“سلطة” وعلاقات دولية بلا حامل وطني
هشام المسالمة
منذ استلام سلطة الأمر الواقع للحكم في دمشق، قامت بتصدير أي زيارة يقوم بها دبلوماسيون عرب أو أجانب لها، أو أي زيارة لوزير خارجيتها لدولة أخرى، أو زيارات الرئيس المؤقت ولقائه برؤساء دول المنطقة أو اللقاء مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بأن هذه الزيارات بمثابة إنجازات كبرى، وهي في جانب كذلك، بالنسبة لسلطة كانت مصنفة على قوائم الإرهاب الدولية، قبل إزالتها من مجلس الأمن، وبالتالي، فإن هدفها الرئيس كانت شرعنة نفسها على مستوى الإقليم والعالم.
والعالم.
غير أن هذه الصورة الدعائية، على أهميتها الظرفية، تطرح سؤالاً أعمق: ماذا تعني العلاقات الدولية لسلطة لا تستند إلى حامل وطني متماسك، ولا إلى عقد سياسي جامع؟
في المفهوم الكلاسيكي، تُعرَّف العلاقات الدولية بوصفها امتداداً للسياسة الداخلية، أي أنها تعبير عن مصالح مجتمع سياسي محدد، تُترجمها الدولة عبر أدواتها الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية. بهذا المعنى، لا يمكن فصل العلاقات الدولية عن بنية الدولة ذاتها: شرعيتها، مؤسساتها، وطبيعة التمثيل السياسي فيها. فالدولة لا “تقيم علاقات” بوصفها كياناً مجرداً، بل بوصفها تمثيلًا لإرادة جماعية، حتى وإن كانت هذه الإرادة محل نزاع أو اختلال.
لكن في حالات الدول المتصدعة، أو السلطات الانتقالية غير المكتملة، ينقلب هذا التعريف. فبدل أن تكون العلاقات الدولية انعكاسًا للداخل، تصبح محاولة لتعويضه. وبدل أن تعبّر عن مصالح مجتمع، تتحول إلى أداة لإنتاج الاعتراف بسلطة لم تُحسم شرعيتها داخليًا بعد. هنا، لا تعود السياسة الخارجية سياسة بالمعنى الدقيق، بل تتحول إلى ما يمكن تسميته “دبلوماسية الشرعنة”.
في هذا الإطار، يمكن فهم طبيعة العلاقات التي تحاول سلطة أحمد الشرع المؤقتة إقامتها. فهي ليست علاقات استراتيجية بالمعنى التقليدي، ولا تنطلق من رؤية وطنية متكاملة لإعادة بناء الدولة، بل تقوم على ثلاثة أنماط رئيسية:
أولًا، علاقات إثبات الوجود.
حيث تسعى السلطة إلى تكثيف اللقاءات والزيارات والتمثيل الدبلوماسي، ليس بقدر ما تهدف إلى تحقيق نتائج ملموسة، بل لإرسال رسالة مفادها أنها موجودة ومعترف بها. في هذا السياق، تتحول الصورة—الاجتماعات، المصافحات، البيانات المشتركة—إلى غاية بحد ذاتها، لأنها تعوّض غياب الترسخ الداخلي.
ثانيًا، علاقات المقايضة السياسية.
تعتمد السلطة على تقديم نفسها كشريك وظيفي في ملفات تهم المجتمع الدولي والإقليمي: مكافحة الإرهاب، ضبط الحدود، إدارة ملف اللاجئين. في المقابل، تسعى للحصول على الاعتراف والدعم. هنا، لا تُبنى العلاقة على تكافؤ سيادي، بل على تبادل مصالح غير متوازن، حيث تمتلك السلطة “وظيفة” أكثر مما تمتلك “مشروعاً”.
ثالثًا، علاقات الحماية غير المعلنة.
في ظل هشاشة البنية الداخلية، تميل السلطة إلى البحث عن رعاة إقليميين أو دوليين يوفرون لها مظلة سياسية أو أمنية. هذا النمط من العلاقات، حتى وإن لم يُعلن صراحة، ينعكس في طبيعة التموضع السياسي، وفي حدود الاستقلالية في اتخاذ القرار، وهو ما يؤدي تدريجياً إلى تآكل مفهوم السيادة، وتحويلها إلى سيادة مُدارة من الخارج.
رابعًا، علاقات الاقتصاد البديل.
نظرًا لضعف القاعدة الاقتصادية، تصبح العلاقات الدولية قناة للحصول على الموارد، سواء عبر المساعدات أو الاستثمارات المشروطة أو حتى شبكات الدعم غير الرسمية، لكن هذه الموارد لا تُدار ضمن رؤية تنموية وطنية، بل تُستخدم غالبًا لإعادة إنتاج السلطة ذاتها، ما يعمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع.
بهذا المعنى، فإن المشكلة لا تكمن فقط في طبيعة هذه العلاقات، بل في غياب الحامل الوطني الذي يمنحها مضمونها. فالعلاقات الدولية، لكي تكون سياسة، تحتاج إلى مجتمع سياسي منظّم، وإلى مؤسسات تعبّر عنه، وإلى حد أدنى من التوافق على تعريف “المصلحة الوطنية”، وفي غياب ذلك، تتحول إلى نشاط خارجي منفصل عن الداخل، بل وربما متناقض معه.
إن سلطة بلا حامل وطني لا تستطيع إنتاج سياسة خارجية بالمعنى الكامل، بل تكتفي بإدارة شبكة من العلاقات التي تضمن بقاءها، وهذا ما يفسر الطابع الاستعراضي أحياناً، والوظيفي أحياناً أخرى، لعلاقاتها الدولية. فهي لا تتحرك انطلاقًا من موقع دولة تسعى إلى إعادة التموضع في النظام الدولي، بل من موقع سلطة تبحث عن تثبيت نفسها داخل هذا النظام.
وفي الحالة السورية، يكتسب هذا التناقض حدّة أكبر، لأن أي علاقة دولية لا ترتكز إلى مشروع وطني جامع، ستبقى عرضة للانكشاف عند أول اختبار داخلي جدي، وهي بالفعل مكشوفة داخلياً، بفعل سلسلة من الممارسسات التي تجاوزت فيها حاجة السوريين، بعد نظام الأسد، إلى إنتاج عقد وطني جامع، كما ارتكبت مجازر بحق المدنيين في الساحل والسويداء، على أساس طائفي، وبنت الجيش أيضاً وفق عقيدة أيديولوجية غير مواطنية، وبالتالي، فإن العلاقات الخارجية التي تسعى إليها قد تمنحها اعترافاً مؤقتاً، لكن ثمة فارق نوعي كبير بين الاعتراف وبين الشرعية.
من هنا، تبدو الإشكالية الحقيقية ليست في عدد الزيارات أو مستوى التمثيل، بل في السؤال الذي لم يُحسم بعد: من هو “الشعب” الذي تُدار باسمه هذه العلاقات، وأي دولة يُفترض أن تنتج عنها؟