في الذكرى التاسعة لإطلاقه …”الدستوري” مشروعاً للدولة الحديثة
تسع سنوات مرّت على ذكرى إطلاق الحزب الدستوري السوري، حين وقّع المؤسسون أولى بياناته تحت اسم “قيادة الحزب في المنفى”.
كان المؤسسون في سياق تداولهم للاسم الذي سيكون عليه الحزب، أمام خيارات عدة، وصلت بعد نقاشات عديدة إلى اثنين: حزب الأمة، والحزب الدستوري، فقد أظهرت النقاشات التي استمرت لأشهر قبل الإطلاق وجود توافق فكري وسياسي على أن سوريا لم تتمكن من التحول إلى أمة بالمعنى السياسي الحديث، لكن دلالات مفهوم “الأمة” التي شابها الكثير في عقود لاحقة، على أيدي القوميين والإسلاميين، دفعت نحو خيار تسمية الحزب بـ “الدستوري”.
أمل الحزب ولا يزال في أن تتحول صراعات السوريين من صراعات هوياتية وأثنية واصطفافية إلى صراعات سياسية برامجية تُخاض في الفكر والسياسة والإعلام والبرامج الانتخابية وصندوق الانتخابات وتحت قبة البرلمان.
في الدول الوطنية العربية، ومنها سوريا، أُفرغت البرلمانات من مضمونها السياسي الحر، ومن علاقتها بالدولة الحديثة، وأصبح التشريع تحت هيمنة السلطات الحاكمة، إذ يتعذر وصول أي مواطن إلى البرلمان إذا لم يكن مقترحاً من حزب السلطة الحاكم، أو الأحزاب الديكورية الموالية له، أو رجال الأعمال الفاسدين الذين يعملون كواجهات للسلطات السياسية والأمنية والتنفيذية.
سنوات عمل فيها الحزب في ظل ظروف المنفى، حين كانت البلاد قد آلت إلى خراب واحتلالات وتهجير وسجون كبيرة معروفة وسرية، لكنها أيضاً كانت سنوات عمل لإنضاج الرؤى الفكرية والخط السياسي والتحليل المعرفي القائم على موازين القوة، وفي الوقت ذاته، كان يعمل على تجاوز أزمات عديدة، من أهمها أزمة العلاقة بين الداخل والخارج التي عانت منها جميع القوى السياسية.
بعد انهيار سلطة بشار الأسد في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، كان الحزب واضحاً في رؤيته ومطالبه، فسوريا الممكنة ككيان ودولة واستقرار هي سوريا المبنية على أسس الدولة الحديثة، والتي لا يمكن أن نمضي في تحقيقها كسوريين من دون خارطة طريق واضحة المعالم، بعد أن دمرت الحروب العديدة التي شهدتها البلاد ليس فقط البنى التحتية والعمرانية، وإنما مزقت النسيج الوطني السوري وأفرزت أزمات وطنية معقدة.
أشار حزبنا منذ البداية إلى خطورة مقولة “من يحرّر يقرّر” التي فرضتها سلطة الأمر الواقع كمرجعية لشرعيتها في الحكم، فهذه المقولة ليست سوى مسخ لمقولة “الحزب القائد للدولة والمجتمع” التي أعطت حزب البعث شرعية حكم سوريا لأكثر من خمسة عقود، وكلتا المقولتين تعتبران أن المجتمع قاصر عن إنتاج ممثليه السياسيين، وأنه لا يمتلك الحق في تقرير مصيره، واختيار شكل الحكم والنظام السياسي والتوجهات الاقتصادية للبلاد، ولا خيار له فيما تتخذه السلطة من علاقات وتحالفات خارجية.
مشروع الحزب الدستوري كان، ولا يزال، وسيبقى هو مشروع الانتقال بسوريا، الدولة والمؤسسات والمجتمع، لتكون دولة حديثة. والدولة الحديثة بالتعريف تقطع مع كل استبداد سياسي أو عسكري أو ديني، وتنظر إلى المواطنات والمواطنين بأنهم أحرار ومتساوون قانونياً، وقادرون على اختيار ممثليهم السياسيين والنقابيين، وتغيير الحكومات وإسقاطها عبر عمليات الاحتجاج السلمي أو في صناديق الاقتراع.
أسس الدولة الحديثة معروفة وواضحة في تجارب الدول المتقدمة، وكل تنكر لهذه الدولة بحجة الخصوصية هو تأبيد لحركة التاريخ ودفعها إلى الاستنقاع، فالدول الحديثة هي دول علمانية بالضرورة، تقوم على المواطنة المتساوية من دون أي تمييز على أساس قومي أو ديني أو طائفي أو مناطقي أو جندري، وهي بالضرورة ذات نظام ديمقراطي، ولها مهمات محددة، في مقدمتها تأمين الاستقرار والتنمية لجميع الفئات المجتمعية.
ليس الحزب الدستوري في عمله ومسعاه السياسي منذ التأسيس حزباً يقوم على اليوتوبيا، فأهداف الحزب هي أهداف استراتيجية وتاريخية، ويعلم الحزب عمق الهوة بين الواقع الحالي وبين ما يسعى إلى تحقيقه، لكنه منذ التأسيس رفض أن يقدم تنازلات تكتيكية بحجة الواقعية السياسية، التي كانت ولا تزال تهدف إلى المصالحة مع من يحكم سوريا، سواء كانت سلطة الأسد بالأمس القريب أو سلطة الشرع وهيئة تحرير الشام اليوم.
في الذكرى التاسعة لتأسيسه، يعاهد الحزب كل رفاقه ومناصريه والسوريين المؤمنين بالدولة الديمقراطية الحديثة أن يكون على الدوام قوة مثال في رؤاه وتحليلاته ونشاطاته وتحالفاته، وأن تبقى بوصلته سوريا التي يمكن أن تكون وطناً حقيقياً لا يشعر فيه المواطن بغبن أو يلحق به ضيم، وأن يكون مشاركاً ومسؤولاً في الوقت ذاته عن كل القرارات التي تخص حياته، ابتداءً من الحياة اليومية والمعيشية إلى القرارات السياسية والسيادية.