رأي

ماذا تعني العدالة الانتقالية لاستقرار الدولة السورية؟


هوازن خداج

تُعد العدالة الانتقالية أحد المفاهيم المركزية في مسارات التحول السياسي للدول الخارجة من النزاعات أو الحكم السلطوي، إذ تهدف إلى معالجة إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان عبر آليات قانونية ومؤسساتية واجتماعية، تشمل المحاسبة، كشف الحقيقة، جبر الضرر، وإصلاح المؤسسات لضمان عدم التكرار.
مثلاُ، في جنوب أفريقيا، ساهمت “لجنة الحقيقة والمصالحة” في تفكيك إرث نظام الفصل العنصري وتجنيب البلاد حربا أهلية واسعة، وفي تشيلي، أدى الجمع بين المحاسبة التدريجية وجبر الضرر إلى ترسيخ انتقال سياسي مستقر نسبياً.
وفي الحالة السورية، تشكّل العدالة الانتقالية شرطاً بنيوياً لبناء دولة ديمقراطية مستقلة تقوم على سيادة القانون والمواطنة المتساوية، وبناء شرعية سياسية جديدة تعمل على تحقيق استقرار مستدام، عبر معالجة إرث الانتهاكات التي طالت المجتمع والدولة معاً، ومنع عودة العنف بأشكال جديدة.
إن ما جرى ويجري على أرض الواقع هو تفريغ المفهوم من مضمونه، واستخدامه كغطاء سياسي لتدوير العنف وإعادة إنتاجه، وبدل أن تشكّل العدالة الانتقالية مدخلاً حاسماً لكسر دورة العنف، عبر اخضاع جميع الفاعلين من دون استثناء في مرحلة النزاع للمساءلة، فإن السلطة الانتقالية نفسها تضم شخصيات يفترض أن تكون جزءا من منظومة المساءلة، بحكم أدوارها السابقة في النزاع المسلح، لا جهة مشرفة عليها.
ويبرز في هذا السياق اسم أحمد الشرع، الرئيس الانتقالي، بوصفه أحد قادة الفصائل المسلحة والمتهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان سابقاً في سوريا. ووفقا للمعايير الدولية للعدالة الانتقالية، فإن الانتقال من العمل المسلح إلى السلطة السياسية لا يُسقط تلقائيا المساءلة، بل يفرضها بصورة أشد، لضمان عدم تحويل “الشرعية الجديدة” إلى غطاء للإفلات من العقاب؛ وهو ما رسخته السلطة الانتقالية الحالية من خلال ممارساتها وتورطها في ارتكاب مجزرتين منفصلتين، في مناطق الساحل السوري، ومحافظة السويداء، حيث قُتل مدنيون في سياق عمليات عنف منظم، وسط اتهامات مباشرة لقوى مرتبطة بالسلطة، أو تعمل تحت مظلتها الأمنية.
ورغم خطورة هذه الوقائع، لم تُعلن نتائج تحقيقات مستقلة وشفافة، ما يعكس نمطاً خطيراً من تدوير العنف وإعادة استنساخ منطق القوة والغلبة. وتعميق الشرخ المجتمعي، وتعزيز مشاعر الظلم، وخلق بيئة خصبة للانفجارات الحالية والمستقبلية.
والأخطر من ذلك أن خطاب العدالة الانتقالية ذاته جرى توظيفه كأداة سياسية. فقد تحوّل هذا الملف إلى ورقة ابتزاز ومساومة، يُلوَّح به ضد خصوم أو فئات معينة، بينما يُستثنى منه الفاعلون الأقرب إلى مراكز القوة، وبالتالي، فإن هذا الاستخدام الانتقائي لا يُفرغ العدالة من مضمونها فحسب، بل يُحوّلها إلى أحد أدوات إدارة الصراع، لا إنهائه.
إن هذا النمط ليس جديدا في المنطقة. فالتجربة العراقية بعد عام 2003 أظهرت كيف يمكن للعدالة الانتقالية، حين تُسيّس وتُستخدم بشكل انتقائي، أن تتحول إلى عامل تفجير بدل أن تكون عامل استقرار. أما في لبنان، فقد أدى تجاهل العدالة بالكامل بعد الحرب الأهلية، عبر قانون العفو العام وطمس الحقيقة، إلى ترسيخ نظام هشّ قائم على توازنات قسرية، ما أبقى العنف كاحتمال دائم.
الفرق في الحالة السورية عن النموذجين السابقن، يكمن اليوم في الجمع بين النموذجين: لا عدالة شاملة، ولا حتى تجاهل صريح، بل استخدام انتهازي للملف.
إن العدالة الانتقالية لا يمكن أن تُدار من موقع المتهم والحَكم في آن واحد. فإما مسار شامل يخضع له الجميع من دون استثناء، أو استمرار حلقة العنف بعناوين وأسماء جديدة. وأي سلطة تُبنى على إنكار هذه الحقيقة، إنما تؤسس لأزمة قادمة لا لاستقرار دائم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق