رأي

السلف والسلفية

د. هيثم مناع

يكفي فتح “لسان العرب” لابن منظور (630-711هـ / 1232-1311م) وملاحظة غياب كلمة السلفية عنه مصدراً وفعلاً وتعريفاً وصفة، لملاحظة أن السلف والسلفية، هو آخر اسم استعمل لطائفة أو فرقة إسلامية في القرون الهجرية السبعة الأولى. وإن كانت المعالم الأساسية للسلفية بأهم معانيها المعاصرة، قد تحددت منذ “الاعتقاد القادري” الصادر في عهد الخليفة العباسي القادر بالله (381ـ442هـ /991ـ1031م). عندما “استتاب القادر بالله أمير المؤمنين المبتدعة سنة 408 هـ/1017م من فقهاء المعتزلة الحنفية فأظهروا الرجوع وتبرؤوا من الاعتزال، ثم نهاهم عن الكلام والتدريس والمناظرة في الاعتزال والرفض والمقالات المخالفة للإسلام وأخذ خطوطهم بذلك وأنهم متى خالفوه حلّ بهم في النكال والعقوبة ما يتعظ به أمثالهم” (المنتظم، ج7، ص287). وبعث الخليفة بأوامره إلى الأمراء السنيين بهذا الشأن. ويضيف ابن الجوزي قائلاً: “وامتثل يمين الدولة وأمين الملة أبو القاسم محمود (الغرنوي) أمر أمير المؤمنين واستن بسنته في أعماله التي استخلفه عليها من خراسان وغيرها في قتل المعتزلة والرافضة (الشيعة) والإسماعيلية والقرامطة والجهمية والمشبهة وصلبهم وحبسهم ونفاهم وأمر بلعنهم على منابر المسلمين وإبعاد كل طائفة من أهل البدع وطردهم عن ديارهم وصار ذلك سنة في الإسلام”.

يبدأ الاعتقاد القادري بجملة التكفير والتحريم في صفوف المسلمين ومن يعيش في ظل سلطة الخلافة: “إن هذا اعتقاد المسلمين ومن خالفه فقد فسق وكفر”. مع التأكيد على رواية “الفرقة الناجية”، أي وجود إسلام حق وجماعة على حق، وما سواها باطل وفسق وكفر: “افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلاّ واحدة”. قيل: ومن هي يا رسول الله؟ قال: “مَن كان على مِثلِ ما أنا عليه وأصحابي”.

لعلّ ما جاء في هذا الحديث وركاكته في وقائع تاريخ الديانات الثلاث وعبر تاريخ الملل والنحل الفعلي، ما جعل حتى الشيخ يوسف القرضاوي عاجزاً عن الدفاع عن صحته، رغم حبكة الرواية عن أبي هريرة وأنس بن مالك ومعاوية بن أبي سفيان وغيرهم مع التصحيح التقليدي الذي أعتدناه من السلفيين (من ابن تيمية إلى الألباني). فهو يثبت قراءة مختزلة للدين سندها عنعنة ضعيفة، تعطي شيكاً مفتوحاً للتكفير في أي خلاف بين الفرق حتى السني منها.

خلال قرنين من الزمن، توسعت المحظورات والممنوعات عند الحنابلة لتشمل أدق تفاصيل الحياة الشخصية للمسلم مع تعدد فتاوى القتل بحق المخالفين لأهل “السنة والجماعة”. مع تقديس نصوص للحديث النبوي تشمل مسند ابن حنبل وما يعرف بالكتب الستة (صحيح البخاري، صحيح مسلم، سنن أبي داود، سنن الترمذي، سنن النسّائي، سنن أبو ماجه) رغم الضعيف منها والموضوع والمتناقض مع العقل والقرآن الكريم. إلاّ أن عملية أسطرة السلف كانت تتم عبر بناء “إيديولوجية سلفية سنية” تحارب البدع والفلسفة والرافضة والباطنية إلخ وتؤكد على مفهوم الطاعة كتجسيد للانقياد والانصياع لأمر: الطاعة المشروطة على الأرقاء والعبيد في حق سادتهم، الطاعة في حق الخلق لقيام شوكة السلطان.

من وجهة نظر الشيخ الفقيد عبد الله الحامد، يكمن أساس قوة الأمم والدول وضعفها، في ثنائية (العدل والطغيان) لا ثنائية (الكفر والإيمان). وأن الحكم يدوم مع العدل ولو كان كافراً، ويزول مع المظالم ولو كان إسلامياً، وهو يستند في ذلك إلى ابن تيمية والغساني وابن القيم فيما أفتوا وكتبوا. وإنما تبدأ المشكلة معهم، عندما يقولون “أن قول القائل إن مسألة الإمامة أهم المطالب في أحكام الدين وأشرف مسائل المسلمين كذب بإجماع المسلمين بل هو كفر. فإن الإيمان بالله ورسوله، أهم من مسألة الإمامة، وهذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام”.

لا تكمن المشكلة المركزية هنا في أسبقية موضوع الإيمان على إقامة العدل، وإنما في مركزية مفهوم العدل في إقامة الحكم في القرآن الكريم أولاً وإطلاق الكرامة الإنسانية للبشر كافة (ولقد كرمنا بني آدم) ثانياً، لذا لا تمييز بين الناس في الأحكام والحقوق في دولة وأمة. “إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل” (النساء 58).

لم ترد كلمة السياسة ولا أي لفظة مشتقة منها وصفاً أو فعلاً في القرآن الكريم، كذلك فإن تعبير الخليفة لم يرد البتة قبل وفاة الرسول محمد. من هنا ضبابية كل ما يتم الحديث فيه عن “الحاكمية” والحكم الإسلامي. الأمر الذي نلاحظه واضحاً في تأكيد غالبية أهل السنة والجماعة على الكف عن الخوض “في هذه الخلافات التي دارت بين الصحابة، والمطالبة باتباع قول عمر بن عبد العزيز: تلك فتنة عصم الله منها سيوفنا فلنعصم منها ألسنتنا”.  ولعل المثل الأكثر براغماتية على موقف أهل السنة، جواب ابن تيمية حين سؤل عن الخليفة يزيد بن معاوية: “لا نسبّه ولا نحبّه”. وكما هو معروف، لم يتفق أهل السنة والجماعة على الخروج على الإمام الظالم أو الفاسق “لما يترتب على ذلك من فتن وشرور”.

الحكمة والفلسفة:

في دراسته “الحكمة المصلوبة” يعطي سعود الفرحان مثلاً للنتائج الكارثية والطويلة الأمد لموقف السلفيين من المدارس العقلانية والفلسفية، موضحاً آثار هذا الموقف على الواقع العلمي والثقافي في السعودية، مُذكراً أنه بسبب هذا الموقف “توجد في السعودية قرابة عشر جامعات وعشرات الكليات لا تحوي بين جنباتها قسماً واحداً لدراسة الفلسفة، واعتماداً على نظرة ابن تيمية إلى الفلسفة التي تراها كفراً وضلالاً لم تتجرأ أي جامعة سعودية على فتح قسم للفلسفة في أيٍ من كلياتها، ولا على تدريس مواد فلسفية، وإن مرَّ ذكر الفلسفة عَرَضاً فينبغي وصفها بالكفر والضلال، والتأكيد على أن تحكيم العقل هو طريق الهلاك”.

في 11 سبتمبر 2001، ولدت سلفية جديدة أوجدت قطيعة بين أصحابها وحرمة الحق في الحياة. فباسم الدين والمظالم الواقعة على المسلمين، جرى الاعتداء على 3000 شخص من قوميات وأديان مختلفة يصعب عقلياً وقانونياً اعتبارهم مذنبين، سواء كان ذلك بالمعنى الأخلاقي أو السياسي أو الديني أو الجنائي. لن تقام محاكم جائرة أو عادلة بحق القتلة، بل ستغلق الأبواب أمام النضالات العادلة وستنال عنجهية القوة والقتل، ورقة سماح معولمة لاستباحة شعوب وبلدان.

وللحديث في السلفية الجهادية بقية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق