السلفية في بدلة الدولة: من يحكم الآخر في سوريا الجديدة؟

علاء الخطيب
الحديث السائد اليوم يقول إن “السلفية تحكم سوريا”. عبارة جذابة، سهلة التداول، تبدو تفسيراً جاهزاً لمشهد بالغ التعقيد. لكن هذا التوصيف، رغم بساطته وانتشاره، يختزل قصة أعقد بكثير، قصة لا يمكن قراءتها بمعزل عن علاقة السلطة بالدين في سوريا على مدار قرن من الزمن.
فالسلفية في سوريا لم تكن يوماً مجرد تيار ديني مستقل ينمو في فراغ. بل كانت، في مراحل حاسمة، نتاجاً مباشراً لعلاقة ملتبسة مع السلطة، وأداة ضمن حساباتها، وأحياناً ضحية لها. لفهم الحاضر، لا يكفي أن نسأل: هل السلفية تحكم؟ بل يجب أن نسأل سؤالاً أعمق وأكثر إزعاجاً: كيف صُنعت هذه السلفية؟ ومن أعاد تشكيلها عبر العقود؟ ولأي غرض؟
في جذورها، لم تكن السلفية السورية كالمشهد الذي نراه اليوم. نشأت كحركة إصلاحية عقلانية في أواخر القرن التاسع عشر في دمشق وحلب، تسعى إلى تجديد الفكر الإسلامي لا إلى المواجهة، تمثلت في “مدرسة العلماء الشوام” مثل طاهر الجزائري، وجمال الدين القاسمي، وعبد الرزاق البيطار، القريبة من أفكار محمد عبده ورشيد رضا.
لكن التحول المفصلي جاء مع صعود الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، الذي أسّس لما يُعرف بالسلفية “العلمية”، وهو تيار لا سياسي في جوهره، يقوم على مبدأ الانكفاء عن العمل العام، والتركيز على “تصحيح العقيدة” وتربية الأفراد، مع رفض قاطع للخروج على الحاكم.
هنا بالضبط نشأ ما يمكن وصفه بـ “التفاهم الضمني” مع نظام البعث. في سوريا التي أُغلقت فيها كل أبواب السياسة بعد انقلاب 1963، وجد النظام في هذا النمط من التدين ضالّته: إسلام بلا أسنان سياسية. فبينما كان يُقمع الإسلام السياسي، وفي مقدمته “الإخوان المسلمون” بالحديد والنار، كان يُسمح لهذا النمط من السلفية بالانتشار النسبي، بل وشُجعت بيئات قريبة منه، مثل معاهد تحفيظ القرآن ودور الدعوة.
النتيجة لم تكن صدفة: إعادة تشكيل الحقل الديني السوري بحيث يُستبدل الإسلام السياسي “الخطر” بسلفية دعوية “آمنة”، تُبعد الدين عن السياسة وتترك السلطة بلا منافس ديني حقيقي. كانت هذه السلفية، بمعنى ما، اختراعاً للسلطة قبل أن تكون رداً عليها.
لكن هذه المعادلة لم تصمد. فبينما كان النظام يرعى سلفية الانكفاء في الداخل، كانت موجة موازية تتشكل بعيداً عن ناظريه، فقد كان عشرات الآلاف من السوريين العاملين في دول الخليج يعودون ليس فقط بالمال، بل بمنظومة فكرية مختلفة، سلفية وهابية أكثر صرامة، تنظر بريبة إلى الموروث الأشعري – الصوفي السوري، وتُقدّم نفسها بديلاً “أصيلاً”. عادوا كطبقة متوسطة صاعدة اجتماعياً، ومعهم قدرة على التمويل والانتشار في الأحياء الشعبية والأرياف.
كانت هذه الموجة تعمل بصمت داخل المجتمع، بينما أفغانستان كانت تصنع شيئاً أعنف بكثير في الخارج، فمع الحرب الأفغانية في ثمانينيات القرن الماضي، بدأ يتشكل نمط مختلف تماماً، سلفية أكثر صدامية، عابرة للحدود، مشحونة بفكرة القتال كفريضة وجودية. تسللت أدبيات وعقيدة الجهاد من أفغانستان ومن ساحات البوسنة والشيشان برؤى تختلف جذرياً عن “سلفية الألباني”، وبدأت بذور السلفية الجهادية تتشكل في الأطراف والأرياف السورية، بعيداً عن أعين الأجهزة الأمنية، أو ربما تحت رعايتها الصامتة والصارمة.
ثم جاء الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، ليكشف عن وجه آخر بالغ الدلالة في علاقة النظام بالسلفية. فبدلاً من القمع المباشر، اختار نظام بشار الأسد سياسة مزدوجة ومحسوبة، تتمثل بالتغاضي، بل أحياناً التسهيل، لعبور الجهاديين إلى العراق، ثم اعتقال من يعود منهم وزجّهم في سجون كسجن صيدنايا. لم تكن هذه السياسة عبثية أو ناتجة عن ضعف، بل كانت لعبة ذكية لإدارة التهديد، وتصديره إلى الخارج أولاً، واحتوائه أمنياً لاحقاً، وتقديم النظام في الوقت ذاته كحصن أمام الغرب في وجه التطرف.
لكن النتيجة الفعلية كانت أخطر مما حسب النظام، فقد تحوّلت السلفية الجهادية من ظاهرة هامشية إلى شبكة منظمة تمتلك خبرة قتالية وتجارب سجن مثّلت في حد ذاتها مدرسة للتطرف وروابط عابرة للحدود. صنع النظام الوحش الذي لم يستطع لاحقاً ترويضه.
ومع اندلاع الثورة السورية، لم تبدأ السلفية من الصفر. كانت البنية موجودة وجاهزة، من خطاب ديني متماسك، وشبكات اجتماعية راسخة في الأرياف والأحياء الشعبية، وتجارب قتالية مكتسبة، وما كان ينقصها هو الفرصة، وقد منحها إياها نظام بشار الأسد عبر ممارسته العنف الهائل.
برزت أسماء ستعيد رسم خريطة سوريا، مثل زهران علوش و”جيش الإسلام”، كنموذج لسلفية محلية حاولت الجمع بين الخطاب الديني والبراغماتية السياسية، وأبو محمد الجولاني و”جبهة النصرة”، التي مثّلت الامتداد الأكثر تنظيماً وانضباطاً للتيار الجهادي. و”تنظيم الدولة الإسلامية” (داعش) الذي دفع السلفية إلى أقصى حدودها العنيفة والعابرة للدول والقوميات.
لكن ثمة ما لا يُقال كثيراً، وهو أن صعود السلفية في ميدان الثورة لم يكن تعبيراً طبيعياً عن الأغلبية السنية السورية، بل كان نتاج عقود من الحرمان السياسي. فحين لا تجد المجتمعات طوال خمسين عاماً أي مساحة للتعبير الجماعي أو التنظيم السياسي أو التمثيل الحقيقي، فإن الخطاب الوحيد الجاهز حين ينفجر البركان هو الخطاب الديني لأنه الوحيد الذي صمد تحت الأرض.
اليوم نحن أمام تحول لم يسبق له مثيل في تاريخ سوريا الحديث، فالسلفية لم تعد في موقع المعارضة أو الميدان فقط، بل دخلت في بنية الحكم ذاتها.
شخصية مثل أحمد الشرع تجسّد هذا التحول بكل تناقضاته. رجل نشأ في الحقل الجهادي، وصنع تنظيمه من رحم “القاعدة”، ويقيم اليوم في القصر الرئاسي، ويتحدث بلغة الدولة والاستقرار والانفتاح. في واشنطن يستقبله ترامب بوصفه شريكاً. في باريس يصافح ماكرون. وفي دمشق، تستند سلطته إلى بنية مؤسسية تشكّلت داخل الحقل السلفي، حتى لو لم تعد تُعبّر عنه بشكل مباشر.
السؤال الذي يفجرّه هذا المشهد ليس بسيطاً: هل نحن أمام “سلفية في بدلة”، أم أمام سلطة ذكية استخدمت السلفية مطيّةً ثم بدأت تتجاوزها؟ الجواب الأرجح، والأكثر إزعاجاً، أن كلاهما صحيح في آنٍ معاً. فالسلطة الحالية لا تحكم عبر تطبيق أيديولوجي صارم، بل عبر “تسييل” هذه الأيديولوجيا وتحويلها إلى أداة مرنة تُستخدم عند الحاجة، وتُترك جانباً عند الضرورة الدبلوماسية.
هذا التحول لا يقف عند حدود الخطاب الدبلوماسي مع الغرب، بل يمتد إلى محاولة تفكيك إرث الفصائلية العشوائية وبناء جيش مركزي نظامي يعكس رغبة السلطة الجديدة في الانتقال من عباءة التنظيم الحركي إلى ثقل الدولة المحايدة إقليمياً.
إذا نظرنا إلى المسار كاملاً، تظهر صورة مغايرة للنعوت الجاهزة، فالسلفية لم تحكم سوريا كقدرٍ حتمّي، بل جرى توظيفها، وتشكيلها، وأحياناً استدعاؤها من قِبل سلطات متعاقبة، قبل أن تنقلب على تلك المعادلات وتحتل الميدان مستفيدة من تقاطع مصالح دولية بالغة التعقيد.
وهنا يطرح التاريخ تساؤلاً لافتاً للمقارنة، فالوثيقة القادرية، التي أبرمها الخليفة العباسي القادر بالله عام 1017م، كانت أول تقنين رسمي لعقيدة أهل السنة في خدمة السلطة السياسية، إذ فرضت محاذاةً مذهبية واحدة، وأقصت المنافسين، ورسّخت التحالف النفعي بين الفقيه والسلطان.
فهل ما يتشكّل في دمشق اليوم هو وثيقة قادرية بملامح القرن الحادي والعشرين؟ ثمة أوجه شبه لا يمكن إغفالها: سلطة تستمد شرعيتها الميدانية من الحقل الديني، مسودات دستورية تجعل الشريعة المصدر الأعلى، ومحاولة لإعادة تعريف “الإسلام السوري الصحيح” بما يخدم الاستقرار. لكن ثمة فارق جوهري، فالخليفة القادر كان يقنن عقيدةً مستقرة في عالمٍ قديم منغلق، أما أحمد الشرع فيتحرك في فضاء مكشوف، معلق على حبال الضغوط الدولية والاشتراطات الجيوسياسية المتصاعدة، ما يجعل أي “توثيق رسمي” قادريّ المحتوى، هشّاً في جوهره وقابلاً للاهتزاز عند أول منعطف تفاوضي.
المفارقة الأكبر هي أن القادر بالله قنّن ما استقر، بينما الشرع يحاول تقنين ما لم يستقر بعد. وربما هنا يكمن الخطر الحقيقي، ليس في أن السلفية تحكم، بل في أن سلطةً ناشئة تستخدم الدين كرصيد تكتيكي لا كمبدأ راسخ، قد تستيقظ يوماً لتجد نفسها رهينةً للجهة التي استدانت منها شرعيتها.