع الحقيقي أكثر تعقيداً وأقل كراهية مما يرسمه الخطاب الإعلامي والإلكتروني، ومما يرسمه بعض النخب الذين اختزلوا الثقافة والمعرفة بجلد الذات الجماعية.

المشكلة أن هذه الأغلبية الصامتة لا تنتج محتوى، لا تكتب مقالات، ولا تنشر منشورات. ولا يوجد هاشتاغ يقول «أنا سوري أتعب من الحياة ولا أكره جاري». فيبقى الميدان الرقمي للأقلية الصاخبة تملأه كيف تشاء.

خامساً: الإعلام بين ناقل ومُضاعِف

حين تتناول وسائل الإعلام حملات من نوع «لست شجرة» من دون تأطير نقدي، فإنها بلا قصد تحوّل الأقلية الصاخبة إلى «رأي عام»، وتمنح الهامشي قدراً من المركزية لم يكن يملكه. هذه المعضلة القائمة بين الحاجة الصحفية المشروعة إلى رصد الظاهرة وبين الخطر الكامن في تضخيمها هي من أصعب المعضلات الأخلاقية في الإعلام المعاصر. 

غير أن ثمة فرقاً جوهرياً بين إعلام يرصد الظاهرة ويُحلّلها ويضعها في سياقها التاريخي والاجتماعي والنفسي، وإعلام آخر يجعل منها خبراً عاجلاً يُسبق بموسيقى تصويرية ويُختتم بسؤال «ماذا تعتقدون؟» في تشجيع صريح على الاستقطاب.

مسؤولية الإعلام في مواجهة خطاب الكراهية لا تعني التجاهل، بل تعني التأطير. أن يُقال بوضوح: هذا خطاب تحريضي تنتجه أقلية ولا يمثل مجتمعاً بأكمله. أن تُستدعى أصوات المعترضين المتعددين على الحملة بالقدر ذاته الذي تُعطى فيه المساحة لوصف الظاهرة. أن يُسأل: من أطلق هذه الحملة؟ وما الذي يستفيد منه؟ ولمصلحة من يتحول الغضب المشروع على جرائم محددة إلى إدانة طائفية مفتوحة؟

هذه الأسئلة ليست ترفاً أكاديمياً، بل هي التزام إعلامي وأخلاقي لا غنى عنه في مرحلة سورية بالغة الهشاشة.

وهنا تظهر حقيقة أن السلطة السورية المؤقتة من المشاركين الفاعلين في تغذية جو الكراهية، لأنها، وهي صاحبة السلطة الأقوى والمنصات الإعلامية الأغنى لم تكتفِ بالصمت عن حملات الكراهية، بل نشرتها ودعمتها.

خاتمة: المسؤولية ليست على الجميع بالتساوي

ما يظهر على أنه كراهية جماعية لا ينبثق من فراغ. بل تنتجه أقليات، بين كل المكونات السورية، مصالحها في الاستقطاب، وتُذيعه منصات أدواتها الخوارزمية تفضّل هذا المحتوى، ويُعمّقه إعلام غير مسؤول يُغلّب الإثارة على السياق. والضحية في النهاية هو تلك الغالبية الصامتة التي لا تريد سوى أن تعيش، لكنها لا تدرك أنها لن تعيش طالما بقيت صامتة.

الوصف الأدق علمياً للحالة السورية ليس «السوريون يكرهون بعضهم»، بل أن ثمة مستويات مرتفعة من انعدام الثقة المتبادلة والخوف التاريخي والعداء الهوياتي والخطابات الإقصائية. وهذا الوصف، مع كل ثقله، يظل أكثر أملاً من الأول: لأن انعدام الثقة يمكن معالجته، والخوف يمكن تفكيكه، والخطابات الإقصائية يمكن مواجهتها.

أما الكراهية المطلقة بين الجماعات، فلو كانت حقيقية كما يصوّرها أصحاب «لست شجرة»، لما بقي من سوريا ما يستحق البناء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق